عشرون يوما من التدوين | 08: Miss Independent

وُلدت في نوفمبر، مثل هذا اليوم … المبارك جدا على العالم : )

هذا واحد من الأسباب التي تدفعني لبدء مشاريع في نوفمبر، غريب بالنسبة لشخص لا يؤمن كثير بلعبة التاريخ والزمن، تحدثت مرّة في ورقة عن المعياريّة وكان الزمن وخاصة أيام الميلاد أحد الأدوات المعيارية التي يجيّرها الإنسان عموما ضدّ نفسه، قد ألخّص الورقة لاحقا، لكن مع ذلك صدف أنني حصلت على أغنية ممتازة أوّل الشهر، وأعتقد أنها ما أودّه أن يكون “ثيما” لهذا اليوم ولحياتي عموما! أحبّ الأغنيات التي تختصر عليّ طرح إجابات ، لدي أغنية أعتبرها جوابا عن أهم ما أعتقده وجوديا، وأغنية أخرى لما أؤمن به في العلاقات، وأخرى تجيب عن مواضيع كانت لتبدو معقّدة بالكلمات، هذه هي أهم وظيفة للفنّ، يسهل لك غشّ الإجابات الصعبة، هذه الأغنية في آخر التدوينة ستكون إجابتي الدائمة لصورة المرأة التي أراها ” ما أريد أن أكونه ” هل أنا هي بالفعل؟ كم بقي من الطريق؟ إلى أي حدّ؟ بعيد جدا؟ أقرب وأكثر؟ أعرف الإجابة بالضّبط لكنني لا أودّ مشاركتها الآن P:

لا يوجد لديّ ما أتمناه بشكل صارم، مثلا لا أتمنى للعالم مزيدا من السّلام ولا للأطفال عالما يخلو من العنف، نعرف أن هذا لن يحدث، لستّ مُشجعا وفيا لقوائم الأمنيات الطويلة، لأنها ترادف عندي الأهداف، عندما تنشأ عندي أمنية أعتبرها هدفا فوريا، وعندما تصبح هدفا فإنني أضع خطة، ثم أعمل عليها، لم تعد أمنية بهذا الشكل ، صحيح؟ ربما…

Miss Independent, By: Ne-Yo

عشرون يوما من التدوين| 07: هايكو Haiku (ترجمات)

كنت أقرأ اليوم في الهايكو، وهو جنس أدبي أبتكره الأدب الياباني وصدّره بشروطه للأدب العالمي، عبارة عن لوحات مصوّرة تنقل مشاهد غالبا ما تكون مجتزأة وتتناول فصلا من الفصول الأربعة، تتكون كل لوحة من ثلاثة أسطر، السطر الأول من خمس مقاطع صوتية، الثاني سبعة مقاطع صوتية، الثالث خمس مقاطع، في النسخة الانجليزية تتحلل بعض هذه الشروط لكن عموما يحافظ على بساطة التركيب … هذه ترجمة لبعض من قطع الهايكو عن الانجليزية، ترجمة أدبيّة، خيانةً للنصّ وغوايةً للمعنى:

  • لـ بَاتْشُو ، مَاتْسُو ( 1644 – 1694 ) المولود لأبٍ من السامورايّ، أحب باتشو الترحال للغاية ونثر قصائده أثناء رحلاته، نسج قطع الهايكو هذه على فراش موته:

1.
طَريحا في آخر الرِّحلة
وفي الأحلامِ، أعدو بوحشيّة
على أرضٍ ذاوية!

Fallen sick on a journey
In dreams I run wildly
Over a withered moor

2.
أوّل ذرة ثلجٍ ناعمة
كافيةٌ لتثني
أوراقَ النِّسرين، أسفلاً!

The first soft snow
Enough to bend the leave
Of the jonquil low

3.
في صَرخةِ سيكادا*
لا علامةَ تُنبئكَ
كم كانَ قريبا موتُه

In the cicada’s cry
No sign can foretell
How soon it must die

 *حشرة مشهورة بصوت طنينها، لذلك لا تفرّق بين طنينها للتألم وطنينها الاعتيادي.

