موازنة

فبراير 25th, 2016

الموازنة التي أرجوها عند بذل جهدي في تشكيل هويّة هذا العقل، هي ألا أفقد – تبعًا لذلك – طَيْشي، أن تكون حماقاتي جزءً غير شاذّ في وعيي، ألا تهدأ فورة الأدرينالين في دمي، أن تبقى نزعاتي مندفعة بسرعة الذهول نحو طرف الهاوية، وأن يبقى رأسي قَلِقًا مليئا بالأحلام، بالأفكار القذرة، وعندما تحضر النباهة لا أريد أن أمتنع عن القفز نحو المجهول بدافع المزاج، والمزاج فقط.

أريد أن أرى الصواب كما هو، والخطأ كما هو، ثم أختار أن أُخطيء لأن ذلك ممتع في كثير من الأوقات، وأعود لأُصيب لأن على الأمور أن تبقى في مسارها الصحيح رغم ذلك.

أريد لفهمي أن يسبق توضيحك بجُملتين، مع ذلك أستمر بالإصغاء، لأن الإصغاء ممتع، وبدقة أكثر: الفوز في الوصول إلى خط نهاية الفكرة قبل وصول تعبيرك هو الممتع، هذه الانتصارات المهمّشة أكثر قيمة من الفكرة ذاتها مهما تكن، ولا أريد أن أتوقف عن المجازفة لأنني أجيد التحليل. أحبّ الجداول والمنظّمات أحب س وَ ص وبما أنّ ..فإنّ ، مع ذلك لا أريد أن أفقد حماسي لمجرد التخمين، لخسارة مبلغ مالي في مراهنة عمياء. وأجرؤ أن أقول أن بناء الوعي وغايته ليس أن يجعلك أكثر جمودا وأكثر صوابا وأكثر انضباطا، الوعي غايته أن تكون عليمًا بما يدور في رأسك، أن تفعل ما تفعله بأقصى ما تكون إرادتك، الوعي ليس صفة قيميّة.

قد أكون محظوظة للغاية لأن موازنة من هذا النوع، لا تبدو جهدا مُعاكسا بالنسبة لي، ولا موازيا، بل هو مسار متناغم، لا أشعر بانفصاله، وأحب تناقضاته، ولا أجد مشكلة فما دمتُ أردتُ ذلك فهو أمر واعٍ! إنني ذلك الشخص الذي ينزعج عندما يفعل أمرًآ خاطئًا لأنه فعله بشكل رديء، وليس لأنه خطأ، لذلك غالبا ما أحرص على الأخطاء الرائعة، الاستثنائية، على تجميع الكثير من الأعياد مزينة بباقاتٍ من الحكمة والصّواب. أريد أن استمر في استكشاف قيمة الأشياء ثم أفعل ما استلذّه منها بغض النظر عن تلك القيمة، ثم أعود وأقدّرها بحسب قيمتها، دون مساءلة، ذلك ما يوازن بقية الأيام، وبقيّتي.

نِرد…

ديسمبر 26th, 2015

لا أعتبر نفسي شخصا محظوظا، كان بإمكاني انتظار ابتسامة الحظ، لكنني قررت العمل بجهد مضاعف للحصول على حياة لا يمكن للحظ أن يضيف إليها شيئا!

ولا تعتقد أنني قمت بذلك لأنني حضرت دورة في تنمية الذات، لا يا صديقي، كل المسألة أنني شخص قَلِق وبدون صبرٍ تقريبا، ولم يكن بوسعي النوم من شدة الغضب.

