اثنا عشر لونا

تطوي ثمان كنزات صوفية بشكل متتابع وآلي: الكُمّان للخلف، طيّة المنتصف، تهذيب الياقة، وتفكّر باستغراق موازٍ: حبيبان للخلف، طيّة منتصف الطريق، تهذيب ياقة النهايةالتي بعدها: مُقابلتا عمل، طيّة منتصف الدوام، تهذيب نهاية اليوم، وهكذا كآلة كادحة لا تحب أن تتوقف.
كنتُ أسترخي على صوفا ليّنة وأتأمل صديقتي في انغماسها مع الكنزات، إنني أملك كامل الحق في تخيّل الأفكار التي تدور برأسها، أنابعبارة أخرىأحب استعارة رأس صديقتي هذه تحديدا في تعليق الأفكار التي لا يرحّب بها عقلي، وأعرف أنها لا تمانع، في إحدى المرات اندفعت وبدأت أجادلها في فكرة علّقتُها داخل رأسها، كنت أعارضها، وأخذتني على قد عقليواستمرت في مجادلتي حتى اتّهمتها أخيرا: مخّك تعبان! فقالت لي بهدوء: طيّب، سأصلح الأمر.
كنتُ أحتاجها أن تطوي كنزة تاسعة، لأن الأفكار استمرت في استرسالها وسيقلقني انقطاعها، كنت تحت رحمتها، وكنوع من انقاذ الموقف، رميتُ نحوها فوطة صوفية لتقوم تلقائيا بتوضيبها، لكنّها قالت: لا، يكفي انشغال، علينا أن نجلس معًا الآن، هزمتني ابتسامتها فلم أشأ أن أخبرها أنني كنتُ بالفعل جالسةً معها وأن مخّها التعبان مسترسل الأفكار التي – وياللورطة!- سيكون عليّ أن أساعدها في التخلص منها.


– أخبارك؟
– عندكِ أوّل بأول.
– لا بأس احكيها مرة أخرى.


يعتقد كثيرون أن الفتيات يجتمعن للحديث عن الموضة وعن الرجال الوسيمين، ونحن نفعل ذلك بالفعل، لكنه ليس كل شيء، في بعض الأوقات لا نجد ما نتحدث عنها سوى أن نعيد جرد أحاديث سابقة مع إضافة بعض التعليقات الجديدة، وهذا لا يقل متعة عن خبر جديد وحصري، نحن نستمتع بكوننا نتحدث مع من نحب وليس بالموضوع الذي نتحدث فيه، صديقتي وأنا – على الأقلنُعرف بصمتنا الطويل في خارج هذه الثلاث ساعات التي نتقابل فيها كل أسبوع، لذلك أشعر أنني على موعد مع حفلة حديث

– تم قبولي في الوظيفة..
– ممتاز!
– لا مش ممتاز! كنت أريدها بشدّة قبل أربع سنوات لكنها تأخرت، وحضرت باهتة.
– “ادّيها ألوان يا بنت!”
– أقضي حياتي تلوين؟ لا، المهم رفضتها.
– الليلة الماضية لم ينتهِ تحميل الفيلم إلا قبل دقائق من موعد دوامي، رغم أني كنت جاهزة طوال الليل لمشاهدته، المهم رفضت مشاهدته.
– نفس الشيء! في غمرة تحاشينا أن نفقد ما نريد، ننسى مناورة التوقيت، ننسى أن قضيتنا هي أن نحصل على ما نريد في الوقت الذي نريد، وليس أن نحصل عليه بأيّة حال!
– خيرة؟
– أنا لا أؤمن بالخيرة.
– ولا أنا.
– التوقيت الصحيح هو الخيرة.

ناولتني قطعة كوكيز كتأييد غير واعٍ ثم تابعت بحماس:

– اكتمال الفيلم قبل دقائق من بدء الدوام، سفرك لمدينة حافلة بعد انتهاء الكرنفال،  الردّ على رسالة دفنها اليأس، انتباهك لكأس الشّاي بعد أن يعود ثقيلا وباردا، دخول..
– دخولك مدينة الألعاب في الخامسة والثلاثين، شراء فستان في تصفية التخفيضات.
– يعتبرونها ديلبالمناسبة!
– نفسهم الذين تفوتهم مناورة الوقت، لا تعني لهم المواسم شيئا فضلا عن فكرة أريده الآن وبأيّ ثمنكنت أريد تلك الوظيفة وبأي ثمن، كانت لدي رغبة مجنونة في المكتب المطل على الشارع العام، عرضوا عليّ نفس المكتب بالمناسبة.

أخدتْ جوّالها بابتسامتها المنتصرة ذاتها وأردفت: أرسلتُ لك رابط حسابه.. تابعيه، ثم انغمست في شاشة الجوّال، تكتب وتبتسم وتكتب وتبتسم عدّتُ إلى استرخائي، وبدت لي كآلة كادحة مرة أخرى، تأملتها من جديد، بدأتُ استعارة رأسها، أردت تعليق الفكرة التاسعة التي أقلقتني، لكنني وجدتها باهتة.

أحبّني في المساءات المكررة في تِرس الرتابة، في نهاية الأسبوع عندما يتأخر طلب العشاء، في يوم الدايت المفتوح، في العشر دقائق قبل يوم عملٍ مرهق وعندما يتعرّج خط الآيلاينر بفعل رمش مفاجئ، أحبّني عندما أرغب في التضجر من حرارة الشمس “الحارّة ككل يوم، أعرف!” ، وسأحبك بين شوطي مباراة ناديك الصعب، بعد انتهاء التحليل؟ طيّب، أو عندما لا تجد موقفا لسيّارتك وترغب في شتم الرصيف والزحمة وجارك ورجل المرور، سأحبك بقدر المسافة بين مكتبك ومكتب مديرك عندما يريدك على عجل ويمدّها قلقك، أو عندما لا تصوّت أغلبية رفاقِك على المطعم الذي ترتاح فيه، عندما ترغب في الشكوى من أمّك، أو عندما ترغب في خوض مشكلة اعتباطية…

الحب هو لهزائمنا اليومية الصغيرة، لوقت المنافسة على طاولة بلياردو، لممارسة شغف المناورة..
أما هزائمنا الكبرى – تعرف- أننا نستطيع مواجهتها كأبطال عُزّل لديهم من الجنون ما يكفي لحرق بابل، ومن الشجاعة ما يكفي لتمضية الموقف بكرامة،

هزائمنا الكبرى هي تجربتنا المباشرة مع وجودنا، هي أمر أشد خصوصية من أسرارنا المهموسة منذ الصفّ الرابع، هي حُبنا “الفرداني” الأعظم.

