كتابة، إرسال، تحرير …ديليت !

فبراير 21st, 2020

ما الذي يحدث كلما (تعشّمت) في شيء وطال زمن حصولك عليه؟ … تزهد فيه أو تعافه في الغالب، مهما كانت شدة رغبتك فيه، ذلك أبسط ما يفعله الفارق الزمني بين الرغبة والحصول، أشغلني لفترة ما يمكن أن يحدثه الزمن فقط بعبوره، خاصة فيما يتعلق بالتواصل بيننا، امتدادا لما ذكرته في التدوينة السابقة، فإنني أؤمن أن (التزامن) هو احتياج لحوح في علاقاتنا وكلما افتقدناه كلما فقدنا من صحة هذه العلاقة.

أقصد بالتزامن هو التواصل مع الشخص في المكان والزمان نفسه، هنا والآن، ، أنا من الأشخاص الذي لا يعرّفون البُعد والمسافة بأنها “فارق التوقيت” وليس الجغرافيا، فارق التوقيت هو الذي يجعل التزامن مختلا بين الطرفين، هو النقطة الحرجة.

كتابة، إرسال، تحرير …ديليت !

ها نحن اليوم لدينا فرصة للتعبير والتحرير وفرصة الحذف، وميزة معرفة كون الرسالة مقروءة والشخص موجود في اللحظة أم لا ( واتساب يعطيك مستويين من مقاربة التزامن : الاستلام ، القراءة ) ، والسؤال: هذا كان ذلك مبالغا فيه؟ هل يجب أن نحصل على كل هذه الفرص في الحذف والتحرير في حالة التواصل الصحي والسليم؟

برأيي؛ نعم كل ذلك مبالغة، أقاوم نفسي في استخدام هذه الخواصّ لأنها تقلل من امتياز التواصل التعبيري، فأنا عوضا عن حذف الرسالة في واتساب مثلا؛ أقول للشخص: أشعر برغبة في حذف ما أرسلته، أود لو أنني لم أقله! أو أقول: عذرا أرسلته بالخطأ. لا أفعل ذلك دائما لكن في معظم الوقت، وهكذا؛ برأيي فإن التواصل مع الأشخاص عن طريق استغلال هذه الأخطاء أو التراجعات هو تواصل أكثر إثمارا من استعمال الخواص التقنية في الحذف. وهذه أبسط فائدة. بالنسبة لي فإن غايتي العليا هي الحفاظ على التزامن، وهو ما سأسرده في أفكار مترامية هنا باختصار:

  • محاكاة التزامنية: خواص الإعلام بالاتصال (online)، بالتفاعل (Typing…) ،بوصول الرسالة، التنبيه عند التغريد، التنبيه المخصص، تحميل برامج لتخترق ما يحجبه الشخص من معلومات، وفي المقابل تحميل برامج لإخفاء الحالة، “خلينا نشغل الفلم مع بعض”، الايموجي ، هذه كلها محاولات تقنية لخلق حالة تزامنية بين الطرفين، ذلك ما يجعلنا مدمنين لها، شعورنا بأنا نحاكي (هنا والآن) رغم بعد المسافة.
  • شخصيا أشترط التزامنية ونقل مستوى التواصل في حالة تطور العلاقة ، إذا كان الطرف المقابل غير مستجيد للتزامنية فإن تلك هي نهاية ما لدي معه، ذلك مفرق الطريق، أنا لا أطيق تواصلا غير متزامن.
  • هناك احتياج للشعور بأن الطرف الآخر يقوم ما يقوم به في اللحظة التي تعرفها أنت، أسمي بذلك باختبار التزامنية معا، حتى لو كنا منفصلين مكانيا فإننا على الأقل نشعر باللذة أننا نشاهد نفس الفلم في نفس اللحظة، ذلك لا يكون إلا من الشعور (هنا والآن)
  • عندما يتصل بك شخص فترسل له: أنا مشغول؛ سأتصل بك لاحقا. هل تسائلت لماذا تضع آبل هذه الرسالة الافتراضية مع خيار رفض الاتصال؟ خيار رفض الاتصال نفسه هو شعور بالتزامنية،فأنت تقول بذلك: لقد سمعت  اتصالك “الآن”، لكنني مشغول وأريد أن تعرف ذلك الآن أيضا

لماذا يهرب الناس من التزامن؟

هل شاهدت ميم (Meme) يتحدث عن المعضلة مع أولئك الذين يتصلون عوضا عن الإرسال؟ لماذا يشعر هؤلاء أن التزامنية معضلة، وعبء نفسي، ونوع من التطلّب؟ برأيي أن الإدمان على الخواص التقنية التي تمنح خيارات التحرير والتخفي هي التي شوهت قدرة هؤلاء على أن يتقبلوا الحضور الآني، الاتصال، وجعلتهم يشعرون بالذعر إذا كان الشخص المقابل متصلا في ذات اللحظة التي يكتبون له فيها، هذا لا يمكن أن يكون تواصلا طبيعيا!

مالذي تخسره بغياب التزامن:

الخسارة هي: الحكاية المشتركة ؛ أعني بذلك أننا متفوقون في صياغة الحكاية المنفردة، التزامن يجعلها حكاية مشتركة مع طرف آخر، لا يمكنك أن تقول (شاهدنا الفلم معا/ سهرنا معا) إذا كان أحد الطرفين غير متصل أو غير موجود! هل تغلب حكاياتك المنفردة حكاياتك المشتركة؟

استخدام التزامن للتلاعب بالآخرين:

أصبحنا نرهب الحضور، تظهر لدينا مشكلة ال” أعرف أنك قرأت رسالتي فلماذا لم ترد؟” حتى أن الناس أصبحوا يستخدمون تلك الميزة التقنية في التلاعب بمشاعر بعضهم البعض، تريد أن تؤذي شخصا وتدفعه للشعور بأنه أقل أهمية، بأنه متروك أو مهمل؟ دعه يعرف بأنك قرأت رسالته، دعه يعرف لأنك لا ترد عمدا؛ دون أن تكتب حرفا واحدا، إن مجرد التلاعب بقوة التزامنية كاف لإيذاء شخص ما، أعتبر هؤلاء الأشخاص يفتقدون للحسّ الإنساني في أدنى مستوياته، مع ذلك أعتقد أنها ميزة الكترونية ، إنني أحترم حقّك في التنازل عن التزامنية، لكنني في نفس الوقت أعتبره تنازل أخلاقي، أنا شخصيا أتنازل عن حق التزامنية، لكنني أضع تنبيها للطرف المقابل من قبيل: “أحتاج وقتا أطول للتفكير”، “مالي نفس أتواصل مع أحد الآن”


يمكننا أن نملك كافة الأدوات التقنية للكتاب، للإرسال والتحرير، للحذف، لكن هل مازلنا نسيطر على مفاهمينا الصحّية في التواصل؟

لماذا توقفت عن بناء المزيد من الصداقات البعيدة أو الالكترونية؟

فبراير 8th, 2020

في السادس والعشرين من أكتوبر2017م اتخذت قرارا بالتوقف تماما عن بناء المزيد من الصداقات/العلاقات البعيدة أو الالكترونية، بأثر رجعيّ محدود حيث خرجت من الصداقات القديمة التي تأخذ ذلك الطابع والتي لا يهدف أطرافها إلى التلاقي المتكرر. كان هذا القرار بمثابة الانفراجة النفسيّة إذ أنني لا أجد نفسي متمتّعة بهذا النوع من التواصل المجزأ محدود السياق (نصّي/صوتي) لكنني ظللت أقاوم هذه الانزعاج وحاولت دفعنه بل مساءلته: لماذا علّي أهتم إلى هذا الحد بالحضور الفيزيائي/الجسدي؟ هل أبالغ؟ لكنني أخيرا قررت أن أستجيب لرغبتي والحصول على مزيد من الراحة والانطلاق والانسجام بين ما أرغب فيه وما أمارسه. ولأجعل حديثي أكثر دقة فإنني أقصد بالصداقات البعيدة/ الالكترونية هي تلك العلاقات التي يغيب فيها الحضور الجسدي سواء في شكل لقاءات أو تواصل أكثر حميمية وسواء كان البديل لذلك هو التواصل النصي/الصوتي أو حتى اللقاءات المتباعدة بحيث أفقد روح التزامن (تدوينتي السبت القادم هي تفصيل لموضوع التزامنية هذا) إذ أنه -الآن- لا فرق عندي بين صديق أو صديقة تسكن بالجوار مني لكن نمط حياتينا متغايرا إلى الحد الذي لا يوفر لقاءات ترددية بحد معقول وبين الصديق/الصديقة التي تسكن آخر الدنيا وليس بيننا إلا تويتر أو واتساب، كلاهما مرفوضان، أو بعبارة ألطف: لا أستطيعهما.