إنني ذلك الشخص الذي يفضل سرقة بنك والهرب بهويّة مزيفة على أن يكون الشخص الذي يفوز باليانصيب وهو في عمر الخامسة والعشرين، لأنني متيقنة أن فوزا كذاك ما كان ليمنحني الرضا، ليس لأن المال غير مرضٍ، المال هو أحسن ما يمكن أن يحدث لك (صدقني ليس الحب ولا الإيمان) لكن لأنني لا أحب حَرق السيناريو، لا أحب الحصول على أشياء كثيرة مكررة دفعةً واحدة، وأيّ خلل في هذه التركيبة سيؤثر على طعم الوصفة، لهذا السبب أنا لا أحب صنع الحلويات التي تعتمد على وصفة دقيقة، ولم أكرر في حياتي كلها، فعل شيء مرتين بالطريقة ذاتها، حتى إنني لم أحب مرتين بالطريقة ذاتها رغم حصولي على ردة الفعل ذاتها، عندما أنظر إلى عينيك مرّة، تأكد أنني أنظر لك بشكل مختلف عندما يرتد إليك طرفي. وهذا شيء كارثي بالمناسبة، لأنه من الجيد أن يكون لديك حصان طروادة تربح به، لكنني ما كنت لأحترم نفسي لو كررت نفس الخطة التي أربحتني في مرة سابقة، وهذا ينسحب إلى الأشخاص الذين يكررون أنفسهم، أغبطهم لكنني لا أحترمهم، الحظ يشبه ذلك، الحظ هو نوع من الضمان المتكرر بأن الأمور ستكون أحسن على الدوام، لو حدث لي، كنت سأتورط في موازنة باقي مكونات الوصفة، كيف سيمكنني مجاراة تكرارية الحظ؟ بطريقة تفكير تكرارية على ذات الوتيرة؟ سيمنحني الحظ قلقا من نوع من مختلف فحسب.

بريد

ديسمبر 20th, 2015

 “….

في حياة أخرى كنتَ لتراني استعراضيّة، لكنني في هذه الحياة لم أولد بدرجة الفقر المناسبة لذلك. وهذه عبارة مخادِعة ستوقع فريقين في الفخ: الذي يرون الفقر عارا، والذين يرون الاستعراض شتيمة.

تناسبني هذه الفكرة، أن تلعب شخصيات على مسرح بدون أثر رجعي على واقعك، تعابير وجه مبالغ فيها، رقص،الكثير من المكياج، رموش صناعيّة، ثم تتحلل من كل ذلك بعد ساعتين، يعتقد كثيرون أن الأمر يحتاج إلى الكثير من الجرأة، صدقني ليس كذلك، إن الكثير من الوجوه المجهولة تساوي اللاوجه، الكثير من الأعين غير المهمة تساوي اللا رؤية، الكثير من المكياج يساوي اللا ملامح! هي فرصة للجميع لممارسة عدميّة أنيقة، تحتاج إلى الحماس نعم، الحماس في تجربة أربعة شخصيات في أربعة فصول في ليلة واحدة، لقد شعرت بالأدرينالين بمجرد تخيّل الفكرة الآن، تخيّل! على الأرجح كنتُ سأفعل ذلك في نهاية الأسبوع، وسيكون عليك شراء تذكرة من قسم الشخصيات المهمة، أعني إذا وددت أن تكون مهما، أنا لا أضغط عليك، أما في بقية الأيام فسأكون كما أنا الآن ولكن على وجه الاختيار، لديّ مشكلة مع تصريف نهاية الأسبوع إلى هذه الدرجة، أنني أفكر كيف سأخرج من ورطتها في احتمالات الحيوات الأخرى، هل تؤمن بالأكوان السبعة المتوازية؟ جديرٌ أن تفعل، أو أرجوك! اِفعل، لأنني سأتحدث معك عنها كثيرا وسيكون من الأفضل أن تكون معي في الجو! وسأعتبرها لك تضحية.

انتبه.. ذلك لا يشبه الإيمان بالأطباق الطائرة والفضائيين الزوّار، أنا لا أؤمن بها! ليس أنني لا أؤمن بوجود كائنات أخرى، لكنني لست راضية عن شكلها الأخضر الهوليودي كما أنني لا أؤمن أنها مخلوقات غبية إلى درجة أن تترك مارس وتقرر زيارة هذه الأرض محروقة الأوزون، لا أعرف ماهو الأوزون بالضبط لكنني رغبت في جعل الأمر يبدو علميا وكأنني أفهمه، تفهم؟ أرجو ألا تفهم من ذلك أنني من مهووسي الحفاظ على البيئة، أنا لا أرمي النفايات في الشارع صحيح لكن…كام اون! إنّ هذا الكون العظيم قادر على تدبير أمر نفسه، لا أخشى عليه، هل أنت متابع معي؟