إلى: لئيمة…

تبادلاتا حديثا مقتضبا كان يفترض أن يكون وفق سيناريو مفصّل لكن كانت جدية الحديث تفوق عفوية المكان الذي جلستا فيه، على درج مبنى شركتهما ..بدتا كمراهقتين تحاولان تسوية الأمور بارتجال ما أمكن على درج المدرسة، انتهى الحديث كما ينبغي:

  • عندما أعود إلى البيت غدا سأتصل بك، أفضل؟
  • أفضل.

بالفعل جرى الوعد كما هو مفترض، حيث لم تتمكنا من الارتجال مجددا والثرثرة عبر اتصال، عادتا إلى الكلاسيكية المنتظمة، ما كان لها سوى أن تكتب:

تذكرين أنكِ سألتِني بالأمس: تعتقدين أنني مجنونة؟ وضحكنا على مجرد طرح السؤال، رغم أننا نعرف أن الإجابة هي: بالطبع! وأنا أيضا!

كلنا يا صديقتي يقف في لحظة أو تُوقفه تلك الحظة لتشعره على نحو أكيد وصارم أنه لم يعد مناسبا للسياق، أن الأمور تجري معه وفيه على نحو لا يبدو منطقيا، ولأننا نملك إحساسا مضمورا بالانكسار أمام الحياة فنحن نذهب تلقائيا نحو التصديق بأننا بدأنا نفقد عقولنا، ذكاءنا، حِسّنا الفُكاهي..أي شيء، المهم أننا نضع تفسيرا يحفظ لنا كرامتنا أمام هزيمة تلوح بحيث تبدو أنها قد حدثت بطبيعة الحال!؛ فكيف لك أن تلوم مجنونا كان لا بد أن ينهزم؟ نحن نعرف أن هذا السيناريو أجمل بكثير من أن نعترف أننا هُزمنا بكامل قوانا العقليّة، بكامل ذكائنا، بكامل حسّنا الفكاهي.

بدلاً عن ذلك، أخبرتكِ أنه هو المجنون، وكأن ذلك سيحدث أيّ فارق، لكنني – وبطبيعة الحال أيضا!- أحب أن أشتم من يُغضب رفاقي، بدون مناسبة، تعرفين أن الأمر منتهِ بينكما مسبقا وأنكِ لم تكوني تستشيرينني بقدر ما أردتِ مني أن أتآمر معكِ في خلق الصياغة النهائية لما حدث بينكما، تلك الصياغة التي ستكون الختم الشمعيّ للحكاية قبل إقحامها في ذاكرتكِ، تعرفين أنني أُحسن ذلك، إلى درجة أنني أكتب إليك الآن.

دعيني أخبرك، لقد أحببتُ رجالا سيئين، سيئين للغاية، وكانوا أغبياء بما يكفي لأن أتمكن من رؤية نهايتي معهم منذ البداية، لكنني وعلى الرغم من تلك الرؤية، كنت أستمر، بل كنت أقع في غرام تلك الرؤية حرفيا، كان وجود النهاية يحفّزني على الاستمرار، كان حضور النهاية وعلى نحو غريب..يطمئنني، إنني ممتنة لهم على منحي ذلك الأمان القطعي. وعندما تحضر النهاية كان العذر جاهزا، ومغلّفا كهدية عيد ميلاد مكشوفة بطاقتها: “لقد انتهينا لأنكم بذلك السوء!” لطالما أخبرني أصدقائي أنني أبدو أجمل وأكثر حيوية بعد كل انفصال، وكنت أعرف أن ذلك يحدث بالضبط لأنني أحب إنهاء ما أقوم به، أحب أن أنجز المهام وأنشئ قائمة مهام جديدة. هذا جنون، وهذا لؤم أيضا، أعترف. لكنكِ لئيمة كذلك، وتفهمين أن مسرحية الانفصال التراجيدية هذه ستنتهي بكِ وأنتِ تبدين أجمل، وأكثر حيوية. دعينا نتفق مبدئيا على وصف الجنون المجازي لما نقوم به، إننا نزهد فيمن يرغبوننا بشكل جديّ وقطعي لأن رائحة الأبديّة تفوح منهم، تلك الرائحة التي تشبه الموت، تشبه الأبيات الشعرية اليائسة على شواهد القبور، تشبه حسابات الأدعية الوقفيّة، تشبه القيود الأبدية وفرقعة زرد السلاسل. إن كلمة الأبدية لا يمكن أن تثير في خيالاتنا صورة حدائق ونوتة هدير، أو أراجيح صدئة وأطفالا يضحكون، إنها لا تنسجم مع خبراتنا كأحياء لا يعرفون شيئا أبديا وصارما غير الموت، غير السلاسل، ما إن يشعرنا أحدهم أنه مستعد لاختراع أبديّة معنا، شعورا أبديا بالحبّ، أو فعلا أبديا بالعطاء والحماية، حتى تبدأ مفاهيم الحياة في ذاكرتنا بالدفاع عن نفسها، تصدر بيانها الصارم في كلمة واحدة: لا. إننا ندافع في مقابل هجمومهم الورديّ الأبدي عن كوننا أحياء، عن كوننا أحرار، عن كوننا قابلين للتغيّر والتحوّل والانتهاء، إننا ندافع عن رغبتنا المُلحّة في بدء قائمة مهام جديدة، في اكتشاف أشخاص جدد، في أن نكون متطرّفين في الصدق مع أنفسنا وصولا إلى أن يبدو كل ما سوى إحساسنا الجنونيّ بالتحرر هامشيا، إننا نختار أشخاصا سيئين للحبّ حتى لا نفرط في الإحساس بالذنب عند إعادتهم للهامش أو ما بعده. دعيني أطمئنك من هذه الناحية، من ناحية أننا لسنا أغبياء إلى درجة أننا لا نعرف ما نختار، ندّعي ذلك أحيانا، لكنه ليس الحقيقة، إن معرفتنا تلتف علينا في أحيان كثيرة، لكننا نعرف.