التواصل الالكتروني/المتباعد….  كان حلا مخادعا:

طفلة نشطة للغاية، ستراها تشارك في كافة أنشطة المدرسة، تكتب المسرحيات وتمثلها وتخرجها، ترتب للاحتفالات وكل شيء صفّي ولا صفّي تنجزه، بالغة تنزع إلى الحركة والتحليل والانتاج، كنت دوما ذلك الشخص الذي يظنه الجميع اجتماعيا وودودا، لكنني في حقيقتي كنت -ومازلت-  ذات طاقة محدودة عندما يتعلق بالأمر بالتواصل الثنائي مع الأشخاص أو المجموعات الصغيرة، حيث تتضاعف المسؤولية (الاجتماعية) في التواصل مع أطراف المجموعة، إنني قد أكون كل شيء إلا أن أكون “شخصا اجتماعيا” ، كنت -ومازلت- إنسانا ينزع إلى الانطوائية، وكل ذلك النشاط الخارجي كان استجابة لقيمة الحضور الجسدي لا لبناء العلاقات، بمعنى أنا أشارك في المسرحيات لأنني أحب تهيئة جسدي وفق إيماءات الدور المنصوص، ليس لأنني فتاة اجتماعية تريد بناء صداقات مع الجمهور المفترض! إذا كنتَ قد أدركت الفرق الخفيّ بين الاثنين فلأنك غالبا صديقي في هذا النادي، حيث ستحتاج إلى تجربة ذاتيّة لإدراك ذلك. على كلٍ، كان ذلك -ومازال- يورّطني .. حيث أن نزعتي الانطوائية لا تريد بل وتعجز عن مواكبة كل هذه الجموع البشرية التي ألتقيها بحكم نشاطي الجسدي، لذلك كان الإبقاء على المسافة وقصر التواصل على المحادثات الالكترونية مفيدا لي ويمنحني مساحة للتنفّس، لكنني دون أن أشعر ضللت الطريق…

العودة إليّ …

عندما تكون الثقافة السائدة الأبوية تعرّف جسدك كأنثى بأنه بحد ذاته مشكلة! زخم الأفكار المروجة الثقافية والدينية تجاه جسد الأنثى باعتباره محط الخطيئة والفتنة وتقطع الصلاة ويستشرفها الشيطان، وخرافات الشرف، كل هذه الثقافة تجعل علاقاتنا كإناث بأجسادنا مضطربة فضلا عن التعايش الجسدي مع الآخرين (حتى في غير السياق الحميمي- تعرف الفتيات أن مدارسهن كانت تجرّم احتضان الصديقات والمشي متجاورين بأكفّ متشابكة حيث يصنف ذلك كعيب اجتماعي ومخالفة مدرسية!) ، غير أنني – ولحسن الحظ- لم أنظر يوما إلى جسدي سوى أنه مكاني وأرضي الخاصة بي ولا أحد سواي، ولا أعتقد أنني أكتسبت هذه النظرة بقدر ما أنني وجدت نفسي عليها كما أن انطوائيتي ساعدتني على الإصغاء لنفسي، لروحي، لجسدي على السواء وحمتني إلى حد كبير للغاية من هذه الأوبئة الثقافية ، ذلك ما جعل احتياجي إلى الحضور الجسدي في صداقاتي صريحا وصارخا، ومستغربا ومحكوما عليه من قبل الرفقاء حولي، لكنني أتفهم ذلك بالطبع. حيث تسألني زميلة: لماذا أحتضن الغرباء بدلا عن مصافحتهم؟ أخبرها أنني ببساطة أحب ذلك وهم يستلطفونه فما المشكلة؟! والدي علمني ذلك، – كجنوبيين- نحن نقدر التعبير الجسدي، نقدر القبلات والاحتضان وملامسة الأيدي، وذلك جعلني منفصلة إلى حد مزعج عن الثقافة السائدة في المكان الذي كوّنت فيه صداقات متباعدة أو يكتفي أطرافها بالتواصل النصّي مثلا، لا… ليس أنا، عموما …كنت أقول أن انطوائيتي وجدت هذه الثغرة في النظام الاجتماعي، فاستوطنتها، بالغت كثيرا في هذه الصداقات المتباعدة مما أبعدني عن حقيقتي، التي تفضل التواصل الذي تحضره فيه جميع الحواس، ويكون الأصدقاء فيه ملء السمع والبصر .. والأيدي أيضا!

لماذا؟!

أنا لا أنوي إقناع أحد بهذا النمط من التواصل المشروط بإمكانية الحضور الكامل، كما أنني لا أنوي إلقاء موشح عن عجز التواصل المتباعد أو الالكتروني عن تلبية احتياجاتنا في بناء نظام اجتماعيّ داعم من شبكات بشرية متنوعة ، لكنني أود أن أختصر معظم ما أستفيده من هذا النمط، ما يجعلني أصرّ عليه – رغم أن كونه ملازم لحقيقتي وطبيعتي أمر كافٍ – لكن بالإضافة إلى ذلك:

  1. التواصل متعدد المستويات: في التواصل الالكتروني نحن محدودون بالقاموس اللغوي وبقاموس الايموجي، في التواصل الجسدي الكامل، تنطق الإيماءة والنظرة واللمسة وصفّ الأسنان في الضحكة ويستجيب شعورك لتجعيدة العينين عند تبسم الطرف المقابل لك أكثر مما يفعل الإيموجي.
  2. الذاكرة المكثقة: اجرِ حوارا حميميا مع صديقك على واتساب، بعد فترة ستتذكر الكلمات، اجر ذات الحوار في لقاء على صوفا تجمعكما بعد فترة ستتذكر المكان، وشعاع الشمس الذي قسم الطاولة أمامكما إلى نصفين وتتذكر الظل بإزائها، ستتذكر اللحظات التي سكت فيها ليلتقط أنفاسه أو عندما نظر إلى جواله، ستتذكر إحساسكما بالجوع في نهاية الدردشة والبحث عن عشاء متأخر في هنقرستيشن، فضلا عن نبرة الصوت و(الهاي فايف) ، إن العلاقات تنمو بالتصاعد على هذه الذاكرة، فاسترجاع الذكريات يكون ألذ وأشهى وآكد وأبلغ إذا كان مقرونا بكل ذلك، ستحكي يوما: عندما كنا جالسين في شقتي و”سولفنا” حتى الفجر ثم وجدنا المطاعم مغلقة.. هكذا ستكون القصة في قلبك، برأيي هذا أروع بكثر من: تذكر لما كتبت لي كذا … انتهى! (الان يمكن الاقتباس الكترونيا .. لن تضطر حتى لإعادة تذكر ما قاله)
  3. تعدد التجارب: التواصل الجسدي يستدعي الحصول على مساحة، ذلك يعني ترتيبات تتعلق بالبحث عن أماكن متعددة ( وربما سفر ودول متعددة) هذا يعني أن العلاقة ستكون زاخرة بالتجارب المشتركة، كيف يمكن ألا يكون هذا الأمر رائعا؟!
  4. … ماذا أيضا؟

هُراء عاطفيّ (ملخّص سريع)

يناير 31st, 2020

في آخر كتاب من حصة يناير القرائية، يطرح د.كارل ألاسكو (المعالج النفسي لأكثر من عشرين عاما) عدة أسئلة لتفهم بها نفسك واحتياجاتها الكتاب عنوانه (Emotional Bullshit – الهراء العاطفيّ) بعنوان جانبي: الوباء الخفيّ الذي يدمر علاقاتك وكيف توقفه؟!