أخشى أنني أصيبك بالملل، لا أحب المُملّين، لكنني في نفس الوقت مضطرة للحديث عن الأكوان السبعة ومواقفي المهمة بشأن الأرض لأنني لا أريدك أن تسيئ فهمي كما يفعل كثيرون، لا أعرف كيف سيساعدك ذلك؟ الرجال كسولين وتفكيرهم غالبا سطحي، لا تنزعج، لا أقصدك، كما أنني – بالمناسبة- لا أحب الرجال الذين يدفعهم الكسل لعدم التفكير حتى في معرفة المقاس الصحيح لملابسهم فيأخذون المقاس الأكبر احتياطا، إن كنتَ منهم فلا عليك، سأعلمك طريقة القياس في المرة القادمة، لكنني الآن لا أريد أن أشتّتك، أو يبدو أنني قد شتّتك مسبقا، أفعل ذلك باستمرار عندما تبدأ بتسليط الضوء عليّ، أخجل بشكل مزعج فأحاول تطبيق درس انكسار الضوء الكيميائي، حسنا… كشفتني! أنا لا أعرف كيف يحدث انكسار الضوء أيضا لكنك ستفهم أنني أريد أن أقول أنني أحاول تشتيت البقعة الضوئية التي تزرعها فوق رأسي، من فضلك لا تراسلني مرة أخرى بسؤال مفتوح مثل: كيف حالك؟ أو حدثيني عن نفسك، سأفعل ذلك عند تقديمي في حفل أو مؤتمر، لكن معك… اسمع، خَلاص، حدّثني عن نفسك، هل تؤمن بالفضائيين الزوّار؟ … “

عشرون يوما من التدوين: التدوينة العشرين

نوفمبر 20th, 2015

في البدء شعرتْ، ثم حصل ما حصل” * ريّا

يحدث لك أن تكون مهيّأً لالتقاط معنىً كثيفا في أقصر عبارة، كالاقتباس في أعلاه، إذا كان هناك إجابة نموذجية لكل الأسئلة التي أواجهها في هذه المرحلة، فستكون على هذا النحو: في البدء شعرت، ثم حصل ماحصل!

أخبروني أن الأشياء حدثت لأني شعرت، ولأني كنت مستعدة لذلك، ابتسمتْ، فأنا شخص كثير التحليل والتفكير، لنرجع قليلا للوراء، الأشياء كانت…. ثم شعرتْ ثم عرفتْ، أنا في منتصف الحدث يا سادتي، وفي الحقيقة لا أحد يريد أن يستمع للتّسلسل الحقيقيّ

يحدث لك أن تكون “لكيعاً” للغاية وتفضّل إعادة الشريط للوراء، وتتبع نسق الحدث، لحظة الشعور، لحظة انبثاق النتيجة، لتتأكد أن كل الأمور تسير بمنطقية سليمة، تسير بخير،  ثم لن تكون أنت بخير، أنا أخبرك من هذه النقطة أنك لن تكون بخير تماما عندما تعيد الشّريط وتجزئ المشهد، عندما لا تكتفي بأن ” حصل ماحصل” فحسب، عندما لا تنسجم مع كل هذه السلاسة، وتفضّل أن تعيد صياغة الأمر على نحو حقيقي تماما، وللدقة أكثر: لن يكون السؤال مطروحا: هل أنا بخير فعلا؟ سيكون السؤال: هل ما حدث حدث بشكل صحيح؟ هذا المهم.

ستسمع كثيرا عن السكون في اللحظة، عن ترك الأمور تأخذ مجراها التي ستشقه بغير إرادة منك، عن التخلي عن الأفكار والأحداث والأشخاص الذي يجعلون مشاهدك الحياتية تسير على نحو بطيئ ومعقّد، أن تدع الأشياء “تحصل” فحسب، ستسمع عن كون هذا الأمر سهل، ومريح للغاية، لكنك في كل مرحلة تحاول الاستجابة لمسار الريشة الذي قرّرته الرّيح، ستجد نفسك ” ترجع قليلا إلى الوراء” باحثًا عن التسلسل الحقيقي، ليس الأمر بالسهولة التي تم تصويرها. ثم لن تكون قادرا على تصوير المشهد عكسيا للآخرين، لن يفهمونك أبدا، لن يفهموا لماذا تفضل الرجوع للوراء باستمرار، لن يفهموا لماذا تفضّل النسخة الحقيقية على النسخة السهلة بطبيعة الحال، وعندما تعجز عن ردم الهوّة ستخبرهم : حصل ما حصل فحسب.