يوما ما لن نتمكّن – أنتِ وأنامن لمّ الأمور على هذا النحو الصريح، ستسألين غيري، وعلى الأرجح سيفتح لكِ موالا عن الإحساس بالأمان، عن تجاربك المبكرة مع والديكِ، عن ذلك النموذج الذي سيسمّه الفطرة، ماذا أيضا..؟ عن مثلث الاحتياجات، عن سلّم الضروريات، عن أشياء كثيرة يا صديقتي يحاول بها أن يفسّر لك شعور الانعزال عن السياق، سيسمّي ذلك اللؤم اللذيذ بسوء إدارة الأزمات، سيسمّي أحبائكِ السيئين بأخطاء في الاختيار، ويسمّي ذلك المثقل بالأبدية الشخص المنشودسيبدو كل ذلك صحيحا وعقلانيا، ستشعرين لبعض الوقت بما يسمّونه سلاما داخليا، سأؤيدكِ لأنك ستحتاجين ذلك، ولكن أريدكِ أن تعدينني أنكِ ستظلين مؤمنة بأن كل ذلك مجرد لعبة مرحليّة، وأنكِ في نهاية المطاف مجنونة.

رسائل قصيرة جدا… إلى أصدقاء المكان ( 2 )

إلى:


الكتاب الذي لم أعرفه بعد: دبّر لنا صدفة.
الكتاب الذي اشتريته ولم أقرأه: ماكان العشم!
الكتاب الذي أحرجني بفكرة: عقلي مليئ بالوشوم.
إلى الكتاب الذي رميته: لا يصلح العنوان ما أفسده الفهرس.
إلى رفّ مجموعة الكتب التي تحوي تواقيع الرّفاق:
قناني عطور، لا يمكن أن تختلط روائحها، اللافندر لافندر، والعود..عود.

إلى:

لوحة “الحضن المجّاني” : حضنوا الشخص الخطأ، لم يحضنك أحد.

إلى:

لوحةِ المفاتيح الجديدة: ستفهمين مع الوقت الفرق بين رعشة إصبعي وبين رغبتي في الضغط على الزر المجاور.
رزمة الخطوط الجديدة: أين خطّي؟

إلى:

الوييتر الذي حفظ معايير قهوتي ومقاس الكرواسون: تفوّقتَ على صديقي.

إلى كيس السكّر الصغير الزائد دائما: قدّم استقالتك واحصل على وظيفةٍ أخرى.

إلى غُرّة الحُلوة التي تجلس أمامي كلّما رفعتها عادت ورفضت أن تغادر جبينها: أدعمُ قضيّتكِ بالكامل.

إلى السيجارة المركونة للسيّد الأنيق المشغول بآيفونه: احترقي صبرًا، وَجدًا، وحنينًا . الله بعونك يا ستّ!

إلى الكرسي المجاور الفارغ: ماذا لو؟

رسائل قصيرة جدا… إلى أصدقاء المكان ( ١ )

رسائل قصيرة جدا… إلى أصدقاء المكان:

صديقي خطّ الضوء النافد من حافّة الباب كطلقة قنّاص محترف: لم تقتِل الظلام.
صديقي الظلام: ندبةُ الضوء … شرفُ محُاولة.

صديقي المقبض البارد في قلب الباب: شكرًا! القشعريرة التي تمررها برودتك إليّ، تذكرني بشعور الدهشةِ القديمة لمصافحةٍ في وقت ضائع.
صديقي الباب: المواربة ليست خيارًا.
صديقي المفتاح: هل مازلتَ هنا؟!

صديقتي سمّاعة الأذن الصامدة رغم تلف الأخرى: أمتنُّ لتفهّمك كأخت كُبرى يفترض منها الجميع أن تكون بقدر الموقف!
صديقتي السّماعة الأخرى: أتفهم انسحابك، أنا لو كنتُ مكانك… لفعلتُ نفس الشيء.

صديقتي النظارة: أنتِ تتذمرين من غبش الرؤية من أثر البصمات أكثر مما تفعل عيني نفسها، مجنونة؟
صديقتي بصمة اصبعي الأوسط: تظنين أني سأخطئك؟

صديقتي القطّة التي تجلس على السّور كل يوم، كما لو أن السور عرشها الخالد: تجعلينني أفكر في جعل أسواري عروش.
صديقي السّور: هل تظنها فكرة جيّدة؟

صديقي باب السيّارة الذي لا أعرف حتى الآن قوة الدفع اللازمة لإغلاقه بدون أضطر للتأكد مرة أخرى: أنت التائه أم أنا أبالغ في الشك؟
صديقي الشّارع الذي يعرف من وقع الأقدام مآرب العابرين: كم تحمّلتَ من عبء الشتائم!

