لم أعد أؤمن!! 1

بينما كنت أشاهد برنامجاً علمياً وثائقياً، قام أحد الباحثين بطرح فكرة علمية وتحليلها وترجيحها، لكنه اختتم هذا العرض بإشارة مفاجئة بيده اليمنى قائلاً: لكنني الآن لم أعد أؤمن بذلك!

حفّزني هذا المشهد للشروع فيما كنت قد عزمت عليه في الكتابة عن خاطر اختمر ذات تأمّل في موضوع: “اعتناق الفكرة” حيث تأمّلت حال الفكرة –أيّ فكرة- بالنسبة إلى الإيمان بها، ووجدت أن تتبّع سير ذلك لا يفضي بنا إلى خط مستقيم متنامٍ من الإيمان دائماً؛ بمعنى أننا لا نستمر بالإيمان بأفكارنا أكثر فأكثر مع الزمن، بل قد يكون خط سير الإيمان دائرياً يعود بنا من النقطة التي بدأنا بها، أي من الجحود بالفكرة إلى الجحود بالفكرة مرة أخرى كما في المشهد السابق، وهذا التحرّك يتسق مع قوله تعالى: (لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ)، فإن هذه الآية الكريمة توحي أن الإنسان “حالة متغيرة” باستمرار وليست ثابتة، وأننا عندما ندعو “اللهم ثبتّنا على الإيمان” فإننا نقصد الثبات على حال الإيمان لا على درجته، فإننا مأمورون شرعاً بالسعي لزيادة “درجة” الإيمان الشرعي.

إذن؛ سأتحدث هنا إن شاء الله – عبر سلسلة مقالات- عن “دائرة الإيمان” بالفكرة سواء كان إيماناً إيجابياً أي بوجودها أو صحتها، أو إيماناً سلبياً أي بنفيها أوخطئها (الجحود)، وما الأطوار التي تمرّ بنا مع أفكارنا (أو تمر بها أفكارنا معنا!) خلال هذه الرحلة الدائرية؟ وما الذي يجعلنا نتوقّف عن تطوير إيماننا بأفكارنا؟ وكيف يمكن أن يؤثر ذلك على “رسوخ” إيماننا بحيث يهوي هذا الإيمان بمجرد أن يشمّ رائحة “الشبهات”، أو بمجرد أن يذوق طعم “الشهوات؟ وغير ذلك مما يتعلق بالفكرة من حيث كونها فكرة بغض النظر عن اندراجها تحت أي تصنيف شرعي أو علمي أو غير ذلك، لكنني سأطبّق بعض الأمثلة على أفكار مصنّفة حتى لا يكون الكلام تنظيرياً مملاًّ أو فلسفياً محضاً.

يمكننا أن نتناول هذه (الدائرة الإيمانية) بالنظر إلى محلّ تكوّن أو صدور الفكرة، فمثلاً تبدو الفكرة المتكوّنة أو الصادرة عن نصّ قرآني أنّها تنطلق من طور: (اليقين بصحتها) بالنسبة للمسلمين لأنه: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)، وأنّ الفكرة المختصة “بدوران الأرض” مثلاً الصادرة عن عالم فلكي تضع هذه الفكرة في طور (الظن برجحان صحتها) بالنسبة لغير المختصين وغير المباشرين لعلم الفلك، وهكذا سنجد أن النظر بهذه الطريقة لا يخدمنا هنا لتعلّقه بنسبية الإيمان لصفة الشخص: الإسلام في المثال الأول، أو تعلّقه بخبرة الشخص: عالم الفلك في المثال الثاني، ولأنها طريقة تُسقط بعض أطوار تطوّر الإيمان بالفكرة المستهدفة بالتأمّل هنا.

ويمكننا أن نتناول (دائرة الإيمان) بالنظر لسلوكنا مع الفكرة..

التتمّة هنا: الإسلام اليوم – نوافذ فكرية.

يوم الأم ، هذا ما يجعلهنّ أمهات!

غالباً ما نحتفل على مستوى العائلة الأوسع بـ “أمهاتنا” في يوم الأم ، لديَّ الكثير من الصور التي أحتفظ بها في كل احتفال ، أضواء ، وأغنيات ، و “طبخ” كامل من أيدي البنات! فواحدة من “شروط” الاحتفال أن يكون من تحضير أيدينا ، كتقليد “رمزي” لطبخ الأمهات التقليدي الشعبي، وكثيراً ما ننافسهن في ذلك.