4.
ألنْ تأتيَ لتَرى
هذه الوحِدة؟
إنما هي ورقة واحدة من شجرة كيري* 05-10-princess-tree

Won’t you come and see
loneliness? Just one leaf
from the kiri tree

*شجرة جميلة تُعرف بأنها من أسرع الأشجار نموا

Continue reading

عشرون يوما من التدوين| 06: الجهل الاختياري والمعرفة المنقوصة 1

تسهيل الوصول إلى المعلومة، وإتاحة المعلومات كان – ولا يزال – أمرًا مُستهدفا عند المهتمين بالتعليم ومآلاته، يؤمنون أنه أهم الآليات الاستراتيجيّة التي تساهم في خلق إنسان حُرّ، مؤثر، وصالح! كلّ ذلك دون أن يرتبط بأدوات نوعيّة تفرّق بشكل فعّال ما بين الوصول إلى المعلومة (أيّ معلومة) والوصول إلى معلومة معيّنة ( وصول منظّم ) ، وهذا كله في سياق مفهوم ومشكلاته مُتوقعة، لكن عندما تكون أمام حالة (تدفّق معلوماتي) فمن الخطأ أن تعتبرها حالة تساوي ( تسهيل الوصول إلى المعلومة ) فحالة التدفق المعلوماتي هي مشكلة بذاتها وليست استراتيجية تصحيحة لها مشكلات :

الفرق بينهما:

في التدفّق المعلوماتي، تُفتقد أهم عناصر الحصول على المعلومة، وهي المعلومة نفسها! صدّق أو لا تصدق أنك ستحصل على كمية غير محدودة من العناصر المعلوماتية دون أن تشكل أيّا منها معلومة حقيقية بالنسبة لك، أثناء تصفحك لتويتر مثلا: ستعرف أن طائرا ما لديه منقار برتقالي وهذا أمر غريب، وستعرف أن النمو الاقتصادي الماليزي آخذٌ بالانخفاض، وستعرف أن فتاة مصريّة تم التحرش بها في مول عام، وستعرف أن شيخا سعوديّا سيموت بجرعة زائدة من الغيرة على نساء الأمة بسبب صورة البطاقة الوطنية، ستعرف كل ذلك في ثلاث دقائق دون أن تعرف في الحقيقة معلومة واحدة حتى ولو كانت غير مفيدة، كلعبة الكاميرا القديمة، مع كل ضغطة زر تتحرك أمامك لوحة للكعبة ثم لوحة للحرم النبوي ولوحة للقدس دون أن تعرف عن هذه الأماكن الثلاث أكثر من ذلك في ذلك الوقت، فالممتع في الأمر هو التقليب والتنقّل لا اكتساب المعلومة، في هذه الفترة التي نعتبر فيها أنفسنا في عزّ التقدم البحثي كأدوات معرفية، نكتشف أننا نستمتع بعملية التدفق المعلوماتي، بتقليب لوحات معلوماتية لا باكتساب معرفة رصينة، نحن نحمل كاميرا بلاستيكية حرفيا.

بينما تسهيل الوصول إلى المعلومة، هي عملية قائمة على المعلومة نفسها، تسأل سؤالا، تضع افتراضات، فنظريات فتجارب، تسأل وتناقش وتختبر، فتحصل على معرفة، قوانين النشر، قوانين التصفّح الالكتروني، اللقاءات المباشرة مع من يشاركونك الأسئلة ، الشبكات الاجتماعية، كل ذلك مجرد وسائل تقودك إلى المعلومة، إنها لا تقذف لوحات معلوماتية في وجهك بل تشرع لك بابا لتتعلم بنفسك، لذلك لا أعتقد أنه من الصائب الحديث عن حالة التدفق المعلوماتي كحالة علمية ينبغي الاستفادة منها، بل كمشكلة ينبغي معالجتها، وهذا يقودني إلى الأداة التالية، لكن قبل ذلك من المهم أن أشير أن كونها مشكلة لا يعني أنها مرفوضة جملة وتفصيلا، هي مشكلة فقط في سياق تعليمي، أما في السياق الترفيهي فكلٌّ وما يناسبه ..

الجهل الاختياري Chosen Ignorance :
يُنظر عادة إلى الجهل أو التجاهل الاختياري كأحد الأساليب المانعة للتعلم، بحيث يمكن للشخص أن يحصل على المعلومة لكن ولاعتبارات متعلقة بطرقه في التفكير يمنع نفسه من التحصيل المعرفي وليس هذا هو المقصود هنا، إذا ما وضعت التجاهل الاختياري كأداة تنظيمية في وجه التدفق المعلوماتي، فسترى أنه أداة معرفية هامة، بمعنى إذا كانت وظيفتك هي الحصول على المعلومة ، ففي حالة التدفق المعلوماتي فوظيفتك هي أن تجهل! غريب؟
إذا نظرت إلى عقلك كوعاء استيعابي، فعقلك من حيث المبدأ لا مشكلة لديه في أن يعرف أن هناك طائر له منقار برتقالي من حساب المعلومات الغريبة، وقد يرحب فضوله بتصفح هاشتاق عن قضية اجتماعية مستهلكة، وعندما تعطيه وظيفة المُستهلك غير الفاعل في هذا التدفق العشوائي أغلب اليوم فليس عليك أن تستغرب لماذا آخر اليوم لا يمكنك استيعاب صفحة من رواية فلسفية أو تضجر من فيلم طويل أو لا تجد لديك الطاقة الكافية لإكمال مهام عملك، لماذا؟ لأنك ببساطة لم تتجاهل التدفق المعلوماتي، تقرأ كل هاشتاق، تشارك، تناقش، تغضب، تسخر، تتخرط في التدفق كذرّة نشطة، تصرف كل طاقتك بمتعة، حتى يقرر عقلك أن حصّته اليوميّة قد انتهت!