التديّن كميكانيزم دفاع في المجتمعات التديّنيّة

يخبرك صديقك ضمن مساره الفكري أنه كان متديّنا وخاصة في غمار مراهقته، تندهُش بدوركِ من تقاطعاتكما هذه حتى تكتشف أن دائرة واسعة جدا من المجتمع تشارككما هذه المرحلة!، يأتي آخر يفسّر جُلّ آرائكما المتحوّلة الآن بأنها سطحيّة كردة فعل لكون كل منكما متديّن سابق، أنت نفسك من الوارد أن تُبرّر آراءك الحاليّة على هذا النحو، كما أنه يتم وصف الحالة الجمعية من هذه الحالات الفردية بأنها: مجتمع متديّن، ويتم عبر هذا الوصف تمرير الكثير من الأيدلوجيات التيّاريّة الموجّهة بحجة انسجامها أو تعارضها مع المجتمع المتديّن

وهذا المقال جاء ليقول لك: كيف أنّه لم يمكن لأي أحد منكم جميعا أن يكون متديّنا! لا أنتَ ولا صديقكَ ولا مُجادلِكما ولا المجتمع!وكل ما بُني على ذلك من انتماءات كوميديانية مثل الملحد الصوري الذي لا يستطيع أن يفسّر إلحاده أو المؤمن المتشبث الذي لا يستطيع تفسير إيمانه، هو مجرد وجه آخر لذات العُملة.

التديّني والمتديّن:

إن المصدر تَفَعّل يدل مما يدل عليهعلى المطاوعة والتكلّف، وبحسب ما سيدلّل المقال فإن الحالة الأقرب للميل الشائع للخيارات الدينية هي أفعال مطاوعة وتكلف لها دوافعها، لا تنضبط بأوصاف الحالة الفكرية الواعيةالتي من الممكن نشوء تحوّل حقيقي عنها! فأنت أمام مجتمع تديّني وشخص تديّني وليس متديّنا، المتدين الذي يمتثل بوعيه للخيارات الدينية، وهذا ما يصنع فرقًا هائلا في تفسير التحولات الفكرية وتوجيه الآراء الاجتماعية،هذا هو الحبل الذي يلعب الجميع على طرفيه، كيف؟

التدين كميكانيزم دفاع في مواجهة المجتمع:

في المجتمع التديّني الذي يجد نفسه ملزوما بالخيارات الدينية إما بقوة السّلطة أو بقوة الأيدلوجيا، تنحصر القوالب التي تتلقف الناشئ، فمنذ الطفولة يتم تصوير الإنسان التديّني بأنه هو الفرد المحبوب والمثال والقدوة، في المدرسة يتم التغاضي عن الطلبة المنتمين للأنشطة التديّنية، في البيت تم ربط التربية ومبكرا جدا بالخيارات التدينية (الجنة،النار) ويتم تسويق صورة الابن المفضّل عند الله بأنه ذلك الابن التديّني المُطاوع لوالديه، لمدرسته، للمجتمع، حتى لا يجد الطفل خيارًا أفضل من أن يكون تديّنيا قدر المستطاع سيعبّر لك عن شطارتهبالسور القرآنية التي يحفظه والصلوات التي صلاها، وبمجرد ما يزحف نحو مراهقته سيجد نفسه في مواجهة حامية مع مجتمعه الذي سيبدأ بالتمييز ضده بصرامة، ستكون نظرته تهمة بالتجسس المحرم، سيكون حضورها تهمة بالفتنة، وماكان يمكن التفاوض حوله في طفولته سيتم حسمه فورا في مراهقته وبدون تدرّج، فالمجتمع يفترض من البالغ التديّن الفوري باعتبار أن ذلك هو سن التكليف الشرعي، وسيجد المجتمع يقدّم له نموذجا متطورا من الابن المفضّل لله، عبر الدعاة في المدرسة وحفلات تكريّم الحُفّاظ مثلا، وسيجد المراهق نفسه مغمورا في حالة حبّ الصالحين/التديّنيّن هؤلاءوهي حالة تديّنية بامتياز، وهو بذلك يبرئ ساحته ويصنع لنفسه صورة مقبولة ومحبوبة في المجتمع، إن ذلك يتم بدون التطرّق إلى الدين نفسه، بل إلى استعمال المجتمع التديّني لها.

التدّينفي مواجهة الوالدين:

إن العائلة نفسها تنخرط في العملية التديّنية الاجتماعية لتحافظ على سمعة جيدة تحقق لها منافع اجتماعية عند التزويج مثلا أو عند الحصول على مساعدة وظيفية، وكثير من الآباء وبدون أي قناعة راسخةبالضرورةيأمرون أبناءهم بالامتثال للخيارات التدينية لأن ذلك يكسوهم بصورة المُربّين الجيّدين المؤدّين للأمانة، المدرسة تعزّز هذا الهاجس عندما تعبر عن تكريمها لآباء الأبناء المنتمين للأنشطة الدينية مثلا، هذا كلّه بغض النظر عن أيّ معيار آخر، إنّك لا تجد أمرا في المدرسة يتفوّق على تقدير الدرجات التحصيلية سوى دفع الإبن نحو االمشاركة في الأنشطة التدينية، وهكذا يجد الابن نفسه مضطرا للتعايش مع الصورة التي يرغب الوالدان التحصّل عليها أمام المجتمع، فأنت تجد كثيرًا من غير المدركين للتعليمات الدينية نفسها يدعون لأنفسهم ويطلبون الدعاء لهم بالهدايةرغم أنهم لا يعرفون بالضبط الهداية إلى ماذا؟ لكن مجرد إظهار هذا الشعور يحقق لهم دفاعا جيّدا ويصّفي صورتهم أمام المجتمع.

