20 يوما من العيش بنصف بطارية جوّال (تجربة)

لدي علاقة مضطربة مع الجوال، مؤخرا لم أعد أعتبر نفسي شخصا إدمانيا على الشاشة السوداء (Black Mirror) وذلك وفق رحلة بدأتها عفويا في التخلص من ملاحقة التنبيهات، لازلت عالقة في المنتصف حيث تخلّصت من صرف الجهد على هذه الملاحقة لكنني في الوقت ذاته قمت بحفظ الجهد ساكنا، هدفي هو أن أعيد توجيه جهدي نحو قائمة من الأعمال الانتاجية الفنّية لدي، كنت أيضا قد مررت بتجربة قضاء اليوم بحصة شحن واحدة حيث ألتزم بعدم إعادة شحن الجوال خلال اليوم الواحد حتى لو احتجت إلى قضاء بقية اليوم بجوال مغلق، الأمر الذي يزعج زملاء العمل، ويثير سخط الأصدقاء، ويجعل والدي يعتقد أنني تعرضت لحادث تسبب في تقطيعي أشلاء ثم وفاتي قطعة قطعة، لماذا هذه البنت لا ترد؟ لماذا جوالها مغلق حتى النهار التالي؟ مواجهة هذه المشكلات -المتوقعة!- يدفعني إلى تحسين استخدامي في اليوم التالي والتوفير على نفسي خوض المشكلات، في هذه المرحلة رأيت أنني جاهزة لخوض تجربة جديدة، أكثر حدة، وأكثر متعة بالتأكيد، لقد قررت أن أقضي اليوم بنصف بطارية جوال، وتلافيا لأي تجاوز ابتدأت التجربة بنصف بطارية، بحيث أنني أعرف أنها ستتفرغ بعد انتهاء النصف، فأعيد شحنها إلى النصف فقط، وهكذا، عليّ أن أقرّ بفضل Apple  لديهم بطاريات جيدة حدّ أن هذا التحدي لم يكن بالصعوبة التي توقعتها لذلك أضفت إليه تحدٍ آخر سأذكره في مدونة منفصل.

استهلاك المحتوى وانتاجه:

لقد كتبت مرة عن تجربة الحياة بدون تويتر، تستغرق تطبيقات التواصل الاجتماعي معظم حياة البطارية، معظم هذه الحياة أقضيه في الاستقبال لا الارسال، في استهلاك محتوى الآخرين بدلا عن انتاجه، ولا أريد أن يكون هذا المفهوم مضللا، حيث أن الكثيرين يعتبرون ذلك موازيا لأن تستمع أكثر من أن تتحدث، لقد رأيت كثيرين يكتبون عن أن المشاركة في خلق المحتوى(ذلك غير التفاعل) أمر يماثل أن تتحدث، بالتالي فمن الأفضل لك أن تبقى مستقبلا ومتزينا بفضيلة الصمت، أقول أن هذه المقاربة مضللة وكارثية، لأن الفرق الجوهري أن عملية الإصغاء للآخرين في الحياة المشهودة (لا أحسب تسميتها واقعية) هي عملية محدود بنطاق جغرافي (مجلس ما) وكذلك نطاق موضوعي (سالفة المجلس!) وأيضا نطاق إرسال محدود ومختار (الأشخاص المتحدثون) في مقابل الحديث في الحياة الالكترونية يكون تدفقيا خارج جميع هذه النطاقات فلا يمكن أن يكون اكتفاؤك باستهلاك هذا المحتوى مساويا للإصغاء أكثر. إن أكثر ما يشبه هذه العملية هو أن تقف في وسط شارع مكتظ بالسيارات باربعة مسارات دون أن تقوم بأي فعل، ثم ترجو ألا يتم سحقك، الاستهلاك الاجتماعي الالكتروني يسحقك، ذلك مالا يرجوه شخص انطوائي مثلي مثّلت له الحياة الالكترونية مصدرا للتنفس، لكنه يحدث حتى لنا نحن الانطوائيون، لقد هدفت من تقليل عمر البطارية إلى حصر وجودي الالكتروني في مساحة انتاج للمحتوى أكثر من استهلاكه.

ما الذي حدث؟

يحدث أن ينطفئ جوالي وأنا في منتصف مشوار ما فتختفي الخريطة من أمامي، تجاوزت هذه المشكلة بالاعتماد أكثر على ملاحظة المعالم والاتجاهات وحفظ ما أمكنني من الطرق، يحدث أيضا أن ينطفئ في نصف محادثة هامة؛ تجاوزت بمعالجة المحادثات الهامة بالاتصال- بالمناسبة؛ لماذا لاتفضلون الاتصالات؟ حتى بدون هذه التجربة كنت أحترم أكثر الذين يتصلون- اعتاد أصدقائي على مكالمات العشر ثوان، أكثر ما أزعجني كان انطفاء الجوال عندما أخرج لتزجية الوقت في مقهى أو مطعم، ذلك المزاج الذي لا تريد أصلا أن تنتج فيه، تريد أن تحرق البطارية بالاستخدام المهدر، لكنني بعد اليوم الخامس بدأت في إيجاد حلول أخرى للاستمتاع، لن أغششكم هي.

لكنّ أروع ما حدث، أروع ما حدث على الإطلاق في هذه التجربة هو أنني بالفعل حصلت على الكثير من المتعة “النوعية” والكثير من جودة الحياة، الكثير جدا من التواصل مع الاخرين بدون الحاجة إلى شاشة، حتى أنني حددت يوما يطرق فيه أصدقائي باب المنزل بدون الحاجة للاتصال.

هل سأستمر؟

نعم، لدي فضول أن أعرف أقصى عدد من الأيام أستطيع متابعته بهذا النمط الاستهلاكي المنخفض للتواصل الالكتروني عبر الجوال، لدي رغبة في مواصلة الاستمتاع بالتواصل من خلال بطارية الحياة، لقد كتبت هذه التدوينة لأني جوالي مغلق بجوار صحن البيقل بالكاسترد.

One Response to “20 يوما من العيش بنصف بطارية جوّال (تجربة)”

  1. يقول محمد:

    تدوينة رائعة وتجربة مميزة..
    قمت حقيقة بتطبيقها من قبل بحمل جوال “غبي” لمدة أسبوع.
    أي بدون تواصل اجتماعي، بدون انترنت فالجوال، بدون واتس اب.
    فقط مكالمات ورسائل قصيرة؛ وكانت تجربة لا تنسى..

    شكراً منال.