سأكمل لاحقا، كيف سيساهم الجهل الاختياري من زيادة المعرفة الاختيارية، وعلاقتهما بالمعرفة المنقوصة، إذا كنتَ مهتما وتحب الأرقام.. سيمكنك الرجوع إلى عدد من المقالات العلمية والدراسات بقوقلة الموضوع.

عشرون يوما من التدوين| 05: “كلّ الورى سمعوه…”

هذه تدوينة اليوم الخامس، أردت كتابتها البارحة لكن السيرفر لم يعمل وقت الكتابة :

Screen Shot 2015-11-05 at 22.38.36

كنت أريد تجاوزها لكن الـ OCD المزعج لم يكن ليسمح لي أن أرى رقما ناقصا كنت قد التزمتُ به ( أهلاً بك ، تعرّف على منال التي لا تفوّت موعدا )  على أية حال، كنت مستغرقة بالكامل في الليلة الماضية بقصيدة الرائع عبد اللطيف بن يوسف، أصدقائي من حولي يقولون أنني أزعجتهم بها، لا أمانع ذلك، هذا نوع من القصائد – إن كنتَ مهتما بالأدب- فلا تسامح نفسك لأنك لم تحفظها أو تحفظ منها، شخصيا أحبّ القوافي المنتهية بكاف الخطاب، تنقل الموقف من شكوى هائمة إلى مواجَهة محتدمة، بكل النديّة الممكنة… بكلّ الخضوع الممكن! هذه القصيدة لعبتها الأقوى كانت في المناورة بالضمائر… في حين يحضر الحبيب مُخاطَبا.. يختبئ المحب/الشاعر مرات في ضمير الغائب .. ذلك من شأنه أن يقلّب مشاعرك ويلفحها .. على الوجهين!

“قلبي تبعثر كالنجومِ ليجمعك
بان الخليطُ وأنت تسكنُ مضجعك

طيرٌ أنا سقطت سمائي كلها
لا شئ من هذا بنومك أفزعك ؟!!

هو ودَّعك وبكاكَ بحراً هائجاً
يامن نجوت ببحره إذ ودّعك

واستشفعك ورجا بأعلى صوته
كلُّ الورى سمعوه لما استشفعك

واستودعك وحرقتَ كلَّ متاعه
يا للخيانة منك حين استودعك!

قد كنتَ كالسُّياح تعشقُ عابثاً
ليلاً وتنسى في الصباح مولّعَك

لن أتبعك.. لكن سرجتُ من العنا
خيلاً تسابق خطوها كي تتبعك

ورميت صوتي في الدروب منادياً
يا أيها الباكي أتخفي أدمعك؟؟

وطعنت في شرعية الشوق القديم
فكيف شوقك حاضرٌ ، من شرّعك؟!

…. “

عشرون يوما من التدوين| 04: رسالةٌ مُعلنة

رسالة مُعلنة إلى رفيقي في أسبوعه الثالث من الصَّمت المريب:

“كصديقين يشتركان في تفضيل الصمت في حياتهما اليوميّة، فالكلام ليس وسيلة اطمئنان، وسؤالاتنا عن الحال تعني أننا نطلب حكاية من طرف اليوم في حدود ثلاثة أسطر، مُديركَ الغبي أو زميلتي الغبيّة، يعني مساحة لشتم الأعداء المشتركين، ثم نعود إلى حمى صمتنا آمنين وأنا أعرف أنك بخير.

تعرف، وأعرف .. أن الإجابات المعلبة هي صمت آخر، عندما يسألك غريب: كيف الحال؟ وتجيبه: بخير، فأنت في حقيقة الأمر تمارس صمتا مقنّعا، أنت تمنحنه ردّا لا إجابة، الرد غير الإجابة، صحيح؟ كأنك تُنهي جملته فحسب، دون أن تبدأ جملتكَ، تقضي على فرصة استحضار حكاية سخيفة، الحمدُ لله يا صاحبي أن النّاس متواطئون على هذه المناورة، الجميع يبدون سعداء بذلك.