التديّن… في مواجهة الذات:
أ. الهويّة:
إن الدعاية الوطنيّة والاجتماعية التي يجد فيها الناشئ نفسه تقدّم له بطاقة تديّنية جاهزة، فهو منتم سلفا لهذا الدين وعليه أن يؤآخي المنتمين إليه،ومجددا تلقنه المدرسة المفاهيم الولائية التديّنية ويهرب الوالدان من كثير من الأسئلة الطفولية اللحوحة بإجابات نهائية يتم ربطها بـ إرادة الله، أو هكذا هو الحال عليه فحسبوأسئلة الوجود الأساسية من أنا؟ مالعالم؟ كلها يتم تفسيرها من تلك البطاقة، وفي حال اكتسب الناشئ جرأة النقاش سيُصفع بعبارة مفادها” الإيمان به واجب والسؤال عنه بدعةخاصة فيما يتعلق بالماهيات الإلهية أو إجابة ضرورة التسليمفيما يتعلق بالمفاهيم التعبديّة، هكذا يتم وضع نقطة نهاية ملصوقة بأوّل السّطر دون أن شيء يمكن للناشئ أن يُعمل فيه شعوره أو تساؤلاته، إنه سيبدأ ميكانيزم دفاعيّة ضد نفسه، ضدّ أسئلته التي يحاوله تكميمها خشية الوقوع في العقاب، عندما يتصل بمراهقته سيكون مدفوعا بنماذج الصالحين الأسطورية من التاريخ أو من الواقع غير المشهود بالنسبة له، ليجد نفسه تديّنيا ما أمكن في مواجهة قلقه الذاتي الخاصّ بهويته فهذا أهون من جحيم الشعور بالذنب المستمر، سيقوم أنجب المراهقين بخلق عُزلة تمكنّهم من حفظ تساؤلاتهم أو تعليقها أو البحث فيها بشكل منعزل مع الحفاظ على الصورة التديّنية الظاهرية.

ب. الكمون الجنسي:
إن المجتمعات التديّنية تميل إلى التكتم بشأن الحاجات الجنسية، الطفل بالكاد يمكنه طرح سؤال برئ أمام والديه، لكن – وبدون مقدمات – سيجد رجلا غريبا في المدرسة يعلّمه وبالتفاصيل أحكاما شرعية مختصّة بالجماع والطهارة والبلوغ! هكذا ببساطة تمرُّ كل محرمات الحديث عبر بوابة التديّن، إذن سيمكنك الحديث والسؤال ما شئت ما دمت تفعل ذلك ضمن الإطار التديّني هذه هي الرسالة التي يبتلعها هذا الناشئ، وبمجرد ما يجد نفسه فيالميدان يا حميدان!” فعليا في مراهقته وبعد بلوغه سيجد منفذه الوحيد في طوفان القصص والفتاوى التي تتعلّق بأبسط تعبيراته الذاتية عن حاجاته، كثير من المراهقين يلجأون إلى صبّ خيالاتهم الجنسية على هيئة استفتاء مفتعل يرسلونه إلى شيخ أو موقع ديني، وهم بذلك لا يريدون حكما شرعيا بالضرورة بقدر ما يريدون خوض هذه التجربة الفريدة في الإفصاح الممتع والفاضح عن حاجاتهم الجنسية، يمكنك تصفح أيّ موقع فتاوى وأي موسوعة فقهية لتحصل على روايات جنسية لا تختلف عن تلك التي تمنعها وزارات الإعلام، لكنها – وبكل بساطة مرة أخرى – يتم عرضها بدون تحفظ بحجة التديّن، كثير من المراهقين يجدون في قصص الحور العين مثلا ملعبا لا يُضاهى للحديث عن مُتعهم الجنسية بشكل غير مسؤول، يعزز ذلك السلوك وبشكل استثنائي الوالدان والمدرسة والمجتمع.
كل ذلك يدفع الإنسان إلى اللجوء إلى السلوك التديّني، فهو وإن كان مضطرا إليه في مرحلة طفولته، لكن سيبدأ يختاره باعتباره السبيل الذي يحقق له منافع مشهودة في تمرير ذاته الكامنة عبرها.

وختاما، في المجتمعات التديّنية التي يكون فيها التديّن هو الرأي ، وهو الرأي الآخر! حيث في أفضل الأحوال سيكون لديك طيف من السلوكيات التديّنيّة لتختار من بينهامرتبتكالتديّنية في المجتمع، سترى أن كل ذلك لا يمكن أن ينطبق على مفهوم التحوّل الفكريباعتباره عمليّة تراكميّة واعية من قدرة الفرد على معرفة الأشياء وتحليلها والحكم عليها ومن ثم التحوّل إليها أو عنها، من الخاطئ تماما اعتبار التجربة التديّنيّة الأولى التي يخوضها الإنسان في هذه المجتمعات حجّة له أو عليه، رغم تأثيرها على ما سيلي ذلك من مراحل.

مرحبا

مرحبا أيّها المتوقَّع الاعتيادي
الذي يعرف الجميع موعد استيقاظه ولا يجدون حاجة لمعرفة ما الذي يعمله بالضبط كل صباح، لأنهم متأكدون أنه سيعود بعد ثمان ساعات، ويبقى متاحًا حتى المساء…الذي تصنع أكبر مفاجآته اليوميّة حفرة جديدة مكان ركون سيارته فيضطر بسببها -وبسببها فقط- إلى اكتشاف مساحة الموقف المجاور،

مرحبا أيّها المتوقَّع الذي لا يكون أبدا هامش خطأ في أي إحصائية، ولا يضطر أصحابه إلى ملاحقة أرقامه الجديدة، الذي يُفتقد عندما يصبح المشهد الإجمالي ناقصا بشكل غير يقيني..من أين وكيف نقص؟

مرحبًا… للذي لا يملك عطرا مفضلا ولا أغنية مفضلة لأكثر من عشر دقائق، صاحب بطاقة التصويت “بكيفكم” عند اختيار مطعم العشاء .. الذي يمر كنسمة ويبقى كالهمس ويغادر دون الحاجة لسؤال موعد خارج الجدول المتوقَّع.

مرحبا، للذي يصنع له الآخرون برامج للتغيير والتحفيز ويتلون عليه آيات الانعتاق من العاديّة، الذين بأنفسهم يشاركونه ذات المصير، بينما يصل هو لأن الطريق انتهى فحسب، ويصلون هم بأعلام انتصار أو نصوص هزيمة، والكثير من الحكايات التي تصدّع رأس توقّعاته.

مرحبا للذي يكتفي بعناوين الأخبار، يمحو نصفها من رأسه عند أوّل فاصل، الذي لا يجد حاجة لقلب القناة عند الإعلانات ولا يسألك عن قصّة الفيلم الذي فاتت بدايته.