دائماً مايكون الاحتفال “مفاجأة” ، أمهاتنا بالتأكيد لا يحفظون تاريخ يومهم لأنه لاتهمهم “خرابيط!” هذا الجيل، لكنني أجزم أنهن يسعدن جداً وينتظرن هذا اليوم الذي يستقبلن احتفالاته “بالدموع” التي رأيناها مراراً عليهن.

نغني لهن “ست الحبايب” ، ونرتدي تيشيرتات تحمل عبارات حب ووفاء لهن  ، بينما يكون في المكان عبارات شكر وتقدير ودعم لرسالتهن في الحياة، الرسالة البشرية الأنبل على الإطلاق.

في عالم يتجه إلى “مكننة سلوكياته” فيفقد تصرفاته روحية الإحساس ويكتفي بجدارة المكينة والآلة التي تقوم بواجبها ، يكون قيّماً أكثر أن نجعل الأم وبرّها محوراً تمجيدياً يليق بها. كثير منا يؤكدون أن هذا الاحتفال يساعدهم على كسر الحواجز بينهم وبين أمهاتهم، ويجعل كلمة “أحبك” التي لم نتعوّد على قولها ونخجل من ذكرها تُقال في احتفال بطريقة ربما “كوميدية” ، لكننا بعد ذلك اليوم نشعر أننا نتحسّن فعلياً تجاه مفردات الحب ونقولها بطريقة أكثر وعياً وجرأة.

أرسل موقع msn للبريد هذا الموضوع:Things a mother will never stop sayiing

تجوّلت في العبارات التي كتبت بطريقة مرحة نوعاً ما،وهي جديرة بالتفكير ، ليس العبارات بل الطريقة المرحة! لماذا؟ لأن العبارات التي تبدو لنا مزعجة ، سرعان ما نستعذبها لو نظرنا لها بأفق أوسع ، وأنها تدل بشكل “مُضحك!” على تأثير الفارق بين الأجيال على تواصل هذه الأجيال في أبسط تفاصيلها اليومية ، بشكل شخصي: عدد غير قليل من تلك العبارات سمعته مراراً من أمي ،وأستطيع أن أضيف قائمة أطول ، لكنها تظل العلامة الأجمل التي تميّز قلب الأمهات وكما ذُكر في المقال السابق:

this is what makes them mothers

ماذا لو سألت : ما هي العبارات التي تسمعونها دائماً من أمهاتكم؟

هنا: المجلة العربية .

لفتة جميلة ، وبادرة تقديرية أشكر عليها الأخوة الأعزاء في المجلة العربية ، على إعادتهم نشر أحد نصوصي عبر عدد المجلة الأخير رقم 398. مع شكري للأعزاء الذي نبّهوني لذلك مبكراً.

المجلة العربية تعرّف نفسها بأنها “مجلة الثقافة العربية” وتُعرف أيضاً بدعمها للمناسبات الثقافية وللفنون العربية التي تحمل وهجاً ثقافياً متجاوزة “ثقافة الجسد” وفتاة الغلاف التي شاعت بين المجلات العربية الأخرى، إلى “ثقافة الفكر والرؤية” .

يمكنكم تصفح العدد الأخير من هنا.

(F)

زين … عالم جميل :)

http://bit.ly/cyBBrn

الرسالة الثقافية والخدمة المدنية أصبحت جزءً مستهدفاً للشركات الاحترافية الكبرى.-سوى المحلية!- أذكر أن منتجات “لوزين” عندما شاعت في أسواقنا و “بقالاتنا” لفتت نظري بوضعها لعبارة “لا تنسى تسمّي” على مغلّفاتها، هذه رسالة ثقافية نبيلة فعلا. شركة “موبايلي” دخلت أيضاً برؤية دعائية ذكية وملفتة حتى لغير المهتمين بالتسويق، دفعتني لأن اخصص مجلداً في جهازي يحتوي على إعلاناتها “الإعلانية المحضة” أعني الخالية من الرسائل الثقافية لأجد متعة في مشاهدة الذكاء المتجسد الذي يزيح الصور “الماصلة” السابقة عن “عائلة أبو فلان وفلان” و”خطبة فلانة“!