عندما يسألك رفيقكَ سؤالا ساذجا كأن يسألك إن كنتَ تريد قهوة بينما هو أساسا يناولك كوبك، فهو يبسط إليك طريقا إلى مزاجه، إلى جناحيَِ روحه، وإلى دماغه العليلة ويريدك أن تتهادى إلى كل ذلك كصاحب مَنزل، من المربكِ أن تقاطع نصّه الموغِل في توقعاته وتقول: “لا أريد قهوة اليوم…” لا أعرف هل تفهمني الآن؟ الصّمت المريب بين الأصدقاء يشبه وقع خطوات الغرباء في المحطّة، خطوات مُربكة لكن صارمة تُريد وِجهة غير متقاطعة مع أحد، يشبه وجوه أولئك الذي يرتدون نظارات شمسيّة حتى قبل الغروب بقليل.

الصّداقة بالمحصّلة هي مسألة توقيت، هل تصدق أنني أسهّل الأمر إلى هذا الحد الممتنع؟ مسألة توقيت، تعرف الوقت الذي تقبض فيه على صديقك، الوقت الذي تطلقه فيه دون أيّة تدخلات وتلمحه من أبعد نقطة ممكنة، الوقت الذي تصغي إليه، الوقت الذي تتركه مستغرقا في صمته، والوقت الذي تدفعه لأن يمنحك إجابة لا ردا، الأسبوع الثالث … كمثل هذا اليوم هو وقت لا أعرف حقيقة ماذا أفعل فيه، غير ممارسة أكثر شيء أجيده مع أصدقائي… أن أَقلق”

عشرون يوما من التدوين| 03: ساق البامبو

لماذا كان جلوسي تحت الشجرة يزعج أمي؟ أتراها كانت تخشى أن تنبت لي جذور تضرب في عمق الأرض…” * ساق البامبو

هذه التدوينة ليست مراجعة بالمفهوم المتعارف عليه، رواية ساق البامبو لسعود السنعوسي الأديب الذكيّ – وهو ذكي أظهر من كونه أديب- لا أعتقد أنها تحتاج إلى تعريف عند أغلبكم، الحائزة على الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) لعام ٢٠١٣، ولأنني تأخّرت كثيرا في التعرّف على الأدب الروائي العربي فقد حدث خطأ غير مقصود عندما بدأت مبكرا بقراءة الأدب المترجم العالمي، الذين وقعوا في مثل هذا الأمر يعرفون أن الذّوق الروائي يتطبّع بتجربته الأولى وسيصعب أن تقرأ رواية من حقل لغوي مختلف وإن كان عظيما، وأسمّيه خطأ .. لأنه كذلك فعلا، الوقوع في فخّ المقارنة بين أدب مترجم وأدب أصيل أيّا كانت انحيازات هذه المقارنة. لذلك كنت محظوظة عندما دخلت المكتبة ولم أجد الكتاب الذي أريد فقررت أن أشتري بالمبلغ أيّ كتاب لم أكن لأختره عادة (وهذه تجربة أقوم بها سأكتب عنها في الأيام القادمة) وكانت رواية ساق البامبو هي الموجودة على الرفّ.

سعود السنعوسي، أديب كويتي، والمجتمع الخليجي عموما نسيج متقاطع، ستجد الكثير من الصفحات كما لو أنها تتحدث عن أصدقائك وجيرانك وبالتأكيد عنكَ وعن عائلتك، ( نعم هذا سيشعرك بالخجل والتعرّي)  ينتقل ببطل الرواية هوزيه/خوسيه/جوسيه/ عيسى ( ونعم كل هذه الأسماء لشخص واحد!) ينتقل عيسى في أحداث حياته من خلال السّمة الأميز لمجتمعاتنا الخليجية وهي: القدرة الهائلة على المراوغة. يعبّر كثيرون عن هذه السمة بألفاظ مثل: ” النفاق الاجتماعي، لعنة النفط، التناقضات الفاخرة ” لكنني وبدقّة أختار لها سمة: المراوغة.
لا، ليست كما تتوقع، الرواية ليست عدائية بشكل مزعج، عيسى المولود لأم فلبينية وأب كويتي لن يشتمك ( على الأقل سيحاول ألا يفعل ) كما لن تجد نقدا مجتمعيا كالذي يكتبه كاتب مقال صحفي، سعود السنعوسي كتب الرواية كما لو أنّها مترجمة، وهذا فخّ وقعتُ فيه في أول الفصول، فالبطل لا يتحدث العربيّة وبالتأكيد لن يكتب لك رأيه في مجتمعك كما تفعل الصحف المحليّة، إنه فقط سيتحدث إليك من زاويته.