مرحبًا أيّها المتوقَّع الاعتيادي:
“اتفضّل، ..اشرب معي، من فضلك”

كيف يمكن أن يخدعك ذكاؤك؟

معروف أن الذكاء غير متفق على تعريفه بالتفصيل، لكن إجمالا متفق أنه عبارة عن قدرة عقلية يمكن تطويرها والتعبير عنها، قدرة على ماذا؟ هنا تحضر وجهات النظر المختلفة التي بتفكيكها ترى أن المشترك بينها تضمّنها القدرة على تحليل موقف وتكوين ردة الفعل المناسبة بشرطين: السرعة والدقّة. وصلت بعض البحوث في اكتشافاتها إلى تحديد أكثر من ١٥٠ قدرة عقلية متداخلة أو مستقلة لتصل إلى ردة الفعل هذه.
حتى نظرية الذكاءات المتعددة لغاردنر التي تحاول إرضاء الجميع، تبدو أقرب للتعبير عن معنى المهارة، وهو الجزء المطوّر من الذكاء أو نتيجته، المهارة تشترط أيضا: السرعة والدقّة.
علما أن الذكاء لا يكشف عن ذاته إلا في حالة المشكلات المستحثة، سأتجاوز التفاصيل مباشرة إلى الفكرة التالية المحددة

كيف يمكن أن يخدعك ذكاؤك؟
يتعامل دماغك مع نفسه كيميائيا ومعك بيولوجيا ومع البيئة من حولك بالذكاء، ثم يعود إلى التعامل مع نفسه مجددا ونفسك والبيئة بمحصّلة هذا الذكاء! هذا هو السطر الأكثر أهمية في المقال.
إن وجود عملية تكرارية ومتأثرة ونامية في مسار “كونك ذكيا” هي الطْعم الذي يرميه لكِ دماغك، والذي غالبا ما تستمتع به، كيف؟

النموذج ثلاثي الأبعاد:
نشاطك العقلي يأخذ ثلاثة أبعاد:
بُعد المحتوى | وهو المادة التي تعمل فيها المشكلة  *محتوى بصري،سمعي،معنوي..إلخ*
بُعد العمليات | وهو العملية التي تُعالج بها المشكلة تحت عوامل مثل: التذكّر،المعرفة،القياس التقاربي..إلخ
بُعد النواتج | وهو يشبه عملية الأرشفة التي يقوم بها دماغك بعد العمليات، حسب تصنيفات نوعية مثل: الوحدات، الفئات، العلاقات، المنظومات (*: جيلفورد)
إن بُعد النواتج يعود بالتأثير على المحتوى فالعمليات ففي نفسه مجددا، ليخلق لك دائرة مألوفة من النشاط العقلي تساعدك على التصرف (أسرع وأدق ) بمعنى تساعدك على التمتع بكونك ذكيا! هذا ما يجعلك تتوقع النغمة التالية في نشاط سبق لك معالجته رغم إنه لم يدخل كاملا في بُعد المحتوى، قفزت فورا عملية التذكر والقياس التقاربي لتخبرك أنك تستطيع التعرف على النغمة التالية، وتهنئك على ذكائك. شخصيا؟ أنا لا أهنئك.
ولتعرف لماذا، اسأل نفسك: إلى أي حدّ يمكنك التدخل في هذا النشاط وإلى أي حدّ تسلبُك جودة هذا النشاط فرص التدخّل أو حتى قدرة التدخل، عبر تكوين أنماط تلقائية، تجعل معظم أفعالك واختياراتك ارتجالية أو بعبارة ديناميكية *أكثر ذكاء* ؟

الخدعة:
إن انغماس نشاطاتك العقلية في دوائر ذكيّة مهم وضروري لحياة سلسة وطبيعية وهو ما يخلق الأفعال العفوية التي تساهم في جودة الحياة كأن تضرب رقم هاتف صديقك بالاعتماد على عفوية حركة أصبعك بدل التركيز على عشرة أرقام عشوائية، رقما رقما، في هذه الأمور أنت لا تشعر بالمشكلة، بل لا تحتاج للشعور بالمشكلة.ماذا لو توسّع الأمر بما يكفي ليخلق لديك عادات ومهارات سلوكيّة تبدو ذكية، ومادمت لم توقفها فهي ستستمر بالتوسع والانسحاب على مجالات متعددة، فمثلا نحن جميعا نلاحظ أن الحرفيين ينغمسون في ذكائهم المهاري خارج مجال الحرفة الأساسي، على طاولة عشاء سترى مصلّح الساعات والمهندس والعازف ولاعب الكرة يمسكون الملعقة بأربع طرق مختلفة ناتجة عن اعتيادهم على معالجة أمور حركية بذكاء عالٍ، رغم إن حمل الملعقة للعشاء لا يدخل في مجال أيّ منهم، هذه صورة مبسطة، الصورة الأكثر تأثيرا هي نزوحك لاختيار وظائف عملية أو تخصصا دراسيا أو حتى زوج وشريك حياة بناء على انغماسك في هذا الحال من الذكاء، وهنا تكون قد وقعت في المصيدة، طرحتُ على الأصدقاء سؤالا يجسد هذه المشكلة يقول: هل اخترت وظيفتك هذه لأنك ماهر فيها أم لأنك شغوف بها بما يحقق أهدافك؟ هل اخترت علاقاتك الانسانية لأنها تحقق أهدافك أم لأنها لا تجلب لك المشكلات فحسب؟
إن الأشخاص الذي يوصفون بالأذكياء غالبا ما يختارون وظائفهم وعلاقاتهم بشكل ديناميكي، أي لأنهم مهرة وأذكياء ويجيدون إنجاز المهمة، وهم يتوهمّون أنهم يعملون في وظائف يحبونها، ولو سألتهم لماذا أنتم موظفون أساسا لقالوا لك: للهدف المادي ولأننا نحب مانعمل ولذلك نحن ماهرون!
ما الذي يجعل شخصا ذكيّا لا يُدرك حقيقة بسيطة كهذه؟ حقيقة أنه لم يعد يفرّق بين ما يجيده وما يريده حقا؟ ما الذي يجعل الأذكياء يتصرفون بغباء متكرر؟ لأنه سمح لذكائه أن يسطو عليه، على رغباته، على الحقائق الأولية البسيطة، ذكاؤه الذي أدمن كونه تحت ضوء اهتمامه، خلق له أنماطا من التصورات والأحكام والقرارات فعالة لمدة طويلة لكن لم يتوقف فترة ليختبرها مجددا، لذلك ستستمر في تضليله وتدخله في دوامة التيه ودفعه ليلعب الحياة على المستوى الأصعب حتى وإن لم يكن هو المستوى الصحيح!

