في السادس والعشرين من أكتوبر2017م اتخذت قرارا بالتوقف تماما عن بناء المزيد من الصداقات/العلاقات البعيدة أو الالكترونية، بأثر رجعيّ محدود حيث خرجت من الصداقات القديمة التي تأخذ ذلك الطابع والتي لا يهدف أطرافها إلى التلاقي المتكرر. كان هذا القرار بمثابة الانفراجة النفسيّة إذ أنني لا أجد نفسي متمتّعة بهذا النوع من التواصل المجزأ محدود السياق (نصّي/صوتي) لكنني ظللت أقاوم هذه الانزعاج وحاولت دفعنه بل مساءلته: لماذا علّي أهتم إلى هذا الحد بالحضور الفيزيائي/الجسدي؟ هل أبالغ؟ لكنني أخيرا قررت أن أستجيب لرغبتي والحصول على مزيد من الراحة والانطلاق والانسجام بين ما أرغب فيه وما أمارسه. ولأجعل حديثي أكثر دقة فإنني أقصد بالصداقات البعيدة/ الالكترونية هي تلك العلاقات التي يغيب فيها الحضور الجسدي سواء في شكل لقاءات أو تواصل أكثر حميمية وسواء كان البديل لذلك هو التواصل النصي/الصوتي أو حتى اللقاءات المتباعدة بحيث أفقد روح التزامن (تدوينتي السبت القادم هي تفصيل لموضوع التزامنية هذا) إذ أنه -الآن- لا فرق عندي بين صديق أو صديقة تسكن بالجوار مني لكن نمط حياتينا متغايرا إلى الحد الذي لا يوفر لقاءات ترددية بحد معقول وبين الصديق/الصديقة التي تسكن آخر الدنيا وليس بيننا إلا تويتر أو واتساب، كلاهما مرفوضان، أو بعبارة ألطف: لا أستطيعهما.

التواصل الالكتروني/المتباعد….  كان حلا مخادعا:

طفلة نشطة للغاية، ستراها تشارك في كافة أنشطة المدرسة، تكتب المسرحيات وتمثلها وتخرجها، ترتب للاحتفالات وكل شيء صفّي ولا صفّي تنجزه، بالغة تنزع إلى الحركة والتحليل والانتاج، كنت دوما ذلك الشخص الذي يظنه الجميع اجتماعيا وودودا، لكنني في حقيقتي كنت -ومازلت-  ذات طاقة محدودة عندما يتعلق بالأمر بالتواصل الثنائي مع الأشخاص أو المجموعات الصغيرة، حيث تتضاعف المسؤولية (الاجتماعية) في التواصل مع أطراف المجموعة، إنني قد أكون كل شيء إلا أن أكون “شخصا اجتماعيا” ، كنت -ومازلت- إنسانا ينزع إلى الانطوائية، وكل ذلك النشاط الخارجي كان استجابة لقيمة الحضور الجسدي لا لبناء العلاقات، بمعنى أنا أشارك في المسرحيات لأنني أحب تهيئة جسدي وفق إيماءات الدور المنصوص، ليس لأنني فتاة اجتماعية تريد بناء صداقات مع الجمهور المفترض! إذا كنتَ قد أدركت الفرق الخفيّ بين الاثنين فلأنك غالبا صديقي في هذا النادي، حيث ستحتاج إلى تجربة ذاتيّة لإدراك ذلك. على كلٍ، كان ذلك -ومازال- يورّطني .. حيث أن نزعتي الانطوائية لا تريد بل وتعجز عن مواكبة كل هذه الجموع البشرية التي ألتقيها بحكم نشاطي الجسدي، لذلك كان الإبقاء على المسافة وقصر التواصل على المحادثات الالكترونية مفيدا لي ويمنحني مساحة للتنفّس، لكنني دون أن أشعر ضللت الطريق…