لكل منّا دينه الخاصّ، نأخذ من الأديان ما نؤمن به، ونتجاهل ما لا تدركه عقولنا، أو نتظاهر بالإيمان، ونمارسُ طقوسا لا نفهمها خوفا من خسارة شيء نحاول أن نؤمن به” * ساق البامبو

هذا اقتباسي المفضّل من الرواية، التي لو قُلت إنها مجرد رواية اجتماعية لبخست تجربتي معها حقها، بالنسبة لي لا تعنيني مراوغة المجتمع بشيء، الفكرة التي تقاطعت معها بها وأثّرت بي هي فلسفة الهويّة، بشكلها الجغرافي، الوطني، الديني، الذاتّي، أن تعيش بهويّةٍ على الحافّة لا يعني أنك بالضرورة مولود من أم أجنبية، أبدا! فأنت بين أهلك، وأهل أهلك ، وجلدك يشبّه تراب وطنك، لكنك ببساطة قد تنزوي في زاوية وروحك مغمورة بسؤال استنكاري لا يمكنك تجاهله: مَن هؤلاء؟ لماذا يتصرّفون على هذا النحو؟ سأفعل مابوسعي لئلا أتحوّل إلى واحد منهم! ففوق عدم الانتماء، أنت ترفض حقيقة أن تنتمي. ها أنت هوزيه/خوسيه/جوسيه/ وعيسى في نفس الوقت!

إذا استطعت أن تصل إلى هذا المعنى، فسأعرّفك على البامبو، صديقتنا الجديدة، هي شجرة غير منتميّة، “نقطع جزءً من ساقها نغرسه بلا جذور في أي أرض، لا يلبث الساق طويلا حتى تنبت له جذور جديدة، تنمو من جديد، في أرضٍ جديدة، بلا ماضٍ بلا ذاكرة …” هل أعجبتك؟ اطلبها أن ترسل صورة ستعجبك أكثر: )

شخصيا ليس لديّ موقف صارم من الجغرافيا، قلت هذا لأصدقائي، كنت أظن أنني سريعة التكيّف في أي مكان جديد، لكنني فهمت لاحقا أنني لا أنتمي إلى المكان إجمالا، فعندما أكون في مكان جديد لا أمرّ بمرحلة التخلّص من ذاكرة المكان السابق، لأنني لا أغرس جذوري، إنّني متأهبة على الدوام، ولا أعرف لماذا. لكنني أعرف أنني منغمسة في الانتماء للأفكار، إن كلّ مكان يعجبني، وكل شخص يعجبني، يتحوّل في ذاكرتي إلى فكرة، ولأنها فكرة فإنها مُعالَجة بالفَهم، فَهمي، وإذا عالجتها -فاسمح لي- ستصبحُ فكرتي! وبذلك أنقل اللعبة إلى أرضي وجمهوري، هذه حيلة أمارسها لسلب الأشياء الخارجة عني قدرة السيطرة عليّ، سواء كانت متمثلة في أشخاص أو أماكن ، وقبل أن تعتقد أنني ألعب بذكاء فالحقيقة أنني أفعل ذلك تلقائيا، دون وعي. وعلى عكس هوزيه الذي كان الانتماء لعائلته وأرضه ولغته ملاذه، فإنني أقرب إلى موقف إيريك هوفر عندما قال: ” الرغبة في الانتماء تُعتبر في جانب من جوانبها رغبة في فقدان المرء لجزء من ذاته” ، هذا ليس سيئا ولا جيّدا، بالنسبة لي أرى الحالتين محاولة للاتصال بذواتنا، إما بالدخول في عملية مقايضة لما هو خارجها كما يفعل هوزيه، أو بإدخال ما يهمّك من الخارج إلى ذاتك كأفكار حُرّة، كما أفعل أنا.