 ولأن الأمر مُتعبٌ بحق، فلا تبحث له عن خطة إنقاذ رغم ذلك، ابْق قَلِقاً ، ارجع للوراء، احتفظ دائما بالنسخة الحقيقيّة.

عشرون يوما من التدوين| 19: في حضرة رجل يبحث عن نصّه المثالي..

نوفمبر 19th, 2015

تناصّ لقطعة بعنوان: اخرج مع فتاة تحب الكتابة ت: محمد الضبع

أُعيذك من حبّ شاعر، ليس بنفس القدر الذي أعيذكِ به أن تتقاسمي موعدا مع رجل تلتف الكلمات حوله كجواري تم بيعهن مرّة أو مرتين، نصف كلامه مُرتجل بعناية والنصف الآخر ملغّم بالاقتباسات، الذي يستمتع بأن يقول لك أكثر مما يستمتع بأنكِ تُصغين إليه، إنه حتى لم ينتبه لذقنكِ الناعم المستند إلى كفّك وأنت ترقبينه، لم يلاحظ بعد كُحلكِ المتقن وعينيك المولعتين، لكنه ينتبه كثيرا إلى المجاز المركّب في العبارة التي يريد أن يعرضها عليكِ تاليًا، هل تدركين ذلك؟ إنه يقدّم لك مسرحا من الكلمات، مسرح مبهر للغاية، منحكِ تذكرة صفّ أول مجانيّة وهو يعتقد أن عليك أن تشعري بالحظ الوافر لأنه فعل ذلك بينما تنتظر بقيّة الفتيات مروره ليصرخن باسمه، وبين كل ستارٍ وآخر سيكون عليك أن تصفّقي، لا تواعدي رجلا يحبّ الكتابة ويريدكِ أن تكوني جمهوره الأوحد، أنتِ لستٍ مجرد فتاة تشجيع.

ستكتشفين أنه يسألك سؤالا ثم يلقّنك إجابة أنيقة تتّسق مع سؤاله المحبوك وذلك في أحسن الأحوال، غير ذلك سيلتقط الإجابة من فمكِ وينسبها إليك، سيسألك: كيف حالك اليوم؟ وعندما تشرعين في إجابة موجزة، سيقول: كان يومي سيئا، تصدقين؟ ستصدقين .. لأنها تلك هي الطريقة الواحدة لاسترسال الحديث معه، أن يتراخى هو تحت الضوء ويخبرك أن لديه ظلّ دافئ ييق بجميلته، لكنكِ لم تشعري بسخونة الموقف بعد، الظل بارد، أليس كذلك؟

تتناولين يده بيديكِ، بينما تشعرين أنك قد أخذتِ، يشعرُ هو أنه أعطاك، إنها مجرد مُناولة عفوية.. ستعتقدين، لكنها ثلاثة أكف لا أربع ستدركين لاحقا، وعندما يقبّلك لن يترقب لمعةَ عينيكِ لأنها يفترضها مسبقا، ما الذي سيقلقه من ردة فعل فتاة التشجيع؟ لا شيء. لن يلاحظ أنك تكرهين تقديم القُبل كفصول في كتاب، كمجاز، كنصّ مسجوع مكرر، لن يلاحظ أنك أحببتيها مجرّدة، مُسترسلة، كحكاية ينطوي حدثها المفاجئ في السطر الأخير، كنّص مفتوح. وقصيدة تفعيلة لم تخلُ من وقع الجرْس دون أن توغل في رتابة القافية، لن يلاحظ شيئا من ذلك.