الثلاثي السامّ:

تتلخّص المواقف السلبيّة التي نعاني منها كأشخاص وحتى كمنظمات وجهات تجاه أنفسنا أو تجاه بعضنا البعض بأنها وليدة لأحد أو جميع هذه المشاعر الأربعة: القلق، والغضب، والألم، والخوف. ورغم أن هذه المشاعر تبدو صرفة وصريحة وصارخة إلا أننا كبشر (مليئون بالهراء!) ننزع إلى الهروب من مواجهاتها من خلال: الانكار، والتضليل، واللوم ، وهذا هو الثلاثي السامّ الذي يأخذك إلى بقعة سوداء من الظلام العاطفي. إن هذا الثلاثي السامّ يعمل في تواطؤ معا، فإنكارنا للشعور يخلق فراغا نملأه بالتضليل أي محاولة تفسير وتأويل الأحداث بشكل مضلل، الأمر الذي يقودنا إلى إلقاء اللوم إلى أي طرف خارج عنا. دائما ما نعتقد أن على الآخرين أن يبذلوا مزيد عناية بشان العلاقة معنا هذا اللوم النابع من الفكرة المضللة بأنهم قادرون على ذلك، هذه الفكرة البديلة للحقيقة الساطعة التي ننكرها وهي: لقد أخطأنا في الاختيار من الأول! وهكذا يعمل على الثلاثي بشكل دؤوب لخلق دوامة (الاحتيال العاطفي) والتي لا يمكن أن تتخلص منها إلى بإشباع الحاجات الأساسية وسأذكر طريقة اكتشافها في آخر التدوينة.

” إليك الجزء الأسوء من الأمر: كلما كنا أكثر قربا من الطرف الآخر، زادت أهمية العلاقة وزاد عمقها، وأصبحت رغبتنا في الحفاظ على روابطنا مع هذا الشخص أكثر حدّة، بالتالي سوف يزداد لدينا الدافع لاستخدام الاحتيال العاطفي من أجل تجنّب الألم الناشيء عن الانفصال عنه. إليك الجزء الأكثر سوءًا: الخوف من الألم يمكن أن يكون أكثر قوة من الخوف ذاته”

البنية الداخليّة للاحتيال العاطفي:

إنّ أكبر معترك بشأن الاحتيال العاطفيّ هو كونه يحدث في المنطقة المغيّبة من وعينا، لأننا بارعون في مخادعة وتضليل أنفسنا، كما أن هذه الاحتيال يشبع عددا من نواقصنا لذلك نهرع إليه، نحن نستخدم الاحتيال العاطفي من أجل:

  1. تجنّب الصراع من خلال تجاهل التعامل معه
  2. تجنب معايشة المشاعر السلبية الأبعة: القلق، والغضب، والألم، والخوف
  3. تعظيم قدراتنا ( لا تبالغ! سأتدبر الأمر)
  4. خلق واقع خياليّ لتشتيت الانتباه
  5. جعل أنفسنا نبدو في حال أفضل مما نحن عليه فعلا.
  6. إلقاء المسؤولية على عاتق طرف آخر (لقد تجاهلتك لأنك قللت من احترامي) الحقيقة هي ( إنني أتجاهل مسؤوليتي فب خطأ تقييمي باعتبارك شخص محترم)

الاحتيال العاطفي في فترة التعارف كيف تكتشفه؟

هناك 5 شروط أساسية يجب تقييم الطرف الآخر عليها دون تأثير من الثلاثي السام: لا تنكر، لا تضلل نفسك، لا تلوم، الأسئلة هي: الإتاحة الجسديّة، والقدرة الماليّة، والإتاحة العاطفيّة، والخلو من الإدمان (بكل أنواعه)، وتوافق القيم والأخلاق. هذه الشروط الخمسة لا تكون فاعلة إلا من خلال مطلب أساسي لا يمكن التنازل عنه وهو: القدرة على التواصل بنجاح!.

أوقف الاحتيال العاطفي:

كما أشرت في مستهل التدوينة فإن الطريقة الوحيدة لإيقاف الاحتيال العاطفي سواء ممارسته مع الآخرين أو قبوله منهم، يكون بإشباع الاحتياجات الأسياسية ( لا .. لا نتكلم عن هرم ماسلو، بل شيء آخر!) المشكلة أن رحلتنا في اكتشاف احتياجاتنا الأساسية تبدو رحلة عسيرة، فكيف نفرق بين الاحتياج الأساسي الحقيقي والشيء الذي ترغب فيه ولكن لا تحتاج إليه فعليَا؟ أو الشيء الذي ربما يكون مرغوبا لكنه مشبع بسموم الاحتيال العاطفي؟  … هذه ثلاثة عوامل يمكنك أن تضع فيها الاحتياج الذي تشعر به لتختبره، فالاحتياج الأساسي الحقيقي:

  1. يصب في منفعتك على المدى البعيد ( ما تستمتع به في المدى القصير ليس احتياجا حقيقيا)
  2. ينمي شخصيتك ونزاهتك الشخصيّة
  3. يُخرج ذاتك العميقة والأصيلة، مثلا: أنت تشعر بالتعب وكل ما ترغب في فعله هو الجلوس بصمت لكنك عوضا عن ذلك تدفع نفسك للعب مع طفلك أوالتحدث مع شريكك أوالنظر في عيني محبوبك بدفء، يشعر الطرف المقابل تجاهك بالحميمية والقرب، المعنى في أن تكون فاعلا ونقيا، فتشعر أنت بالرضا مما ينمّي ويعمق علاقتكما، إن هذا التصرف أخرج ذاتك العميقة الأصيلة لتفصح عن نفسها ببهاء. هذا الإفصاح احتياج أصيل وعميق.

” نحن نولد في عالم سحريّ من الإدراكِ المضلّل، إن عقل الرضيع مصمم لامتصاص كميات هائلة من المعلومات الجديدة ومن أجل ذلك لايقوم عقل الرضيع بغربلة ما هو حقيقي وماهو غير ذلك من أجل ذلك يسهل عليه الخلط بين الخيال والحقيقية، … إن بعضا من هذا الإدراك المضلل يبقى معنا طوال حياتنا”

هذا ملخص سريع لأكثر ثلاثة فصول دسامة من الكتاب المكون من حوالي 260 صفحة ثريّة جدا، في اثني عشر فصلا، أشجّعكم كثيرا على قراءته، خاصة الفصول التي لم أتطرقها إليها هنا مثل: كيف يخلق الاحتيال العاطفي مشكلات خطيرة بين الآباء والأبناء، الاحتيال العاطفي في مكان العمل، اكتشاف احتياجاتك الأساسية، مواجهة النار: استخدام الصراع البنّاء في علاقاتك.