قبل يومين وأنا أشاهد الإم بي سي ، جاءت “زين” بدعايتها الخلاّقة الجديدة ، الملهمة ، النبيلة ، وشديدة العُمق ، كم تتحفنا “زين” بالجمال ، والتي كانت تؤكد في إعلاناتها حتى قبل نزولها للسوق السعودية بـأنك “أنتَ جميل” وأنها و العالم من حولك “عالم جميل!”، التسويقيون في “زين” هم أنفسهم كتلة من الجمال والإبداع الصامت دون أن نعرف أسماءهم أو أصواتهم أو أشكالهم ، لكننا بالتأكيد نشعر بجمالهم. هذا إعلان الجمال الصامت.

الفرقة الاستعراضية خرافية (L)

للتذكير زين أيضاً هي من أتحفت صغارنا – ولأول مرة برأيي!- أغنية هادفة إبداعية “قطورة“، وأيضاً هي التي ساهمت في روحانية رمضان.

شكراً زين

هل تريد أن تنقل من مدونتي؟ …لحظة! + فكرة

أهلاً بكم مجدداً

هل تلاحظون شيئاً جديداً على يمين المدونة؟

http://www.uusu.org/content/index.php?page=3543

حقوق المؤلف©
كان يجب أن أكتبها منذ إنشاء المدونة ، لكن صُرفت عنها ، وهي الآن مكتوبة وأرجو أن تكون واضحة .

أما عند اقتباس بعض العبارات للتواقيع والتصاميم فسأمتن لو وضعتم اسم صاحب العبارة ، في الحقيقة يجب عليكم ذلك P-:
الحقوق تشمل كل ما أدوّنه هنا سواء كتابياً أو صوتياً أو مرئياً في حال انتقلت للتدوين الصوتي أو حتى المرئي.

أدعو كافة المدونين لاتخاذ نفس الإجراء ، قد يقول لكم “وسواس التواضع” إنّ ما تكتبونه ليس تاريخياً وليس ذا قيمة ذهبية حتى “تكتنزونه” باسماءكم ، هذا صحيح ، لكن حفظ الحقوق ليس لأجل أن ما نكتبه “خنفشارياً وفريداً” وإنما لأن هذه حقوق ويجب أن تُحفظ ، ولا بد أن نساهم في زيادة الوعي بهذه الحقوق، لعل كلمة “منقووول” الأكثر سماجة في التاريخ تقلّ في المحتوى المعرفي العربي على الانترنت.
تفضلوا هذه الروابط المهمة جداً لمعرفة ما لكم وما عليكم ككتّاب ، وزوّار:

المصنّفات المتمتّعة بالحماية.
أحكام المخالفات والعقوبات.
و أقف وقفة شكر لكل النبلاء الذين ساهموا بنشر ما أكتبه بالنقل أو المناقشة أو الاقتباس مع ذكر المصدر وكم كنت أسعد بكم كشركاء في الرسالة .
_________________

* فكرة:
فيما يخص المدونة أيضاً ، فأعترف أن سهولة “الفيس بوك” أغرتني وأنا سريعة الافتتان ، وهذا كان مما يبعدني عن التدوين أكثر،ولمعالجة هذا التشتت النفسي بين الاثنين فكرت في استحداث تصنيف ” فيسبوكيات” أنقل فيه صور حيّة من قلب الحدث   لبعض تحديثاتي في الفيس بوك ، والتي تكون من إنشائي ، كما تشاهدون هنا:

هل تؤيدون ذلك يا رفاقي؟
أحاول أن أعالج الكآبة التدوينية التي أمر بها >>يعني حاولوا تقولون:نعمممممم P:

شكراً للجميع .

أطفال السماء والجنّة

ما بين الترجمة العربية ، والانجليزية ، يظل الأطفال قطعةً رمزية من السماء … من الجنة

(Bacheha ye aseman-1997)

فلم قدمته السينما الإيرانية التي كثيراً ما سمعت عن جودتها ، ليحكي برمزية مدهشة الحكاية التي لا يمل الإنسان من صناعتها: حكاية “الفقر” ، هذا أبسط ما يمكن أن يمنحك إياه مجيد مجيدي المخرج المبدع في كل تفاصيل الحكاية ، ويمكن لشفافية روحك أن تلمح بوضوح مظاهر التضحية ، والكدّ ، والعرق الشريف.