تدوينة طويلة؟ لحظة بقي اقتباس أخير:

اللجوء إلى الإيمان بحدّ ذاته يحتاج إلى إيمان” * ساق البامبو

عشرون يوما من التدوين | 02: أيّها الطارئ

لم أنسَ،

هذه آخر ساعة في يوم مضطرب، كان لا ينبغي أن يُختم بأخبار إعصار جبّار، لكنه ذلك قد حدث بالفعل واعترض طريقي. نحن نتعاطى مع جبروت الكون وجماله بصيغٍ مختلفة، هذا يراها دلائل لعظمة ربّه أو غضبه، آخر يراها انغماس في الجزئية المحدود لبشريتنا العاجزة، انكسار لطفوليّة حضورنا البشري في وجودٌ بالغ وناضج من قبل أن نكون، يحدث ذلك في نفس كل هذه الأطياف، على أنها في مجملها تتحصّل عندي إلى شعور واحد تُنبئ به سطوة الطبيعة، وعبثيتها، فهي في جزء تمنحنا كبشر قوّة العلم وفهم قانون محدود وفي الجزء الذي يليه تضرب بنا وبعلومنا وقوانينا عرض الحائط مجازا، عرض المحيط حقيقة، فتصبح ظانا أنك محور الخلق وتُمسي رقما ضمن آلاف الأرقام من الضحايا العشوائيين لكوارثها، ذلك الشعور الذي تنبئني إياه هذه السطوة: أنني كائن طارئ!

كأنّك في عزّ اختيالك الوجودي الواعي، تصطدم بحقيقة مُحرجة تخبرك:

” أيّها الطارئ، الموجودُ بعد تشكيل النصّ، الأقل أهميّة من نقطة، الأهمّ قليلا من فاصلة، المغلوب على قوانينه كالهمزة، السّلس كالألف الموصولة ، المعقّد كالمقصورة، هالو يا صديق! أنت ذرّة في الكون، أصغر من جزُيء في الزمن، أنتَ رمزيّ وضئيل وغاية في العبط!،

أيّها الطاريء، وأنتَ مكترثٌ للغاية لكيس النايلون من أجل حماية بيئتك، تذكّر أن تلك البيئة ستكون عقودا من بعدك، وأنه من المستحسن أن تبحث عن هواية أكثر تواضعا من حماية الكون، ما رأيك في الرّسم مثلا؟ “

بالنسبة لمن يؤمن بأن الإنسان مركزيّ، وأن الكون إنما كان ليُسخّر له، فأنا آسفة لجرح مشاعرك، بالنسبة للذين يؤمنون أن تلك الحالة الطارئة هي مركزيّة الإنسان نفسه، فأعتقد أننا نفهم أن هذه ليس فكرة حزينة ولا جارحة، وليست فكرة عاجزة بالتأكيد، كونك تتمركز حولة حالة طارئة ذلك وعلى نحو غريب يشعرني بلا محدودية القوّة والغاية والطريق.

عشرون يوما من التدوين| 01 : أهلا نوفمبر

أهلا نوفمبر، شهر الكتابة

كثيرا ما شكونا كمدونّين من تمزيق الأفكار تحت عجلة ١٤٠ حرف أو عشر ثوانٍ مسجّلة أو صلبها في مقال في جريدة، أو ورقة مؤتمر فيها من الارتجال الكثير، كلّ ذلك رائع، لكن تظل نكهة التدوين معتّقة ، وددت أكثر من مرّة ممارسة التدوين اليومي لفترة محددة، شهر نوفمبر ليس هو أفضل خيار من ناحية الوقت، لديّ في الأسبوع الأوّل منه على الأقل ١٢ موعدًا، وقائمة معتبرة من المهام، ديسمبر مفرّغ تقريبا، لكنّ هذا الشهر هو شهر الكتابة كما هو معروف على أيّة حال، كما أن الضغط سيرفع من مستوى التحدي الشخصيّ ” كما أتوقّع! “

لا يوجد إلتزام موضوعيّ ، كالعادة أدبيات وهرطقات وتأملات وبعض المواد التخصصيّة، ربما يوميّات؟ ليس لدي تصوّر مسبق عمّا سأكتب، لكنّني أتصوّر حاجتي للكتابة، كما أنني على الأغلب سأنشر المسوّدة الأولى كما كنتُ أفعل، المهم لديّ هو فعل الكتابة ذاته.

بسّطت شكل المدونة أكثر، ألغيت خيار البحث في قوقل، مزيد من التركيز والهدوء …

مرحبا! أنا تائه مثلك.

… يحدث لي هذا أيضًا، الوقوع في دوائر تيه مباغتة، في البدء أحاول البحث عن أقرب مخرج وعندما لا أجد، أبحث عن أيّة لوحة، ثم عن أيّ تائه آخر يقاطعني المسافة، لا ظِلال ولا حتى صدى، في الأخير على أهبّة اليأس، سيبدو أيَّ شيء يلوح كما لو أنه علامة نجاة فسفورية عليّ أن أثق بها لأنني لا أملك خيارا آخرا، وعندما أثق ثقةَ الغلبان! تختفي تاركة وراءها علامةَ لغزٍ آخر مُربك أكثر من كونه مثير.