قراءة ممتعة

كيف أنقذت الكتابة حياتي؟ – سلسلة لا نهائية

يناير 29th, 2020

عندما أردت كتابة العنوان وترميزه بكلمة (الجزء الثاني) لم أستطع فعل ذلك، أعني لم أستطع معايشة شعور اعتبار الكتابة كأشياء متجزئة في سلسلة تدوينات تنتهي بحلقة أخيرة، ليس ذاك ما تفعل الكتابة بي،ففوق أنني ألوذ بها وإليها هي تعيد تخلّقي في كل مرة، وأنا أؤمن أن تخلقي لا نهائي، كلام شاعريّ صحيح؟ الكتابة حالة وجودية وشاعرية أيضا، ماذا قالت مايا؟

يقول جانيت لويلاك في “خمس عشرة حقيقة عن قلب الكاتب” :

الحقيقة الأولى: ليس لدينا خيار آخر! …القصص تحترق وتتوسل الخلاص

وقد كتبت مرة أننا نقع تحت رهان الأبطال في القصص التي نكتبها، ذلك ما لا يتصوره كثيرون، نحن نكتب دون أن نعرف كيف سيكون شكل نهاية الأحداث، عندما تضيق الأحداث ضد الشخصية التي نحبها ونحن نكتبها، نحزن..نحزن تماما مثل أي قاريء لم يعرف القصة مسبقا، ربما أكثر … لأننا خلقنا الشخصية والأحداث، ظننا أننا نمسك بزمام الأمور، لكنها فلتت.  ومثل أي فعل إدمانيّ، يمكن للكتابة أن تكون إدمانا، تحترق في رأسك الكلمات والمطالع إن لم تنقذها، تتمرد عليك الشخصيات وتختار مصيرها، وأنت تكتب..تكتب.. لا تملك إلا أن تكتب حتى الورقة البيضاء نراها استفزازا لأن ننفث فيها روح قصة، كل الفواتير ومناديل المقاهي والمطاعم في حقيبة يدي تحمل موجا أزرقا خلفها، ونصوصا شريدة، كان أبطالي يستريحون على “لوقو” المقهى، يتنزهون على رقم الضريبة، لا شيء على المسرح الذي أظهرتهم عليه فجأة يشبه وجودهم الطاريء هذا.  فيما يعتبره الآخرون حظا وافرًا أو موهبة، نحن – مدمنو الكتابة- نراه لعنة سليطة! هل جربنا مرّة تجاهل قصة أرادت أن توجد لأن الوقت غير ملائم للكتابة؟ نعم .. ماذا حدث؟ ستضرب الأحداث جدار رأسك طوال اليوم، ليس على هيئة صداع، بل ثورة! حتى الشخصيات الهامشية التي تختلقها لتبرير الحبكة أو لتمرير اقتباس تصيغه ليصلح للقاريء أن يلتقط له صورة، حتى هي تثور!

للكتابة سطوة! وحقيقتنا الأولى: ليس لدينا خيارٌ آخر.

لديّ دفتر يوميّات، ودفتر أروع منه للحديث مع نفسي وترتيب أفكاري، عندما أقع في معضلة ما أكتب في هذا الدفتر ما أشعر به، ما أفكر فيه، وأحدد معالم الطريق، هكذا أنسج واقعي، أكتب عن أصدقائي، في الواقع يعود أصدقائي إلى دفاتري لتذكّر الأحداث التي تخصّهم، كان أحد منهم يوما يتساءل: لا أذكر آخر مرة خرجت فيها من هذه المدينة لمدة طويلة؟ قلت له: انتظر .. وعرفنا الإجابة من مذكراتي! أن يغيب أصدقائي النابضون في دمي مطولا هذا حدث يفور له قلمي بالطبع! وذلك مجرد مثال. لدي دفتر للقوانين.. القرارات التي أتخذتها وألزمت نفسي بها، لدي قواعد في التعامل مع نفسي، مع زملائي، مع عائلتي ومع الذين لفتوا نظري يوما، لدي سلسلة في العلاقات اسمها: (المانفستو الأخير بشأن ***) ، وهذه السلسلة أكتب فيها القرار النهائي تجاه الشخص الذي – ربما- أعجبني، يساعدني ذلك على الخلوص من العلاقات السامة مثلا أو الأشخاص المركبّين والمعقّدين لأن “ماعاد بدري“… زخم الشخصيات هذا لا يقابله اسم واحد، لن تجد اسما واحد في كل مذكراتي، أحب تفريغ مذكراتي من الأسماء، ليس طلبا للخصوصية فهذا لا يشغلني، لكن ” الأسامي كلام… شو خصّ الكلام؟ عينينا هنّي أسامينا” أحب لذاكرتي المكتوبة أن تستغرق في الحدث لا في الشخصية، وأؤمن أن هذه هي الطريقة المثلى في الاستفادة من تجارب الحياة، علينا أن نصغي إليها ماذا تريد أن تقول، وليس على لسان من!

كيف أنقذت الكتابة حياتي؟

يناير 17th, 2020

ليس لمرة واحدة؛ بل عدة مرات؛ كانت الكتابة هي الطريق الذي تهتدي إليه روحي كلما دفعتني الحياة نحو حوافّها ولعبت معي لعبة: كوني أو لا تكوني؟ وفق الطريقة المسرحيّة التي سطّرها شكسبير في مسرحيّة “هاملت” ، وبين أن أكون أو لا أكون كنت أختار: أن أكتب!

يبدو السؤال في عنوان التدوينة دراماتيكا؛ وفي الحقيقة وددت لو أصيغه بطريقة أقل تحفيزا مثلا : الكتابة كوسيلة مقاومة! أو بطريقة مدرسيّة مباشرة: أهمية الكتابة! .. لكن ماكان شيء من ذلك سيعبّر كفاية عن الطريقة التي شكّلت بها الكتابة ذاتي، ودون مواربة: لقد صنعتني.

الكتابة عرّفتني بنفسي:

أقدم قصاصة ورقية يحتفظ بها والدي لي، كانت قطعة ورق بمساحة اصبعين صغيرين، كتبت فيها إلى والديَّ خطابا موجزا حول رغبتي في النوم معهما في غرفتهما، أرفقت بالطلب رسما تصويريا للمكان المقترح (مربع على الأرض محاذٍ لسريرهما) وأذكر جيدا أنني كتبت ذلك على سبيل المساومة والتنازل عن مكاني في سريرهما، وكانت الخاطرة التي تدور برأسي هي: حسنا لم يعد مقبولا أن أنام معهما، يزعمان أنني كبرت، لكن يجب ألا يرفضا منحني مساحة صغيرة على الأرض جوارهما، دسست الورقة الصغيرة في مكان مرئي خمنت أن أمي ستلاحظه، وبينما كانت قد انتهت من تجهيزي وأخوتي للنوم في غرفنا، قاومتُ النوم حتى نامت أختي، وكنت أنتظر اللحظة الموعودة التي سيصل فيها خطابي، ولأن “الكبار” ينامون متأخرا، أرهقني الانتظار تحت اللحاف البارد وكاد يغلبني الحزن واليأس، لقد بدا لي أنني أنتظرت عدة سنوات ليصل خطابي! حتى جاء صوت أمي مناديا، حينها حملت نفسي ومخدتني ولحافي واتجهت إلى غرفة والديّ، ببهجة وانتصار، في عمر السادسة تقريبا بجسد طري أخفّ من ظله، وروح متطلعة اكتشفت ودون إرشاد كيف منحتني الكتابة القدرة لأن أعرّف نفسي وأعرّف رغباتي، وأتواصل وأفاوض وأساوم ثم أترقب.. الضغط الذي يعيشه طفل السادسة في التحول إلى طرف مستقل (كبير في الصفّ الأول الابتدائي بالطبع!) يجعله يفقد القدرة على التواصل مع والديه اللذان يفترضان منه سلوكا أكثر نضجا، هو لا يريد تخييب أملهما، وشخصيا كانت لديّ نزعة كمالية تضغط علي وتجعلني أرفض أن أكون أقل من المتوقع، لذلك شعرت بالحزن لأنني لم أستطع النوم منفردة ليلتها بسبب مغامرتي في مشاهدة فلم رعب للبالغين وتلك مخالفة أخرى، لكنني حزنت أكثر لأنني لم أحصل على فرصة التعبير عن نفسي، وهذا ما فعلته الكتابة لقد أنضجتني.. لذلك كان ذلك هو الطلب الأخير! حيث لم أشعر بعدها بالحاجة أبدا إلى النوم معهما، لقد تحررت من هذا الاحتياج بمجرد ماكتبت تلك القصاصة البسيطة، لقد تنبّهت إلى سحر الكتابة حينها، لا أعرف لماذا أخترت هذه الطريقة، لكنني كنت أقرأ كثيرا، وكان لديّ مخزون من المفردات غير المستعملة، وكانت الكتابة فعل بدهي. وبعد عدة ليال قررت أن أكتب رسالة إلى الأشباح في ذلك الفلم أخبرهم فيها أنني لم أعد خائفة.