العودة إليّ …

عندما تكون الثقافة السائدة الأبوية تعرّف جسدك كأنثى بأنه بحد ذاته مشكلة! زخم الأفكار المروجة الثقافية والدينية تجاه جسد الأنثى باعتباره محط الخطيئة والفتنة وتقطع الصلاة ويستشرفها الشيطان، وخرافات الشرف، كل هذه الثقافة تجعل علاقاتنا كإناث بأجسادنا مضطربة فضلا عن التعايش الجسدي مع الآخرين (حتى في غير السياق الحميمي- تعرف الفتيات أن مدارسهن كانت تجرّم احتضان الصديقات والمشي متجاورين بأكفّ متشابكة حيث يصنف ذلك كعيب اجتماعي ومخالفة مدرسية!) ، غير أنني – ولحسن الحظ- لم أنظر يوما إلى جسدي سوى أنه مكاني وأرضي الخاصة بي ولا أحد سواي، ولا أعتقد أنني أكتسبت هذه النظرة بقدر ما أنني وجدت نفسي عليها كما أن انطوائيتي ساعدتني على الإصغاء لنفسي، لروحي، لجسدي على السواء وحمتني إلى حد كبير للغاية من هذه الأوبئة الثقافية ، ذلك ما جعل احتياجي إلى الحضور الجسدي في صداقاتي صريحا وصارخا، ومستغربا ومحكوما عليه من قبل الرفقاء حولي، لكنني أتفهم ذلك بالطبع. حيث تسألني زميلة: لماذا أحتضن الغرباء بدلا عن مصافحتهم؟ أخبرها أنني ببساطة أحب ذلك وهم يستلطفونه فما المشكلة؟! والدي علمني ذلك، – كجنوبيين- نحن نقدر التعبير الجسدي، نقدر القبلات والاحتضان وملامسة الأيدي، وذلك جعلني منفصلة إلى حد مزعج عن الثقافة السائدة في المكان الذي كوّنت فيه صداقات متباعدة أو يكتفي أطرافها بالتواصل النصّي مثلا، لا… ليس أنا، عموما …كنت أقول أن انطوائيتي وجدت هذه الثغرة في النظام الاجتماعي، فاستوطنتها، بالغت كثيرا في هذه الصداقات المتباعدة مما أبعدني عن حقيقتي، التي تفضل التواصل الذي تحضره فيه جميع الحواس، ويكون الأصدقاء فيه ملء السمع والبصر .. والأيدي أيضا!

لماذا؟!

أنا لا أنوي إقناع أحد بهذا النمط من التواصل المشروط بإمكانية الحضور الكامل، كما أنني لا أنوي إلقاء موشح عن عجز التواصل المتباعد أو الالكتروني عن تلبية احتياجاتنا في بناء نظام اجتماعيّ داعم من شبكات بشرية متنوعة ، لكنني أود أن أختصر معظم ما أستفيده من هذا النمط، ما يجعلني أصرّ عليه – رغم أن كونه ملازم لحقيقتي وطبيعتي أمر كافٍ – لكن بالإضافة إلى ذلك:

  1. التواصل متعدد المستويات: في التواصل الالكتروني نحن محدودون بالقاموس اللغوي وبقاموس الايموجي، في التواصل الجسدي الكامل، تنطق الإيماءة والنظرة واللمسة وصفّ الأسنان في الضحكة ويستجيب شعورك لتجعيدة العينين عند تبسم الطرف المقابل لك أكثر مما يفعل الإيموجي.
  2. الذاكرة المكثقة: اجرِ حوارا حميميا مع صديقك على واتساب، بعد فترة ستتذكر الكلمات، اجر ذات الحوار في لقاء على صوفا تجمعكما بعد فترة ستتذكر المكان، وشعاع الشمس الذي قسم الطاولة أمامكما إلى نصفين وتتذكر الظل بإزائها، ستتذكر اللحظات التي سكت فيها ليلتقط أنفاسه أو عندما نظر إلى جواله، ستتذكر إحساسكما بالجوع في نهاية الدردشة والبحث عن عشاء متأخر في هنقرستيشن، فضلا عن نبرة الصوت و(الهاي فايف) ، إن العلاقات تنمو بالتصاعد على هذه الذاكرة، فاسترجاع الذكريات يكون ألذ وأشهى وآكد وأبلغ إذا كان مقرونا بكل ذلك، ستحكي يوما: عندما كنا جالسين في شقتي و”سولفنا” حتى الفجر ثم وجدنا المطاعم مغلقة.. هكذا ستكون القصة في قلبك، برأيي هذا أروع بكثر من: تذكر لما كتبت لي كذا … انتهى! (الان يمكن الاقتباس الكترونيا .. لن تضطر حتى لإعادة تذكر ما قاله)
  3. تعدد التجارب: التواصل الجسدي يستدعي الحصول على مساحة، ذلك يعني ترتيبات تتعلق بالبحث عن أماكن متعددة ( وربما سفر ودول متعددة) هذا يعني أن العلاقة ستكون زاخرة بالتجارب المشتركة، كيف يمكن ألا يكون هذا الأمر رائعا؟!
  4. … ماذا أيضا؟