يحدث لي هذا أيضًا يا صديقتي، أن أرى الطريق طريقي بعينيَّ وبقلبي.. لكنّ أقدامي تنكره وخطواتي تتمرّد عليه، لاأفهم شيئا مثلما أنتِ لا تفهمين شيئا الآن وتعتقدين أنني علامة النجاة الفسفورية، تثقين بي فأمنحكِ هذا اللغز المُربك، أنا آسفة.

يحدث لي أيضا أن أُذهل كيف أمكن لكل تلك الخطوات الراسخات أن تتغرّب، أن تضلّ، أن تنطوي في حين يفرد الطريق… ذات الطريق كلّ اتجاهاته، أبحث في وجوه أصدقائي عن عنوانٍ فرعي يمكنني من خلاله إلهام نصّي المسترسل في الدوران، أو عن نقطة يمكنني سحبها لإنهاء النصّ، أو لإلهاء المخيّلة، لكنهم يبدون حينها كما يبدون كلّ يوم، متململين أو واعدين، أرى وجوههم بعينيَّ وبقلبي وملامحي تنكرههم، يحدث لي أيضا أن أضلّ في الطريق، أن أظلّ في وجوه رفاقي، يا ليلى.

يحدث لي أفتح دفتر المهام، دون أن أستوعب نفسي في اللحظة التي ملأت فيها الدفتر أسطرا مرقّمة، مَن هذا الذي كتب هنا؟ من هذا الذي يهتم كثيرا؟ من هذا الذي يرى ما يريد بقوة رؤيته لما لا يريد؟ ما كل هذا الوضوح المُريب الواقف في وجه هذا التوهان المتنمّر؟ فأُحيل تلك المهام إلى مصطبة الضمير المزعج، لتستريح هناك كصبّارة معتادة على فوات السُّقيا.

يحدث لي يا صديقتي أن أتوقف تماما عن محاولة الفهم، فكل محاولة تستولد المزيد من الأسئلة، لطالما أحببت الأسئلة التي تمنحني احتمالاتها احتمالات عدة للتبرير، غير أن أسئلة التيه كأذرع أخطبوط غادر، شرسة، مغروسة في رأس جواب واحد ورديفه: لستُ أدري… لستُ أدري!

دعيني أخبرك أن ما يحدث لكِ، يحدث لي، ويحدث لرفاقنا المتململين ورفاقنا الواعدين على حدّ سواء، كما ترين أنا لا أملك خارطة طريق، لكنني أؤكد لك أنني ذلك التائه الذي يقاطعك المسافة لكنك ولسوء الحظ – مثلي- لن ترينه، لا ظِلاله ولا حتى صداه، إنها إحدى تغلّبات الوجود علينا، إحدى شهواته في استصغارنا كلما تعاظمنا في حيّزنا الوجودي الضئيل، كلما أصبحنا مهووسين بالانتصار والمرح استفززنا تنمّرات الوجود التي يعادل بها هوسنا بهزيمة تيه وتعاسة علامة نجاة موهومة. استرخي يا صديقتي، توقفي عن البحث عن حلول، استرخي تماما، شاهدي ست ساعات متتالية من أفلامك المؤجلة، اهربي إلى عاداتكِ الغذائية السيئة التي تركتيها بجهد، اشربي الكولا وكُلي بطاطس مقليّة في منتصف الليل، استرخي تماما، حادثي رفاقك أحاديث غير مترابطة، تناغمي مع التيه، اسمحي له أن يكسب الجولة، تناولي هذه الجرعة المُرّة من الهزيمة! اهدري الوقت بكل الحماقة التي تحوزينها منذ مراهقتك، دعي الصبّارة هناك دون قلق، سيحدث ودون سابق تنبيه أيضا أن تتوقف شراهة الوجود الغامضة، ورغم أنني أعرف – كما تعرفين- أنها ستعود، لكنّ الحماسة الوليدة لخطواتنا ووجوه رفاقنا ودفتر المهام ستنُسينا قلق الترقّب، ستجعلنا نُنكر أننا نُهزم، من جديد!