ذلك ما تفعله ابنة الثالثة والثلاثين الآن، إنني أكتب للذين أحبهم رسائل عديدة، قد لا أرفق كتاباتي برسوم توضيحية كما فعلت تلك الصغيرة المساومة، لكن أكتب على أية حال، أساعدهم على فهمي، وأساعد نفسي على فهمهم كذلك، كل ذلك يحدث من خلال رسالة.

يحدث لنا جميعا أن نخوض حوارًا عقيمًا مع أنفسنا حول ماهيّة ما نفكر به، وما نشعر به، وما نريده أو نتطلع إليه، ينتهي هذا الحوار بالشعور بالضجر ثم الغضب فالمرارة، في لحظة تبدو أمام نفسك لغزا متضخما، كأنك لم تعرف نفسك قط، يحدث لي أن أصل إلى حالة مزعجة من التغرّب عن نفسي، ثم أجدني أحمل قلمًا وأكتب… أكتب هذا الحوار العقيم الذي يدور، إنني أتحداه أن يجرؤ ويتحول إلى كلمات مرصوفة وجمل مفهومة، لكي تحتويك اللغة عليك أن تكون مفهوما ومنطقيا، ذلك ما يجعل شعور التغرّب منسابا بانهزامية أمام الكتابة، إنه يسقط فحسب، يعجز، إن الأشباح تحوز على رهبتها من خلال التخفي، نحن نخاف مالا نراه ولا نفهمه، وبمجرد ما نسلط الضوء على الاشباح هذه لا تعود موجودة ويبدو خوفنا مجرد نكتة مضحكة، الكتابة هي فعل تسليط الضوء هذا على ما لانراه ولا نفهمه، الكتابة تجعلني مفهومة لنفسي، تجعل حواري مع نفسي مثمرا وبديعا وخلاقا من خلال الكلمات، بعكس ما يبدو عندما يكون عائما في رأسي، تتلاعب به مخاوفي وضلالاتي.

عندما أعود بذاكرتي إلى أوّل قصاصة كتبتها (خارج منهج المدرسة) أستطيع صياغة القصة بطريقة مبهجة كما فعلت أمامكم الآن، لكن ذلك لم يكن الحال دائما، لقد كتبت عدة قصاصات وخطابات بعدها (لمساومات أخرى) لم تنتهِ بطريقة شاعرية، مما جعلني أتعرف على الكتابة كقوّة موازية يعتضد بها قلبي عندما يرتعد، سأكتب عن ذلك في التدوينة القادمة.

إهانة غير ضرورية!- مراجعة

يناير 12th, 2020

” إن كان خوض تجربة الحياة كطفلة جنوبية سوداء أمرًا مؤلمًا للغاية؛ فإن معرفة أن هذا الدور لا يليق بك هو شعور يشبه شفرة صغيرة وصدئة تجزّ عنقك ببطء … إنها فقط إهانة غير ضرورية”

كان ذلك اقتباس مما قالته طفلة سوداء وُلدت في العام 1928م في جنوب الولايات المتحدة الأمريكية حيث تسقط كل الشعارات عند جيناتك التي تختار لك  قسرا لونا جلديا مغايرا، مغايرا بالنسبة إلى ماذا؟ بالنسبة إلى اللون الأبيض فهو الأصل بالطبع.

مارجريت آن جونسون، التي قذفها والداها بعد انفصالهما نحو جدتها جنوبا، برفقة شقيقها “بيلي” الذي يناديها “مايا” ستجدون اسم مايا أنجلو هو الذي اعتمدته لاحقا لجميع انجازاتها، الأخوات مثلها؛ ومثلي؛ ومثلكِ يعرفن تماما سطوة الرأفة التي تغشانا في حضرة إخواننا عندما لا تكون البيئة موآتية لمعايشة سليمة، فنجد أنفسنا وقد اختلقنا لأنفسنا مسؤوليات باهضة الثمن تجاه أخوتنا، لطالما تساءلت عن هذه النزعة الموجودة لدى الأخوات، ووجدت إجابات عديدة، لكنها لا تهم الآن.

مايا، الطفلة المدفونة داخل الكتب، القارئة الشرهة للآداب، التي تتوغل شرايينها مسرحيات شكسبير وروايات ألكساندر دوما، يقدّر لها أن تعيش في الجنوب الأسود حيث اللغة في أشد حالاتها ركاكة، على مسرح هشّ تتداخل الضمائر وتُعجن الأزمنة داخل الأفعال، ورغم أن مايا تحدثت في هذا الكتاب عن معاناتها مع الفقد الأبوي، وتسلط الكنيسة، والسياط التي كانت تجلدها بذريعة التربية، التحرّش الجنسي واغتصابها بفعل خليل والدتها، ثم الحمل في السادسة عشرة من العمر بسبب مغامرة مراهقة واحدة فقط… إلا أنها أدركت بغاية المرارة أن التحلي بروح الشاعرة في منطقة ركيكة اللغة كان عقوبة فظيعة أيضا، بإزاء كل تلك الفظائع.

” يا أيها الشعراء المشهورون والمجهولون، كم من مرّة داوتنا جراحكم، من سيحصي عدد ليالي الوحدة التي صارت قليلة بسبب قصائدكم، من سيعرف كل العذابات التي صارت أقل وطأة بسبب أساطيركم؟! … قد يكون ذلك كافيا، أن نعترف؛ بأن مقدرتنا على النجاة كانت مرتبطة بقدرة الشعراء على الكتابة، وبقدرة القساوسة على الخطابة، وبقدرة المغنّين على الصدح”

بهذه النداءات المهيبة، تسرد مايا العزاءات والسلوى، منذ هزيع عمرها الأول حتى النفس الأخير في عام 2014م ظلت مايا رهينة لرحمة القصيدة، للشعراء السود الذي كان لهم ألا يُقهروا، في كلماتهم بالطبع وليس في واقعهم المغلوب، رهينة لخطب الأحد في كنسية السود التي ترتجّ بالإيمان المفتعل بغية الإجابة: لماذا نحن منكوبون بلوننا الأسود، لماذا هم ناقمون؟! رهينة للجاز، لآلات الموسيقى الالكترونية وهي تصدح وتتردد في صدرها

“وكما كنت أخشى دائما، لا كما كنت أعرف دائمًا وحدها الأوهام تقلقني، تقلقني أكثر من الحقيقة نفسها”

ماذا يمكنك أن تتصوره يدور في رأس فتاة سوداء عُوملت كشيء خالٍ من المعنى والقيمة في ذات اللحظة التي تشعر هي داخلها بتضخم المعنى في سؤال كبير (لماذا عسى كل ذلك يحدث لي؟ ) ماذا سيدور في رأسها غير الأوهام؟ ما سيسكن أطرافها سوى المخاوف، ماذا سيربض على لسانه الطليق البليغ المزهّى بالقصائد سوى الصمت الذي أخرسها لسنوات بعد اغتصابها من هول الفجيعة إلى أن عدّها الناس بليدة وغربية أطوار؟ ماذا سيحوم حول روح هذا الطائر الحبيس من أغنيات؟

أعرف لماذا يغرد الطائر الحبيس” سيرة ذاتية مجتزأ من حياة حافلة بالسياط والأوجاع، وبالمباهج والانتصارات أيضا، تسردها مايا أنجلو منذ نشأتها وحتى عمر السادسة عشرة حيث أزهرت كسيدة جريحة تلاحقت انتصاراتها لاحقا بطعم لاذع مشوب بالنقمة أكثر من كونه انتصار بلّوري زاهٍ.