كُن ذكيّا… بالفعل!
لا يمكنك أن تفكّ تلك السلسلة المترابطة لكن يمكنك اعتراضها لتنجو من أن يُضلّلك ذكاؤك،
اكسر النمط | راقب تلك القرارات التي لطالما اتخدتها بدقة وسرعة *بذكاء* الأشخاص الذين تختار مصادقتهم فورا، الأماكن التي تقرر زيارتها فورا، الكلمات التي تقرر قولها فورا..إلخ خفّف من حدة الارتجال واسمح لنفسك بالتراجع، التراجع لا يعني تغيير الموقف، قد تعود لفعل نفس الموقف لكنك الآن قد اختبرته.
اعكس الموقف | اقفز خطوة وراء خطوطك الحمراء، خُض موقفا كنت تعتبره طائشا أو أحمقا، دع ارتجاليتك الذكيّة ترتبك، تجد نفسها بالحاجة لخلق منظومة جديدة.
دوافعك الأوليّة | ابعث دوافعك الأوليّة من مرقدها، مثلا الخوف دافع فعّال، ضع نفسك في تجارب خطرة تهددك ماديا، تهدد علاقاتك بشكل حقيقي.
اخلع النياشين | توقّف عن إدمان الشعور بأنّك جيّد وذكي، لنكن صُرحاء فكل شخص يحافظ على نمط من النشاط العقلي سيصبح جيّدا وذكيا به، إن إدمانك لهذا الشعور اللذيذ يجعلك تلجأ دوما لقرارات وسلوكيات التي أثبتت فعاليتها ويحرمك من اتخاذ قرارات ذكيّة بالفعل!
تجلّى | اصغِ إلى ثلاثة أمور تخبرك بها ذاتك: ما تحبه، ما هو مُريح، ما هو مثمر بالفعل.
إن هذه السلوكيات لا تُمارس بشكل دائم بالطبع، فأنت بحاجة إلى الاستقرار والنمط، لكن كلما شعرت أن قائمة إنجازاتك الحياتية تتخذ نمطا متكررا بمستوى متكرر من الجودة دون تصاعد، كلما كنت بحاجة إلى إحباط الخدع، هنا سأهنئك.

ناداك مدُّ الليلِ
وجَزرُ الفجرِ رابكْ
فاقرعْ كؤوسَ النّوى العتيقِ
وافتح للهوى ..بابك!

نادِ بحرَ حُلمك غامرا..
أو فيه غُص
واضرب موج التمنّي
ينفلق من عُمق يأسكْ
وقُل للحُلم المُرِّ:
مُرْ..!

متحملا لَهفَ السنين
متضلّعا خطب الحنين
يمرّ..
مُمايلا -طربا- يغنّي
نغمًا …
يَجنّ

مصافحة العالم عبر عينين | تجربة النقاب.

في البدء هذه التدوينة ليست تشريحًا فقهيًا لحكم الحجاب ولا النقاب، فالموضوع محسوم سلفًا عند جميع المهتمين، وإذا كان الأمر يهمك حتى الآن، يمكنك اعتبار هذا السطر: مخرج 1.

يتم غالبا النظر إلى سلوك التحجّب بكونه مرتبطا بالمتحجب نفسه كوِحدة منفصلة، المتحجّب اختيارا أو المحجوب كرهًا يمارس تحفظًا وجوديًا مرتبط بوجود الآخر في مجاله، يتحفظ في تعريف هويته أمام الآخر الذي قد يكون غريبا أو قريبا وزوجا أو حتى شيئا غير حي كما سيتضح !: من أنا؟ كيف أنا؟ رابطا هذين السؤالين بقيم اجتماعية أو دينية: أنا غير معروف لك لأنني أتعفف عنك، أنا على نحو ما! ـ في حال عرفت كيفيتي أشكّل خطرًا على عفّتك وعفّتي. وفي حالة الاختيار سيجد الأمر يمثل قيمة تقديرية إضافية: وأنا أفعل ذلك لأنني شريف، وحتى لحالة الآخر: أنا لا أنظر إليك أيها المحجوب لأنني مُحترم وشريف. مخرج 2

ماذا لو تم النظر إلى سلوك التحجّب في منطقته الوسطى بين المتحجّب والآخر، منطقة التواصل التي يفرضها الاختيار أو الاضطرار، منطقة يحتاج فيها الطرفان إلى القفز بهلوانيا لمدة أربع ثوانٍ أو ساعة فوق أسئلة التحديد والتحيّة نحو سؤال بسيط مثل: من فضلك أحتاج مساحة للعبور، ممكن أمر؟ أو نحو تجاوب أخلاقي عفوي مثل: شكرا! عندما لا يكفي الصوت، أو حتى للتواصل مع الأشيا غير الحية: شمُ عِطر المكان، أو تذوّق غزل البنات من بائع متجوّل.
فالإنسان الذي اخترع الرمز والقصيدة واللوحة وحتى الغناء تحت الدش في الحمّام كان يستجيب بشكل عفوي لحاجته إلى التعبير والتعريف والتي تتقاطع مع ستة احتياجات أساسية للإنسان من أصل تسعة حسب مدرسة ماكسنيف Human scale development هي الحاجة إلى الحماية، المودة، المشاركة، الإبداع، الهويّة، والحرية. والتي تعتبرها المدرسة “حاجات وجودية” أي معبرة عن كونه إنسانا موجودا أساسا.