هل يصنع الفقر إنساناً نبيلاً؟ أم إنساناً مجرماً؟

لطالما تساءلت عن ذلك ، لا أعرف الإجابة ، ما أعرفه أن الغنى يُفسد الكثير من “طينية” الإنسان ، من اقترابه من خصائص الطين ، حين يكون قوياً لكنه قابل للعجن ، قابل لأن تضع فيه بذرة لتخرج لك سنابل بأضعاف مضاعفة،قابل للتشكيل كجزء من “حيوية” حياته ، بعكس الغنى الذي يجعل الإنسان أشبه بالتحفة الفنية الجميلة جداً التي تتمنى اقتناؤها  و”قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي لقارون، إنّه لذو حظٍ عظيم “!.

“علي” الابن الفدائي، الذي أحببته جداً، يتنازل عن أحلامه البسيطة ليعيد تشكيل أحلام أخته “زهراء” ، ليجعلها راضية وسعيدة ، إنه يرضي نفسه من خلالها ، ويقدّر أحلامه من خلال أحلامها ، عندما تكون “زهراء” حاضرة عنده فإن “علي” يغيب عنده! هكذا حتى الفقر لا يسع الجميع.

أبو علي الكادح وأم علي الغير حاضرة “درامياً” بقوة ، يتلاشيان تماماً بوجود علي.

الوجود الفني للفلم مذهل ، الصور ، الزوايا ، الصوت … صوت الأنفاس الكادحة تجعلك تترقب قطرات العرق تسقط من جبينك وأنت تشاهد ، “الحذاء” هو رمز الفقر الذي اُستخدم ليحكي كل تلك التفاصيل، رمزية “الماء” الذي ينسكب بين مساكن الفقراء ، والذي يتوسّط بيوتهم أيضاً ليلبي “كل” احتياجاتهم منه والذي يظهر في بيوت الأغنياء كأداة لري حدائقهم المنزلية الواسعة ، رمزية “الابتسامة” التي يطلقها كل من الطفلين يجعلك تشعر بقيمة انتصاراتهم اليومية الصغيرة  ، “الخوف” في شفاه علي المرتجفة (بمهارة) ودموع زهرا ، علي الذي يخاف من عنف والديه دون أن يقوم مجيدي بتصويره كعنف جسدي، لا أدري لماذا لم يفعل؟! هل يريد أن يقول أن الفقر يجعلك “تخاف” حتى من غير الموجود؟ أم أنه يريد أن يوفّر على المشاهد دموعه المالحة؟

الأحداث الدرامية يمكن تنبؤها ، لذلك كانت الدهشة الحقيقية في تصوير الحدث وتفاصيله أكثر من الحدث ذاته.

تقيمي للفلم 8/10

أمر أخير ، لدى المخرج مجيد قائمة من 15 فلماً ، بالتأكيد واحد منها سيكون ضمن قائمة المشاهدة التالية بالنسبة لي

آسف على الازعاج…


لم أكن متصالحة مع السينما المصرية بقدر ما أنا مع مسرح مصر، ولم أفكر مرة بمشاهدة فيلم مصري كامل رغم توصيات النقّاد ، لأنني أعتقد أن توصية صديق بذائقة مقاربة لما أفضّله أو مميزة أكثر إفادة.

فيلم [آسف على الازعاج] 2008 ، يمثل بالنسبة لي مصافحة كريمة جداً مع السينما المصرية ، وسعدت لأن مشاهدتي (الكاملة) الأولى كانت (صدمة) جماليةً بحق.