الكتاب من منشورات دار ميلاد، بترجمة كان يلزمها تدقيق كثير،

اقرأوا مايا.

رائع! ولكن لماذا؟ وماذا لو؟ لو لم؟!

أكتوبر 4th, 2019

ما يجعل فكرتك رائعة – بالنسبة لي- هي قدرتك على بناء منهجية تفكير متناغمة تصل بك إلى هذه الفكرة، ما يجعل إيمانك قيّما هو قدرتك على تبريره وتسبيبه، بعبارة أخرى: أفكارك الجيدة ليست جيدة مالم يكن تفكيرك ناقدا، وذلك هو الخط الفاصل بين أن تكون معتنقا لأفكار رائعة وبين أن تكون مصدّرا لها، ولذلك لا يبهرني دوما أي شخص يتجوّل بأفكار رائعة ومنصفة أو تبدو أخلاقيا عُليا لأن ذلك لا يشير إلى شخص جيّد بالضرورة، بل ربما العكس.

علامات على الطريق:

يمكنك أن تعرف الشخص الجيّد ذو الأفكار الرائعة بهذه العلامات:

  1. القدرة على التسبيب: يمكنك ربط كل شيْ بأي شيء اعتباطيا كأثر الفراشة، ذلك ليس تفكيرا ناقدا، التفكير الناقد أن يكون ربطك مسببا، ومدللا على أسبابه، كم مرة تستخدم عبارة (أحسّ..) بدلا عن (لأن..) عندما تُسأل عن أفكارك؟
  2. الإبداعيّة: التفكير الناقد لا يتعامل مع البدهيات، ولا يهتم بتفسير حدوث الشمس، لكنه يهتم بتفسير الضوء! ما أقصده أن التفكير الناقد يتحرك في منقطة الإبداع إذا كان مقابلا للاعتيادي أو البدهي، كما أنه ليس مساحة حُكمية، فالناقد لا يهتم بالنتيجة: صحيح/خاطيء، وإنما بالرحلة إلى ذلك. لا يكتفي بإجابة (لماذا) بل يذب إلى اختبار السبب(ماذا لو؟)
  3. القدرة على رؤية الإشكال واستبصار الحلول: لا يلتزم المفكر الناقد بتقديم حلول، لكنه يستطيع تحديد نقطة الإشكال ومسبباتها، أي يعتني بالإجابة على (ماذا لو لم؟) ذلك يجعل منطقة الحلول أكثر وضوحها وأقرب إلى الحدوث
  4. النباهة والانفتاح: لا يمكن أن تفكر بشكل ناقد مادامت التفاصيل تتلاعب بك وتفوتك، وما دمت غير منتفح على رؤية زوايا نظر متعددة، حتى تلك التي لم توجد بعد!
  5. الموضوعيّة لا الحياد: لا يمكننا أن تكون محايدين نحن مخلوقات انحيازية بامتياز، فأنت حتى قبل أن تولد ستشكل لك جيناتك سلّة محترمة من الانحيازات، لكن الموضوعية هي اجتهادك الشخصي الخلاق أي قدرتك على رؤية الحق فيما لا تؤمن به رغم عدم إيمانك بك.
  6. قليل من الرياضيات المنطقيّة تعادل كثيرا من المعرفة.
  7. التخلص من الخوف الكامن في الشك.
  8. المنهجيّة: التفكير الناقد علامته الفارقة هي وجود المنهجية، والمقصود بها مجموعة من طرائق التحليل والاستنباط والاستنتاج المتناغمة فيما بينها، بحيث يمكن القياس عليها ( ما تخرّش الميّه)

محطات :

العلامات أعلاه، مرتبطة فيما بينها ارتباطا سببيا هي الأخرى، ولكل عامل منها طريقه، لكنني سُئلت كثيرا عن اكتساب هذه العوامل، ذلك ما يمكنني إيجازه في عدة نقاط:

  1. العزلة       2. تمرين مهارات الانتباه والتحليل            3. إخفات الجانب الشعوري فيما تؤمن به

4. الإصغاء       5. تعلم أساسيات المنطق والجدل           6. القراءة في المنهجيات، وأقترح منها:

20 يوما من العيش بنصف بطارية جوّال (تجربة)

يوليو 31st, 2019

لدي علاقة مضطربة مع الجوال، مؤخرا لم أعد أعتبر نفسي شخصا إدمانيا على الشاشة السوداء (Black Mirror) وذلك وفق رحلة بدأتها عفويا في التخلص من ملاحقة التنبيهات، لازلت عالقة في المنتصف حيث تخلّصت من صرف الجهد على هذه الملاحقة لكنني في الوقت ذاته قمت بحفظ الجهد ساكنا، هدفي هو أن أعيد توجيه جهدي نحو قائمة من الأعمال الانتاجية الفنّية لدي، كنت أيضا قد مررت بتجربة قضاء اليوم بحصة شحن واحدة حيث ألتزم بعدم إعادة شحن الجوال خلال اليوم الواحد حتى لو احتجت إلى قضاء بقية اليوم بجوال مغلق، الأمر الذي يزعج زملاء العمل، ويثير سخط الأصدقاء، ويجعل والدي يعتقد أنني تعرضت لحادث تسبب في تقطيعي أشلاء ثم وفاتي قطعة قطعة، لماذا هذه البنت لا ترد؟ لماذا جوالها مغلق حتى النهار التالي؟ مواجهة هذه المشكلات -المتوقعة!- يدفعني إلى تحسين استخدامي في اليوم التالي والتوفير على نفسي خوض المشكلات، في هذه المرحلة رأيت أنني جاهزة لخوض تجربة جديدة، أكثر حدة، وأكثر متعة بالتأكيد، لقد قررت أن أقضي اليوم بنصف بطارية جوال، وتلافيا لأي تجاوز ابتدأت التجربة بنصف بطارية، بحيث أنني أعرف أنها ستتفرغ بعد انتهاء النصف، فأعيد شحنها إلى النصف فقط، وهكذا، عليّ أن أقرّ بفضل Apple  لديهم بطاريات جيدة حدّ أن هذا التحدي لم يكن بالصعوبة التي توقعتها لذلك أضفت إليه تحدٍ آخر سأذكره في مدونة منفصل.