اثنا عشر لونا

تطوي ثمان كنزات صوفية بشكل متتابع وآلي: الكُمّان للخلف، طيّة المنتصف، تهذيب الياقة، وتفكّر باستغراق موازٍ: حبيبان للخلف، طيّة منتصف الطريق، تهذيب ياقة النهايةالتي بعدها: مُقابلتا عمل، طيّة منتصف الدوام، تهذيب نهاية اليوم، وهكذا كآلة كادحة لا تحب أن تتوقف.
كنتُ أسترخي على صوفا ليّنة وأتأمل صديقتي في انغماسها مع الكنزات، إنني أملك كامل الحق في تخيّل الأفكار التي تدور برأسها، أنابعبارة أخرىأحب استعارة رأس صديقتي هذه تحديدا في تعليق الأفكار التي لا يرحّب بها عقلي، وأعرف أنها لا تمانع، في إحدى المرات اندفعت وبدأت أجادلها في فكرة علّقتُها داخل رأسها، كنت أعارضها، وأخذتني على قد عقليواستمرت في مجادلتي حتى اتّهمتها أخيرا: مخّك تعبان! فقالت لي بهدوء: طيّب، سأصلح الأمر.
كنتُ أحتاجها أن تطوي كنزة تاسعة، لأن الأفكار استمرت في استرسالها وسيقلقني انقطاعها، كنت تحت رحمتها، وكنوع من انقاذ الموقف، رميتُ نحوها فوطة صوفية لتقوم تلقائيا بتوضيبها، لكنّها قالت: لا، يكفي انشغال، علينا أن نجلس معًا الآن، هزمتني ابتسامتها فلم أشأ أن أخبرها أنني كنتُ بالفعل جالسةً معها وأن مخّها التعبان مسترسل الأفكار التي – وياللورطة!- سيكون عليّ أن أساعدها في التخلص منها.


– أخبارك؟
– عندكِ أوّل بأول.
– لا بأس احكيها مرة أخرى.


يعتقد كثيرون أن الفتيات يجتمعن للحديث عن الموضة وعن الرجال الوسيمين، ونحن نفعل ذلك بالفعل، لكنه ليس كل شيء، في بعض الأوقات لا نجد ما نتحدث عنها سوى أن نعيد جرد أحاديث سابقة مع إضافة بعض التعليقات الجديدة، وهذا لا يقل متعة عن خبر جديد وحصري، نحن نستمتع بكوننا نتحدث مع من نحب وليس بالموضوع الذي نتحدث فيه، صديقتي وأنا – على الأقلنُعرف بصمتنا الطويل في خارج هذه الثلاث ساعات التي نتقابل فيها كل أسبوع، لذلك أشعر أنني على موعد مع حفلة حديث

– تم قبولي في الوظيفة..
– ممتاز!
– لا مش ممتاز! كنت أريدها بشدّة قبل أربع سنوات لكنها تأخرت، وحضرت باهتة.
– “ادّيها ألوان يا بنت!”
– أقضي حياتي تلوين؟ لا، المهم رفضتها.
– الليلة الماضية لم ينتهِ تحميل الفيلم إلا قبل دقائق من موعد دوامي، رغم أني كنت جاهزة طوال الليل لمشاهدته، المهم رفضت مشاهدته.
– نفس الشيء! في غمرة تحاشينا أن نفقد ما نريد، ننسى مناورة التوقيت، ننسى أن قضيتنا هي أن نحصل على ما نريد في الوقت الذي نريد، وليس أن نحصل عليه بأيّة حال!
– خيرة؟
– أنا لا أؤمن بالخيرة.
– ولا أنا.
– التوقيت الصحيح هو الخيرة.

ناولتني قطعة كوكيز كتأييد غير واعٍ ثم تابعت بحماس:

– اكتمال الفيلم قبل دقائق من بدء الدوام، سفرك لمدينة حافلة بعد انتهاء الكرنفال،  الردّ على رسالة دفنها اليأس، انتباهك لكأس الشّاي بعد أن يعود ثقيلا وباردا، دخول..
– دخولك مدينة الألعاب في الخامسة والثلاثين، شراء فستان في تصفية التخفيضات.
– يعتبرونها ديلبالمناسبة!
– نفسهم الذين تفوتهم مناورة الوقت، لا تعني لهم المواسم شيئا فضلا عن فكرة أريده الآن وبأيّ ثمنكنت أريد تلك الوظيفة وبأي ثمن، كانت لدي رغبة مجنونة في المكتب المطل على الشارع العام، عرضوا عليّ نفس المكتب بالمناسبة.

أخدتْ جوّالها بابتسامتها المنتصرة ذاتها وأردفت: أرسلتُ لك رابط حسابه.. تابعيه، ثم انغمست في شاشة الجوّال، تكتب وتبتسم وتكتب وتبتسم عدّتُ إلى استرخائي، وبدت لي كآلة كادحة مرة أخرى، تأملتها من جديد، بدأتُ استعارة رأسها، أردت تعليق الفكرة التاسعة التي أقلقتني، لكنني وجدتها باهتة.