إن تجربة النقاب تحديدا تثقب في جدار وجود المتحجّب عبر ما يوصف بشكل شاعري لغة العيونأو بشكل أكثر تجردا: إنني لا أمانع في أن ترى كيف تبدو عينيَّ وأقبلُ بلعبة خطر بسيطة، ولا أمانع في أن تخاطبني عبرهما كهويّة تخبرك من أنا، ما أنا؟ أنا صوت وعينان وأهداب وكُحل ونظرة، هذا يكفي!

هل يكفي ذلك حقا؟ أعني وجوديا إلى أي حد تلبي العينان مع الصوت ست حاجات أساسية من أصل تسع؟

إن التعبير اللفظي يُلبي فقط ما نسبته 30% في أقصى حد من الاحتياج التعبيري والتواصلي للإنسان وهذه النسبة المحدودة يتم فيها اعتبار فعل المشافهةأي حركة الشفاه الأمر الذي يُفتقد كُليا في تجربة النقاب فالآخر لا يستطيع متابعة حركة شفاه المتنقّب، كما يتم اعتبار نبرة الصوت فيها والتي تُفتقد جزئيا في تجربة النقاب، تحكي الصحافية فدوى مساط في تجربتها للنقاب موقف نادلة المطعم معها: “وكانت النادلة تقترب من وجهي كثيرًا قائلة إنها لا تستطيع سماع كلامي” هذا الموقف التقليدي الذي ترصده كل منقّبة باستمرار، والتي قد تتلاعب في نبرة صوتها لقيمة أخلاقية: لتلافي الخضوع مثلا، أو حتى لحاجتها للتعويض عن غياب حركة الشفاه فقد ترفع صوتها أكثر مما يلزم للإسماع، وفي الحالتين هي في الحقيقة تفقد قدرا من الحاجة العفوية للتعبير، هذا وبعض الباحثين مثل إدوارد هال يذهبون إلى أن التواصل اللفظيفي حالة اكتمالهيغطي فقط 10٪ من حالة التواصل اللازمة.
تذهب باقي النسبة 70 – 90% إلى التواصل غير اللفظي، وهو من جهة اتّصال المتنقب مع الآخر يتمثل في حواس المتنقب الخمس، أي سمعه ورؤيته وشمه ولمسه لما حوله، والتي يتم حجب أربع منها كليا أو جزئيا في تجربة النقاب،
ويتمثل التواصل غير اللفظي في نظر الآخر للمتنقب عبر ما يُسمى بلغة الجسد عند المتنقب (والتي يجب ألا ننسى أنها ستكون مبنية على إلتقاط المتنقب لما حوله عبر حاسة واحدة كاملة من أصل خمس)، ولغة الجسد هذه هي التي يفرّق بها باحثو الاتصال بين التواصل الإنساني وتواصل الآلة، حيث بدون اللغة الصامتة أو لغة الجسد سيشبه الإنسان الآلة! كما أن السلوك اللفظي المجرد يوصف بأنه سلوك إخباري أما سلوك الجسد فهو السلوك التواصلي حقيقة، أي هو الذي ينشئ علاقة بين الإنسان والآخر لا اللفظ.

لغة الجسد| التواصل غير اللفظي في تجربة النقاب:
لن أتوسع في ذكر طُرق التواصل غير اللفظي لمقارنتها بالنقاب – مع التنبيه أن لغة الجسد مجرد جزء من أجزاء التواصل غير اللفظيلكن سيكفي أن نشير إلى أن أدوات التواصل الأساسية في لغة الجسد هي: وضعية الجسم، ملابسه، إشاراته وإيماءات الملامح، وكما ابتدأنا فإن سلوك التحجب ناشئ أساسا عن عملية التحفّظ فمن البدهي أن يتم توجيه لغة الجسد إراديا وبشكل غير إرادي نحو التحفظ فمثلا وضعية الجسم ستكون مُقيدة والملابس ستكون مُحددة سلفا للتعبير عن هذا التحفظ الذي يصل إلى حد العزل أحيانا، والذي بحد ذاته يُعارض فكرة التعبير الكُلي، ويُدافع الحاجة الأساسية إلى الهويّة والحرية والمشاركة مثلا فضلا عن أن يلبيها، بالإضافة إلى أن أكثر من 90% من إيماءات الملامح محجوبة بالكامل.

لكن ورغم سلوك التنقّب ستجد الفطرة اللحوحة طريقها للنفاذ فترى المتنقّب يبتكر عدة تعابير بتجاعيد جفنيه أو تراه يصنع فرقا تراتبيا لصوته يميز فيه بين: أهلا – أهلا وسهلاشكرا – أنا ممتن؟ قد لا تجدها بدقة عند غيره، مما قد يفقدها جدواها عند التواصل مع الآخر غير المنتقب الذي لا يحمل ذات الخبرة، بالتالي لن يتمكن من تفسيرها، فقد يفهم النظرة الشاكرة من المتنقب بطريقته أنها نظرة راغبة، وكل ما ينبني على ذلك من تفسير وأحكام وأفعال سيكون خلاف ما أراده المتنقب، أي أنه لن يلبي حاجة المتنقب للتعبير كما يريدها. يمكن محاكاة الأمر بالتواصل الالكتروني الكتابي االقاصر، الذي اخترع الحروف المكرررررة لإثارة نبرة الصوت التأكيدية في خيال القارئ أو الوجوه التعبيرية ونحوها، نفس الأمر هنا أنت أمام تواصل يحاول المتنقب فيه تكرار الحروف – مجازاأو إستعارة وجوه تعبيرية، وهذه مجرد مقاربة مع الفارق، فحين يكون قصدك في الكتابة الالكترونية التعبير عن نفسك وهويتك إلى أقصى حد، يكون قصد المتنقب حجب هويته وماهيّته إلا بأقل حد.

ختاما:
قال الله : “ ذلك أدنى أن يُعرفن
أي من أجل أن يُعرف من هنّ؟ وما هنّ؟ ـــــ يوتيرن.