استهلاك المحتوى وانتاجه:

لقد كتبت مرة عن تجربة الحياة بدون تويتر، تستغرق تطبيقات التواصل الاجتماعي معظم حياة البطارية، معظم هذه الحياة أقضيه في الاستقبال لا الارسال، في استهلاك محتوى الآخرين بدلا عن انتاجه، ولا أريد أن يكون هذا المفهوم مضللا، حيث أن الكثيرين يعتبرون ذلك موازيا لأن تستمع أكثر من أن تتحدث، لقد رأيت كثيرين يكتبون عن أن المشاركة في خلق المحتوى(ذلك غير التفاعل) أمر يماثل أن تتحدث، بالتالي فمن الأفضل لك أن تبقى مستقبلا ومتزينا بفضيلة الصمت، أقول أن هذه المقاربة مضللة وكارثية، لأن الفرق الجوهري أن عملية الإصغاء للآخرين في الحياة المشهودة (لا أحسب تسميتها واقعية) هي عملية محدود بنطاق جغرافي (مجلس ما) وكذلك نطاق موضوعي (سالفة المجلس!) وأيضا نطاق إرسال محدود ومختار (الأشخاص المتحدثون) في مقابل الحديث في الحياة الالكترونية يكون تدفقيا خارج جميع هذه النطاقات فلا يمكن أن يكون اكتفاؤك باستهلاك هذا المحتوى مساويا للإصغاء أكثر. إن أكثر ما يشبه هذه العملية هو أن تقف في وسط شارع مكتظ بالسيارات باربعة مسارات دون أن تقوم بأي فعل، ثم ترجو ألا يتم سحقك، الاستهلاك الاجتماعي الالكتروني يسحقك، ذلك مالا يرجوه شخص انطوائي مثلي مثّلت له الحياة الالكترونية مصدرا للتنفس، لكنه يحدث حتى لنا نحن الانطوائيون، لقد هدفت من تقليل عمر البطارية إلى حصر وجودي الالكتروني في مساحة انتاج للمحتوى أكثر من استهلاكه.

ما الذي حدث؟

يحدث أن ينطفئ جوالي وأنا في منتصف مشوار ما فتختفي الخريطة من أمامي، تجاوزت هذه المشكلة بالاعتماد أكثر على ملاحظة المعالم والاتجاهات وحفظ ما أمكنني من الطرق، يحدث أيضا أن ينطفئ في نصف محادثة هامة؛ تجاوزت بمعالجة المحادثات الهامة بالاتصال- بالمناسبة؛ لماذا لاتفضلون الاتصالات؟ حتى بدون هذه التجربة كنت أحترم أكثر الذين يتصلون- اعتاد أصدقائي على مكالمات العشر ثوان، أكثر ما أزعجني كان انطفاء الجوال عندما أخرج لتزجية الوقت في مقهى أو مطعم، ذلك المزاج الذي لا تريد أصلا أن تنتج فيه، تريد أن تحرق البطارية بالاستخدام المهدر، لكنني بعد اليوم الخامس بدأت في إيجاد حلول أخرى للاستمتاع، لن أغششكم هي.

لكنّ أروع ما حدث، أروع ما حدث على الإطلاق في هذه التجربة هو أنني بالفعل حصلت على الكثير من المتعة “النوعية” والكثير من جودة الحياة، الكثير جدا من التواصل مع الاخرين بدون الحاجة إلى شاشة، حتى أنني حددت يوما يطرق فيه أصدقائي باب المنزل بدون الحاجة للاتصال.

هل سأستمر؟

نعم، لدي فضول أن أعرف أقصى عدد من الأيام أستطيع متابعته بهذا النمط الاستهلاكي المنخفض للتواصل الالكتروني عبر الجوال، لدي رغبة في مواصلة الاستمتاع بالتواصل من خلال بطارية الحياة، لقد كتبت هذه التدوينة لأني جوالي مغلق بجوار صحن البيقل بالكاسترد.

حول النسوية السعودية، حوار مع أذكى ولد في الحارة: راكان العسيري

يونيو 20th, 2019

إنّه شوال، سأضع الملامة في صياغة هذا الرد أولا على شهر شوال، ثانياَ: على زحمة خريص، ثالثا: على رقم 47 المادّ لسانه أمامي على الطبلون  -اسمه طبلون صحيح؟ أستخدم مسمى داشبورد، لكنني أودّ أن أظهر بأكثر قدر من الصلابة أمام السيّد عسيري، حتى لا يعتقد أنني من الـ (طعش) –  ألوم أيضا سائق الالتيما الذي أعتقد أنني أريد مسابقته لأنني رفعت يدي من أجل ترتيب غرّتي، يا عزيزي إنني لا أريد حتى أن أفوز على التيما ماهذا الفوز السهل؟ يمكنني أيضا أن أضم لحفلة الملامة هذه حفريات طريق العليا، وشنب أبو مالح النموذجي المحرّض على تحسين جودة الحياة إجمالا، لا تسألني كيف.

بينما أرجئ الاستماع إلى إليسا هذا الصباح، أستمع إلى فنجان وحلقة (راكان العسيري) .. التي هي حول أشياء تعبّر عن أشياء حول رأيه، يبدو لي فنجان مساحة جيدة لمفهوم الانكشاف، الضيف يتحدث بطريقة منكشفة عن ذاته، فيما يبدو للمستمعين أنها عن مواضيع عديدة، لكنها في الواقع عن ذات الضيف، تجربته ومنهجيته التحليلية -إن وجدت- ، تطرق راكان إلى حالة النسوية السعودية بالطريقة التي يحاول بها عيال الحارة تسوية الأمور فيما بينهم، وهي طريقة (عدم التسوية) أي الاكتفاء بالمناوشات العشوائية، والمصالحات المفاجئة، ونداءات “الأخ الأكبر” (ملعوبة!) ، والاكتفاء باستجداء العقل، لذلك أسميته هنا بأذكى ولد في الحارة، وهو الشخص الذي يعيد صياغة ذات أفكار الأشخاص المتهاوشين! لكن بطريقة تبدو مفهومة وممنطقة دون تخليص الفكرة من شوائب مغالطاتها المنطقية، وسأكون محددة أكثر بهذا الشأن فيما يأتي في هذه التدوينة، لكنني لي بالطويلة، لذلك أود أولا أن أحدد المربع الذي أقف عليه بينما أرد على راكان بثلاث نقاط:

الأولى: لا أعدّ نفسي نسوية، ذلك ما يزعج أصدقائي، لكنني لا أريد أن أتسمى بأي تصنيف ولا أريد أن أحمل لوازمه ولا تعريفاته ولا أنشغل بالتخلص من الدخيلين عليه، والرد على الردود فيه، ولا نظرياته، قائمة البلوك لدي في تويتر غالبها لنسويات رائعات أوفاشيين أو الأشخاص الذين لا يحبون جدة بشكل مقنع، لا أساوم على أيّ أمر متعلق بالحقوق، ولا أرى أن المرأة (في كل العالم) قد حققت الهدم اللازم للنظام الذكوري أو الأبوي المتجذر تاريخيا، الذي أعتقد أنه يجب أن يتحلل.

ثانيا: كل الرد هنا، سيكون على محتوى الحلقة المتعلق بالنسوية السعودية فقط..

ثالثا: كتبت قبل سنة تقريبا، أن على النسوية السعودية أن تنقد نفسها، نشوؤها لم يكن الوقت المناسب لذلك، أما الآن وقد بدأت في التشكل فأرى الوقت أكثر ملاءمة، لذلك أود أن أجد وقتا إضافيا لبدء حوار حول النسوية السعودية ونقدها، ليس مقامه هذا الرد الموجه للطرف المقابل، الرافض للنسوية والذي لا أجده طرفا ناقدا.