إنه يحب الكتابة، يعيش عمره باحثا عن نصّه المثالي، ستجدين أنكِ الحرف التاسع والعشرين الذي يرجو منه أن يصنع معجزته التي لن تكون، ثم سيلومكِ بغضبٍ عبثي سرعان ما يسكن، فهو يريد أن يكتبك رغم ذلك، وهذه فرصته الذهبية. وإنّك ستجدين رغم كل ذلك الدروان سببا للولعِ به، هناك دائما سبب للولعِ برجل يحبّ الكتابة، ليس في هندامه بالتأكيد، ولا في لطافته المبالغ فيها مع كل فتيات التشجيع على الجملة، هناك دائما سبب كامن سيدفعكِ إلى الجنون، سترينه دون أن يعرف ذلك، ستلمسينه في قلقهِ من تفويتكِ، في خضوعه الدائم للاستهداء نحو قِبلة تلم شتات جهاته، لن يخبرك أنكِ قِبلته لكنك ستكونين كذلك بالفعل، الذي يقع في دوامة الكتابة سيضجّ رأسه بالدْوران والقلق وستكونين نقطة ثباته.

هناك دائما سبب للولع برجل يكتب رسالة نصيّة تحوي اسمك فحسب، لكنه سيرنّ في قلبك كما لو أنه يشدّ حبل نجاته بكل مافي الكتابة من غرق.

عشرون يوما من التدوين| 18: لقد أخافوا قصيدتك..

نوفمبر 18th, 2015

بالكاد تكتمل دائرة “الشلّة” حتى عندما تعطي موعدا صارما اسمه “بعد العِشاء”، ما الذي تعنيه كلمة صارم؟ إذا كنتَ تعيش في مكان “مغلقٍ للصلاة” سيفترض أنك اعتدت عُرفيا أن الرّبع ساعة قبل الأذان التي يخبرك فيها الكاشير أنك مطرود هي بالضبط “قبل العِشاء” أما “العِشاء نفسه” فهو الوقت الذي على الأرجح لم تعرف حتى الآن ما الذي يجب أن تفعل فيه، الوقت الذي تعلق فيه في سيّارتك، وقت تكون فيه حائرا وضائعا حتى أنك تسأل نفسك كل الأسئلة التي تهرب منها: لماذا لم أقدّم استقالتي حتى الآن؟ لماذا ابني ليس ذكيّا كما تأمّلت؟ لماذا لم أكلّم رفيقي حتى الآن؟

.. وهنا تعرف أن “بعد العشاء” هو عندما تفتح أبواب المحلات وتعود أسئلتك للهرب، وعندما يخبركِ أخوكِ أن تنزلي إلى السيّارة الآن! … تخيّل رغم كل هذا الوضوح الصارم يُصرّ الجميع على تبرير التأخير المتعمد باللغة الفضفاضة.

تعرف كل واحدة منهنّ المكان الذي ستجلس فيه في زاوية المحفل، تبدأ الأفكار المرتجلة والأسئلة في التداول على الطاولة بعشوائية واندفاع النِرد في الرمية الأخيرة، فهذا بالضبط ما يجعلهم متمسكين بالحضور، تبادر منى:

– ليلى، هل يُريحك كونك البطلة الرسمية للقصائد؟ شعور جميل؟

ليلى : قصدك شعور معلّب!

– طيب، في الأغاني؟ الليلُ يا ليلى؟

منى، أنا الآن أصبحتُ أشاهد الأفلام أون لاين!

تقاطعهن حنين:

يا لطيف! انخفضت المعايير؟

أسطوانة مشروخة لفتيات يتحدثن بلغة حتميّة، بالضبط كما في كل مجلس “شباب” هناك زاوية تتحدث عن الفتيات بلغة مُتوقّعة وبسيطة، وزوايا آخرى في كل مجلس لتقييم الطعام أو الأجواء التي يعرفها الجميع مسبقا، أو لمشاهدة الإعلانات بين البرامج. في كل مكان يجتمع فيه شخصان فأكثر للحديث سيظهر طيف من المعايير التي تعلو رأس كل متحدث على شكل نافذة محادثة أو على شكل لوحة عرض تقديمي مُجدولة، حنين هذه مثلا لديها مزاج طربي حادّ، سيمكنك أن تفاوضها على أهم قرارات حياتها لكن لا تفاوضها في “رجّعوني عينيك” وأنا أتفق معها إلى حدّ ما لكن اتفاقي راجع إلى معيار ذاكرة عاطفية، بينما هي ترى الأغنية: ” المعيار ذاته” …