تسير المشاهد بتسلسل يكاد يكون بديهياً وإذا كنتَ في مزاج (متلذذ) فستكون محظوظاً لأنك ستقرأ هذه البدهيات بطريقة لاقطة وذكية لأن المشاهد متسارعة لكن بوتيرة هادئة درامياً تمنحك فرصة للتقليب والتأمل!، أب طيّار ناجح في عمله صديق ومُلهم لابنه مهندس الطيران (حسن صلاح الدين) ، فتاة تمر في طريق الابن المهندس تأخذه أو يأخذها هو إلى عالمه الجادّ الهادف لتقديم مشروع هندسي للطيران يتوقع أنه سيغيّر به طيران واقتصاد بلده ، هذا الحلم يظهر للمشاهد في صورة رسائل يبعثها هذا الشاب المصري الذي يشبه أي شاب عربي محبط يتعلق بأمل دعم حكومته ، لذا هو يرسل هذه الرسائل مباشرة إلى (سيادة رئيس الدولة!)، وهناك أمّ تبدو قَلقه على ابنها أكثر من اللازم! هكذا يكون الفلم (مسترخياً) في دراميته يجر المشاهد لنفس حالة الارتخاء ربما عند الوصول إلى ثلثي الفيلم سيبدأ المشاهد بمحادثة من حوله أو مطالعة هاتفه واثقاً أن لا شيء مثير يبدو أن سيحدث أو (يفوته) ، عند هذه النقطة ومع الاقتراب من ثلث الفلم الأخير تقريباً وبتمهيد لا يتجاوز المشهد الواحد يتلقى المشاهد الصدمة الدرامية الرئيسية المتعلقة بالابن (البطل) التي ستجعل كل ما بدا بديهياً سابقاً ذا مغزى تراجيدي مؤلم للغاية ، لا بد أن دمعاتك ستنصدم هي أيضاً وتعبّر عن (حالتها!) ، ليبدأ المشاهد في حالة من تفكيك كل المشاهد الماضية وتحليل أين الحقيقة من الوهم فيها! أي لذة سينمائية هذه التي تُنشر على كل حواس المشاهد في الثلث الأخير فقط من الفيلم. الدهشة المركزة والكثيفة هذه هي التي تجعلني أنصحكم بمشاهدته الآن.

لايخلو الفيلم من لمسات (أحمد حلمي) الكوميدية اعتبرها بعض النقّاد عيباً في الفيلم وعلى العكس تماماً بالنسبة لي حققت هذه الكوميدية توازناً خلاباً هو الذي لم يجعل الفيلم تراجيدياً كئيباً ومشاهدته مزعجة، اللغة الحوارية بين الأب الطيار وابنه مهندس الطيران ، بين الابن و صديقته ، بين الأبن و “شلة العميان” في مقهى؛ غنية بالقيّم ومُصاغة ومؤدّاة بكثير من الحرفية ،فقط تحتاج لمشاهد يلتقط بذكاء إلمحات هذه الحوارات وتشكيلها وفق خبراته ليستلهم فكرة أو حساً يثريه.

التراكات، أو صوتيات الفلم أيضاً تداخلت بذكاء مع مشاهد الفلم وحواراته ، عبر أغنيات أجنبية يستمع إليها الابن، حاولوا أن ترجعوا لقصائد هذه الأغنيات –إن لم تعرفوها- لتقدّروا الذّكاء المتدفق الذي صُنع به هذا الفيلم ، مثلاً في جزء صراع الابن المرير مع خيالاته ، وبينما خيال ابيه يحدّثه يظهر الابن مستمعاً لأغنية لا يبدو منها سوى جزئيات تقول:

…. always
I really feel
That I’m losing my best friend
I can’t believe
This could be the end
It looks as though you’re letting go
And if it’s real…
Well I don’t want to know

:”(

لتتلقوا جرعة من الدهشة السمعية أيضاً،وجرعات أخرى في حال ربطتم بين جميع أبيات Don’t Speak والمشهد.

:”(

أعرف أن الفيلم لا يزال يبدو غامضاً –لمن لم يشاهده- لكنني أحترم دهشته التي لا أريد (تبريدها) أمام من لم يشاهده، أخيراً: ضعوه على قائمة أفلامكم : يُشاهد قريباً : )


الفـن … اللغة المحترمة !

www.acm.org/crossroads/xrds3-3/color.html

الفن: القاموس الذي لا يخضع لتوقيع “هوية محددة” ممهور بآخره سوى بـ “مجرد انسان” ، لغة التحاور بين “دواخل” بشر مختلفين في كل شيء سوى أنهم “انسانيون جداً” ، ليس أكثر من أن تكون “انسان” لتكون أحد الناطقين بهذه اللغة المُدركين لدلالاتها ، المُدركين لأهميتها في إعطاء “الحياة” معنى مختلفاً بإيحاء عميق من “الذات”.