والآن هذه محاولة لتسوية الأمور فعليا، وفقا لحجج راكان عسيري أوجزها في نقاط:

  1. التضاد مع الدين

يمحور عسيري مشكلته مع النسوية السعودية بأنها متضادة مع الدين ودليله في ذلك “التغريدات” التي ترفض القسمة غير المتساوية في الميراث، يفوت على راكان أن النسوية السعودية باعتبارها نشاط شعبوي غير منظم فمن طبيعته أن يكون متعدد المنطلقات مهما اتحدت أو تقاربت الأهداف، جزء من المجتمع (نسوية أو غير نسوية) لديه مشاكله مع الدين إما جملة وتفصيلا، وإنما على وجه التأويل، أعلى هرم السلطة في السعودية مع تأكيده على الركيزة الدينية للسعودية إلا أنه يشير مرارا إلى حقب من سوء التأويل الديني (في شكلها الصحوي – الآن- وشكلها الإخونجي سابقا، وسيطول النقد باقي التشكلات الدينية) عسيري نفسه يبدو لديه مشكلة مع الدين عندما عرّض بوجود (نسوية إسلامية) ومشكلته مع الدين هنا في حال اعتباره منطلقا للنسوية، هي مشكلة تأويل لكن وفقا لسردية عسيري سيعتبرها مع مشكلة مع الدين، هل هذا يجعل راكان متضادا مع الدين؟ هل يجعله مع النسوية التي يرفضها في صف واحد؟ بحسب راكان نفسه: نعم.
أنا أدرك أن الكثير من المشكلات الاجتماعية والنظامية لديها منطلقات دينية، وأدرك وجود دعوات صريحة إما لإعادة التأويل أو لتحييد الدين، ورأيي الشخصي هو اسخدام الدين كقوة تحسين اجتماعية بدل استخدامه كقوة صراعية على سبيل التعامل مع الواقع وليس التفضيل، لكن ربط هذه دعوات تحييد الدين بالنسوية السعودية على وجه حصري أو حتى شامل وأخذ ذلك كقاعدة نقدية، هو أمر مجانب لأبسط الحقائق.

  • الدفاع عن المجتمع حسب الصورة التي يتخيلها

يعتقد راكان أن النسوية السعودية ضد المجتمع، وهنا يطرح حجة عجيبة وهي (المجتمع حسب الصورة التي أتخيلها) حسنا، مادمت تقر بأن المجتمع بصورته الحالية غير منصف للمرأة، ويتسبب في الكثير من أوجاعها، فما الذي تدافع عنه بالضبط؟ خيالك؟ هل النسوية السعودية أصبحت مسؤولة عن خيالات ذكورها؟

  • توهم المشكلة

أحد النقاط الذي تطرق إليها عسيري هي التعريض بأن النشاط النسوي السعودية يجعل فتيات (الطعش/المراهقات) يتوهمن المشكلات! تخيل معي هذا السيناريو: يتعرّض راكان في طفولته إلى تحرّش من أحد أقاربه الذي أقنعه أن هذا الفعل طبيعي، يصدقه راكان لأنه طفل ويثق بقريبه المتحرش لكنه في ذات الوقت يصاب بالكثير من الشوائب النفسية التي يكبتها نتيجة تلك الاعتداءات المتكررة، يكبر راكان ويتعرف على “التحرش” تحت مسمى اعتداء بفضل نشاط توعوي ما، يساعده ذلك على تحديد ما حدث له كمشكلة بدلا من كونه أمر طبيعي، وتحديد المعتدي عليه باعتباره مجرما بدلا عن كونه مجرد قريب لطيف، يطالب راكان نتيجة لهذا الوعي بوقف التحرش ويساعده وعيه على تخطي مشكلاته النفسية، ثم يستمع إلى شخص في بودكاست فنجان يقول له: (لقد جعلوك تتوهم المشكلة! لقد كنت طبيعيا،) هل يعي راكان أن الوعي بالمشكلة ليس إحداثا لها؟ أن الوعي بالمشكلة ليس توهما بها؟ تساعد النسوية السعودية الكثير من النساء اللاتي تعرضن للتعنيف الجنسي، الزواجي، التعنيف اللفظي، التمييز الوظيفي، التمميز في فرص التعليم، وغير ذلك على تحديد المشكلة والوعي بها لهدف معالجتها وحماية الأجيال اللاحقة من استمراء هذه الاعتداءات وتطبيعها. هذا ما يسميه راكان (توهم المشكلة) ، ثم يخلط ذلك بدعوات الهروب من البلد، شخصيا كتبتُ مطولا ضد هذه الدعوات الجنونية ولا أعتبر أن الترويج لقصص الهروب هو حل ناجع لمئات الآلاف من المتضررات والمتضررين، مع ذلك أرى أن ربطها بالنسوية لنسفها ربط جائر.

  • الحجة الدامغة: اوكي..مش دائما

رغم أن عسيري أكد في بداية الحلقة على رفضه للنسبية، لكنه يفرّ إليها سريعا كلما دار حمى النقاش وعجز عن بيان المنطق في مناوشته، يحاول أبو مالح أن يستكشف عن منهجية عسيري التحليلية في سرده للأمثلة، ترتيبه للنتائج، يعود ليجيبه بالنسبية، لكن كما يفعل ابن الحارة الذكي في تغيير الصياغة، ويسمي اللجوء إلى النسبية هذه المرة بـ: “أوكيه… مش دائما”

أختم هذا الرد بالتأكيد على أن نقد النسوية السعودية ضرورة من الضرورات، مرة عن مرة نشهد حوارات أكثر تطورا حولها، أود حقيقية أن نوجد مساحة حوارية أكثر نزاهة وأكثر اتساعا.

كما تبدو الحياة من وجهة نظر الحافّة

مايو 17th, 2019

إن أقصى القافية يصنع وزن البيت، أو يكسره، وإذا ما كنت تجد نقطة النهاية مليئة بالحماسة فذلك لأنك لم تقف على الحافّة يومًا، حيث يشتعل دمك حماسةً ويرتعد قلبك، فتنخلق لك ذكرى لا يمكن أن تنساها، وعندما كنتُ أفترق عن رفاقي في مكانٍ عام فإني أقول لهم: … تجدوني عند الحافّة! أقصدها حقيقةً وأقصدها مجاز.

مأخوذة بالطريقة التي أتعاطى بها الحياة، مُولَعة وشغوفة ومجنونة، جادّة للغاية ثم تباغتني نكتة سخيفة فأضحك للأبد.

‏لقد رأيت ما رأيت، واختبرت طريقًا مليئا بالانعطافات الخطرة، وفي كل مرة كنت أختار مواصلة الرحلة، مرةً بدافع القوة، ومرةً بدافع اليأس، ومرات كثيرة بدافع الكرامة.

لقد كرهت الهزيمة أكثر مما شغفتُ بالفوز، وكلّما دفعتني الأقدار إلى الحافّة لتختبر صبري كنت أرى القفز خيارًا مضافا لم تتوقعه الحياة مني، وكنت أنهزم كثيرا ثم أفوز فوزا مبينا يطرب قلبي، ويقفز لأجله أحبتي وأهلي، ويحترمني عليه مُعارضي، لطالما أنهزمت بطريقة مريعة ثم انتصرت بطريقة باهرة.

حتى وصلت إلى ضفّة مغايرة لهذه الحياة، إذ تعاليت على ثنائية الفوز والخسارة، ووضعت الحياة كلّها في جيبي جوار مفاتِح بيتي، وخرجت إلى العالم أشعّ كنجم سماويّ لا يسطع كشمس ولا ينعكس كقمر، نجم يخون الشّمال، لا يدلك على طريق لأنه يؤمن بلذة الرفقة أكثر، واللحظة، هنا، والآن!

وما منعني ذلك من أن أستلذ الفوز، وأقفز في الهواء فرحا مع كل انجاز، لكنني أجد ذلك امتيازا إضافيا أكثر منه احتياج وجوديّ، أعرف نفسي الآن أكثر من أيّ وقت آخر، وتحركني الحماسة كل يوم لأكتشف عنها وفيها المزيد، إنّ هذا الوقت وقتي، والأرضُ أرضي، والسّماء سمائي.

يلاحق الناس أهدافا، وأجري إلى الحوافّ، إلى القوافي، أطارد ذلك الشعور المجنون بالخطر والذي طالما هربت منه، كيف تبدو الحياة هنا؟ … لا تصفها الكلمات ..قفِ وانظر، اغمض عينيك ولا تخشَ أن تقفز، ثم عُد