تسلّم على صديقك أوّل اليوم، فيخبرك أنك تبدو مغتمّا، تبدأ في رؤية شرائح التقييم تتقلّب فوق رأسه، تؤكد له أنك تمر بمجرد يوم “عاديّ” فيصرّ عليك أنك لست كذلك، سترى دائرة حمراء على شريحة معاييره، هاهنا بالضبط أمكنه اصطيادك، لقد لاحظ أن نظراتك لا توافق حديثك، أنت شارد البال، سيبدو الأمر مباغتة فمنذ متى والرجال ينتبهون لهذه التفاصيل؟ أنا أشاركك هذه الصدمة، لكنها تحدث، يحدث أن أحدهم يطبق عليك معايير حتى وأنت تمارس ” عاديّتك” ثم سيكون عليك أن تمرر الموقف كيفما اتفق، النّاس مجانين يا صاحبي، وعندما يبدأون بالتخمين فإنهم غالبا لا يكونون على حق، لديهم هوس بإثبات أنهم يعرفون عنك أكثر مما تتوقع، لا عليك، مرّر.

هناك آخرون سيبنون سلّما تقييما أخلاقيا بناء على الجودة التي تفضّلها في مشاهدة فيلمك، أو الطريقة التي تصفّ بها طبقات الساندويش، وحتى ترتيب القائمة في ساوند كلاود، ولأن الناس مجانين – مرة أخرى – فإنهم مهووس في تكوين الأتباع ، سيبذلون جهدكم لكي يضمّوك إلى فريقهم، ليظهر فوق رأسك نفس جدول التقييم الذي طبعوه، سيخبرونك أنك حينها رائع، ومتميز، و “تفهم!” ، في نهاية المطاف ستجد نفسك تخجل من التعبير عن القصيدة السخيفة التي أعجبتك، لقد أخافوا قصيدتك.

عشرون يوما من التدوين| 17: خطوتين خارج المنطقة الآمنة

نوفمبر 17th, 2015

عندما تأوي إلى الروتين، وإلى تأكيد ذات الاختيارات الهامشية كل يوم: ماذا ستطلب على الغداء، أي طريق مختصر ستسلك، كيف ستمرر الوقت الفائض، العصير المرافق للوجبة… ستحصل على حياة أسرع، وأكثر سلاسة وهذه ميزة، لكنك ستفتقد اكتشاف طعم جديد ورائحة جديدة ومكان جديد وهواية جديدة وهذه بالتأكيد ليست ميزة خاصة لشخص سريع الملل، أنا سريعة الملل لذلك في الفترة الماضية قررت أن أخوض تجربة لمدة سبعة أيام متتالية، في كل يوم سأتخذ قرارا مختلفا عن القرار العفوي اليومي الذي كنت سأتخذه بالعادة، وعندما يكون الأمر متاحا فإنني سألتزم بفكرة أصعب: سأختار أكثر شيء لا أرغب عادة باختياره، في الأمور البسيطة اليومية التي قد لا تشكل أهمية، لكن بالنسبة لي فإن اكتشاف طعم جديد مثلا … هو حدث جميل وجيّد

في اليوم الأول مثلا أردت شراء عصير “الليمون بالنعناع” والذي أطلبه يوميا في منتصف اليوم بعد القهوة، بدلا عن ذلك كان عصير الرمان هو أكثر شيء لا أفكر باختياره ولم أذقه من قبل، فاشتريته، إن كنت لم تجربه حتى الآن فأخبرك أنه لذيذ ويستحق.

ولأن التجربة كانت ممتعة، فتلقائيا لم أنتبه إلا في نهاية الأسبوع الثاني، هذه قائمة ببعض الخيارات اليومية البسيطة التي اكتشفتها ولم تكن ضمن منطقة الراحة عادةً:

– تورتيلا حار.
– فاهيتا بالموزايلا!
– توپ Blue Navy
–  Rose Gold” jewelry”
– وجبة: ميديم رير 😕
– ثلاث طرق مختلفة للدوام، بنفس الوقت.
ساق البامبو
– كتاب Be happy without being perfect
– طعم البابونج المركز.
– Beesline Sinkcare Package
– الخروج بدون Coco mademoiselle
– الكتابة بقلم مقاس 0.7
– حقيبة يد بلون بيج.
– Sugar – color contact lenses

