الأرض:

لقد قضيت عمرا أطول داخل رأسي وأفكاري من الذي قضيته خارجه، وإذا سألتني لماذا؟ سأقول: لطالما كان رأسي مملوءًا بالعجائب، أفكارا وقصص وسلاسل موسمية من الأحداث، حتى أنني أحيانا أستعير أبطال قصة اخترعتها للعمل كضيوف شرف في القصة الجديدة دون أن يرتبك أيٌّ منهم بسبب هذا الإقحام غير المبرر بالضرورة، وأحيانا أخرى يبدو الأمر احتفاليا كدخول (براد بت) في الحلقة 8 من الموسم 8 لمسلسل فريندز، هكذا فقط لإضفاء البهجة والاحتفاء ببطل وسيم للغاية (أيّامها) ومضحك أيضا، الوسامة والمرح هذه خلطة الأحلام!  وهذا مجرد مثال تقريبيّ فالأحداث داخل رأسي أكثر إثارة، وبما أنه لا يوجد لديكم مصدر غيري للتأكد، فعليكم شحذ مخيّلتكم لتصديقي أو لمجاراتي

البذرة:

إن هذا الخيال المتّقد والأفكار المتناسلة بلا حد، في حدّهما الأقصى يستدعيان زخما مشاعريا ضروريا لمجاراة الأحداث، في طفولتي كنت أستلقي قبل النوم وأسرد القصص في رأسي، وكنت في مرات كثيرة أضحك حتى تدمع عيناي، أو ربما أبكي لأن أحداث القصة فاجأتني حينما فلت منّي التحكم بالسرد وبدأ يسقط على أحداث واقعية تجرّها مخيلتي نحو الحواف لأن شعوري حينها كان متطلبا للإثارة السريعة فكان الاقتباس من الواقع حدثا فنّيا ضروريا، وهكذا أكون وقصتي شيئا متوحدا واحدا، ولا أعود الطرف المتحكم فيها، كانت هذه هي اللحظة التي بدأت فيها استخدام مخيلتي في إعادة صياغة واقعي، وبدأت الأمور في الخروج عن السيطرة.

السُّقيا:

ما الذي تحتاجه بذور القلق لتبرعم وتنمو وتزهر؟ أرض خصبة كرأسي، وأفكارا إبداعية كخيالي، ومشاعر مستثارة ومتحفزة على الدوام كمشاعري، لقد التقيت بالقلق مبكرا، ودون أن يعرّف أحدنا بنفسه بدونا جاهزين لقطع الطريق معا… وقطعناه طريقا طويلا وعسيرا، ترافقنا بمحبة يملأوها الارتياب، وتقاتلنا بشراسة، وفي كل المرات التي تعاركنا فيها كانت هزائمي أكثر، كان رأسي بارعا في تضليلي، واقتيادي… ولأنه (مملوء بالعجائب) فكنت أسير في هذه الوندرلاند مشدوهة يقودني الفضول ولاأود الخروج منها، فالواقع أيضا لم يكن مثيرا كفاية لجذب انتباهي، وفي مرات كثيرة وجدت نفسي عالقة في المنتصف لست في أرض العجائب ولا في الواقع، وهذا وجه ثانٍ للقلق. أن تعلق.

الشّمس/الظل:

طول العهد في الطريق الذي قطعناه معا، القلق وأنا، جعل حدودنا متماهية، كما هي ميانة الأصدقاء ونباهة الأعداء، في مرات كثيرة يتدخل القلق في مساحتي الشخصية، يستخدم فرشاة أسناني، يرتدي معطفي الشتوي، يتسلل في خصل شعري، ولا أجد الحق لأن أردعه، فنحن صديقان! وفي نفس الوقت أجدني أغترب عن نفسي، فالقلق لا يترك أشيائي كما كانت، تتغير رائحة معطفي، تُفرم أسنان فرشاتي، يتجعد شعري أو ينساب فجأة .. لا شيء يشبهني بعد أن يعبره القلق، هذا الوجه يحمل ملامحي لكنها ليس تعبيراتي، نعم هي أقدامي لكنها ليست مشيتي، تلك قامتي لكنه ليس طولي، ملابسي لكنها ليست رائحتي، وهذا وجه ثالث للقلق، أن تغترب عن نفسك.

الجذع:

المخيلة تقوم بشكل أساسي على المبالغة، هذا ما يجعل الفنون ساحرة، كل الأمور بمقاساتها العادية معتادة، ما يجعلك تدفع تذكرة سينما لمشاهدة فيلم، أو قراءة رواية أو الطرب لقصيدة أو الرقص مع الأغنية هو قدرة الفنان على اللعب بالمقاسات العادية بدرجة مقنعة لك، تعيش الأغنية بحب مضاعف، والرواية بتشويق متسارع، ذلك سحر المخيلة، القلق يتغذى على المبالغة، وكثيرا ما كان قلقي منتجا فنّيا يستحق الترويج يليق بصالة سينما، ويضيق جدا جدا في صالة الواقع، فإشكالية القلق عندما يبالغ في قراءة وتحليل الواقع أنك في آخر اليوم لن تبيع تذكرة لمشاهدة هذا الحدث الفني، بل ستسقط مهدودا على فراشك، تتسارع نبضات قلبك، ويضيق صدرك ولا ينطلق لسانك، وهذا وجه رابع لقلق، أن تختنق بضخامة الفكرة، ومبالغة الشعور.

الثمرة:

لقد بدأت كتابة هذه التدوينة كمحاولة تفريغ لموجات القلق التي تتردد علي هذه الأيام، وأجدني راغبة للعودة لاستكمال  واستكشاف بقية الوجوه، أودّ حقك أن أربت على كتفك إذا كنت تشعر بالقلق أو شعرت به يوما، ليس للمواساة ولكن لأننا – بطريقة ما- أصدقاء.