هل سأكررها؟ نعم مرتين كل عام على الأقل

عشرون يوما من التدوين| 16: 🎶

نوفمبر 16th, 2015

تعويذة الليالي الطويلة …

عشرون يوما من التدوين| 15: حيّز إضافي…

نوفمبر 15th, 2015

تتكئ على طرف الكرسيّ المجاور لكرسيّك ممارسا استبدادك المُبرَّر، فكونك تذهب إلى مقهاك وحيدا يعطيك ذلك ميزة احتلال مساحات تتجاوز مساحة فردٍ واحد، ولأن المقهى يحترم زبائنه لن يخبرك صراحةً أنك بالفعل تشغل حيّزا إضافيا، لكنك ستلاحظ أن الفاتورة ستأتي إلى طاولتكَ قبل أن تأتي للطاولة المجاورة لك رغم أنك جئت بعدهم وأيضا رغم أنك تفكّر في تحليّة إضافية، يمكنك أن تعتبر الجملة السابقة تلميحة: عندما يحضر النادل فاتورتك قبل أن تطلبها، أخبره أنك لست جاهزا للذهاب وأنك تفكّر في طلب جديد، حتى وإن كنتَ لن تفعل، دافِعْ عن حيّزك الإضافي يا صديق. طبطب على كرامة وِحدتِك.

تغلق شاشة جوّالك، تقلبها على الطاولة، لا تريد لأي تنبيهاتٍ أن تجرّ رأسك للأسفل لمتابعتها، كالثلاثةَ عشرة زومبي الذين يملأون الطاولات من حولك برؤوس متهادية نحو الأسفل، هل افتقدت مثلي التقاط وجوهٍ عابرة؟ ملامح غريبة؟ عينين تصطادهما غفلة من صاحبهما فيصطادانك، لا يكاد قلبك يتحفز نحوهما حتى يتركانه كشريد؟

بعد إعادة الفاتورة، تقرّر أن الوقت ملائم لتوسعة أراضيك، تمدّ ساقيكَ متقاطعيْن على الكرسيّ الثالث عن يسارك، على عرش أناكَ يغازلك طيفٌ شعوريٌّ رقيق أنك – بحركةٍ بسيطة- قد ملكت العالم للتو ، أنت لا تكذّب الأمر تماما في نفسك، لكنك لا تتمادى فيه، تبتسم لدغدغةٍ الفكرة فتضحك لجنونها، ترفع عينيك تتأكد أن أحدا لم يشهد مراسم التنصيب هذه، فتعود عيناكَ عودةَ شريد، اصطادهما شاهدٌ، يبتسم لك، ها قد حصلت على بطاقة التصويت الأولى لصالحك.

تجهّز محفظتك، لتغادر كل هذا الصّمت المتحرّك كعرائس، لتجد أن فاتورتك قد دُفعت،تعقد حاجبيك متحمّسا: ” ها قد بدأت اللعبة” ، تعيد المحفظة إلى جيبك راضيا بحصولك على الرّشوة الأولى، كمَلكٍ مُنذ عشرين دقيقة فحسب…

عشرون يوما من التدوين| 14: الجهل الاختياري والمعرفة المنقوصة 2

نوفمبر 14th, 2015

في التدوينة السابقة، رادفتُ بين معنيين: الجهل الاختياري Chosen Ignorance و الجهل الانتقائي Selective Ignorance  لأن المصطلح الأخير تم ترويجه مؤخرا في سياق التدفق المعلوماتي، بينما من المفترض أن يكون مجرد أداة أو مهارة يمتلكها الشخص في صياغة جهله الاختياري التامّ بأمور معيّنة تشتت طاقته الذهنية عموما دون ربطها فقط بالدَفَق المعلوماتي الالكتروني، ليشمل ذلك المعلومات التي يلتقطها بصرك في الشارع العام، أو تلتقطها أذنك من صديق أو غير ذلك، أي تشمل كونك فاعلا مبتدئا لا متصرفا فيما يتم فعله مسبقا، سأشير بإيجاز للمعنيين المقابلين أو الناتجين لمعنى الجهل الاختياري والجهل الانتقائي.

المعرفة المنقوصة:
عندما تكون في وجه التيار المتدفق للمعلومات، وتشارك أبسطها بدون وعي حقيقي، ستدخل في دائرة موهومة من المعرفة، بعد أول ثلاثين ثانية من تصفّح هاشتاق في تويتر ظهر في التايم لاين صدفة، ستعتقد أنك جاهز لأن تشارك فيه، لماذا؟ لأنك تعتقد أنك تعرف كفاية وتريد أن تكون نقطة في التيار، لماذا مرّة أخرى؟ لأن ذلك يُدخلك ضمن تصنيف الشخص المتفاعل، بينما أنت في الحقيقة مجرد نقطة عبور حتى وإن ظننت أنك فاعلا، بعد دقيقتين أو ثلاثة ستبدأ في مناقشة المختلفين عنك في الهاشتاق، من السهل جدا أن تجد مشاركين أكثر ضعفا من ضعفك، تفوقك عليهم سيعزّز شعورك الموهوم بأنك تعرف حقا ما تتحدث عنه! وأنهم لا يفهمون شيئا، ستكسب بعض المتابعات من المؤيدين، ستجد أنك أنفقت ما لا يقل عن خمسين دقيقة من ممارسة الوهم المبني على ثلاثين ثانية من الصدفة، إذا كان الموضوع يتحدث عن قصة اجتماعية ستجد نفسك قادرا على تسمية أشخاصها، الجهات التي تعاملت معها، ولديك صورة أو اثنتين منسوبة إلى الحدث، فستنتقل بكل ذلك إلى مرحلة الراوي، تتبنى موقفا صارما وتشارك بكل هذا الوهم المتراكم بثقة، وهذه كارثة على أي شخص يحترم ذاته أن يتوقف عن الإنجراف إليها، متسلحًا بهذه المعرفة المنقوصة، باعتقادك أنك تعرف ما يكفي في ثلاثين ثانية، ستتوقف فعليا عن السؤال، النقد، معرفة المزيد مما هو حقيقي وموثوق.

المعرفة الاختيارية:
إذا امتلكت مهارة الجهل الاختياري والانتقائي، فتكسب تلقائيا معرفة اختيارية وانتقائية، يمكنك اعتبار ذلك مكافأة مجانيّة لسلوكِ واعٍ، وذلك يحدث على مساريْن:

المسار الأول: وهو الاكتساب الإيجابي، طرح سؤالاتك المعرفية، المحدّدة والواضحة والتي تخدم ما تريد أن تعرف عنه أكثر: تخصصك، وظيفتك، مَرَحك! أيّا يكن، في هذا المسار ستقوم أنت ابتداء بتحديد الوِجهة التي تتلقى منها ما يناسب سؤالاتك، عندما تريد أن تعرف عن الفيزياء أكثر ستتابع يوسف البناي (أشعر أنني نجحت في لفّ السياق حتى أوصله إلى يوسف البنّاي، أخبروه أنه يعجبني) فلن تتابع بطبيعة الحال حساب اعترافات مراهقين ولن تهدر وقتك في الحديث عن تفاهات اعترافاتهم التي بالتأكيد لن يتحدثوا فيها عن قوانين الضوء، عندما تريد أن تطرح سؤالات عن الأعمال لن تسمح لنسويّة غاضبة أن تتدفق نحوك بقضاياها الشخصية، لن تعرّض نفسك لأي استفزاز يجرّك للكارثة، إذا كنت تعتقد أن التدفق الالكتروني خارج عن السيطرة فأنت على الأغلب كسول! تذكر أنك تملك دائما لوحة إعدادات لكنك لا تستخدمها كما تريد، إلا إذا أردت من كل أحدٍ حولك أن يمارس دور الوالديّة عليك.. يمنع عليك ما لا تريد.

المسار الثاني: السلبي، هناك دائما، بلوك وحذف وإلغاء وزر إغلاق الشاشة.

في التدفق الالكتروني المعلومات تمسّك بهذه القاعدة الذهبيّة:

عندما تمنع ما لا تريد معرفته من التدفق نحوك، ستحصل على ما تريد معرفته تلقائيا.