الفنون بأنواعها لغة تحترمها الشعوب كافة إلا من دنى أو تدلى عن كونه انساناً حقيقياً. الفن لا يمكن أن يصبح “نقطة جدل” يكون بعدها أو لا يكون ، لأنه “سرمدي” وكائن للأبد والجدل فيه عبث! والأفضل من ذلك إدخار الوقت للاحساس به والتفاعل معه ، انشاءً واستجابةً وتطويراً.

يكون “الفن (بأنــواعــه !) ” مجرد محاولة لرسم ماهية “الروح” التي لا نعلمها ، نحاول أن نجعل المادة (الورقة – اللوحة – العجين – الآلة …. إلخ ) مرآة نرى من خلالها واضحاً ما نشعر به هلامياً.

يكون الفن “رأياً” نصبغ به الآخرين فـ: تعجبني أنت أو لا تعجبني … يمكنكُ أن تعرف ذلك من خلال “فنّي! ”

يكون الفن محامياً شريفاً لقضية فقدت مناصراً أو فقد مناصرها قوته أو استحقاقه في الدفاع.

wall2

الجدار العنصري العازل والفن الفلسطيني

يكون الفن “ثورة وردية” ، الفن لا يجرح ، لا يكسر ، لا يريق دماً …. الفن محكمة شريفة لا يملك المجرم فيها إلا أن يقول: أنا مخطئ!

الفنّ ، يكوّن أفكارك ، يدثر أحساسك أو يفضحه ، الفن يغيّرك بينما يجعلك “تستمتع!” في الوقت الذين يكون فيه التغيير بغيره يتطلب كفاحاً وخسائر.

لذلك يعجبني جداً “عبد الله ثابت” – رغم عبث المصنّفين – لأنه يكتب بـفن عن الفن دائماً كأداة يوصل من خلاله أفكاره.

الفن – كأي شريف محترم آخر – مُعتدى عليه ، من زمرة لم تستطع أن ترتقي إلى سمّوه فرأت أن تتقمّص ملابسه وهيئته

دون أن تدري أن الفن لايمكن أن ينزل إليها…

وإعلامنا العربي المريض – كعادته الميمونة – يبدأ من الأسفل ليصل إلى الأسفل منه ، كشريك –غير شريف- في اعتداء غير شريف على أكثر محاور الحضارة الانسانية نزاهة وشرفاً.

وأنتَ أيها العربي العزيز … بيدك “الريموت !”

أداري لوعتي بالمُنى …!

لَيْسَ الصَّديقُ الذِي تَعْلُو مَنَاسبُهُ

بلِ الصديقُ الذي تزكو شمائلهُ

إنْ رابكَ الدهرُ لمْ تفشلْ عزائمهُ

أَوْ نَابَكَ الْهَمُّ لَمْ تَفْتُرْ وَسائِلُهُ

يَرْعَاكَ فِي حَالَتَيْ بُعْدٍ وَمَقْرَبَة ٍ

وَ لاَ تغبكَ منْ خيرٍ فواضلهُ

الرجل الذي جمع بين شجاعة الفروسية والجهاد ورهافة الحسّ ورقيق الغزل ، (فارس السيف والقلم) لقبه الذي يستحق أكثر منه … محمود سامي البارودي (1839-1904) ، مصري من القاهرة

عندما أريد أن انتخب شاعراً أسهر مع دواوينه وأعيش مع سيرته يهمني كثيراً أن أبحث عن سؤال كبير: هل كان مهاجراً أو مسجوناً؟ الهجرة والسجن تتضمنان معنى عميق للـفقد، الفقد هذا طوفان من الإلهام والإبداع ، البارودي تم تهجيره لحوالي 17 عاماً مع زعماء الثورة العربية لأنه ناضل ضد الاحتلال ببسالة، يعشق بلد مصر ويجسدها ليتغزل فيها بكثير من الحب والحنين،وقد عاد إليها في آخر عمره لضرورة العلاج وقال حينها “أنشودة العودة

أبياته مليئة بالحكمة والآداب سهلة العبارة، هي ليست للمهتمين بالشعر فقط بل لكل فرد يسعى لتزكية نفسه وترقيتها، لنقرأ مثلاً:

إنْ شئتَ أنْ تحوى المعاليَ ، فادرعْ – صبراً ؛ فإنَّ الصبرَ غنمٌ عاجلُ

احلمْ كأنكَ جاهلٌ ، وَ اذكرْ كأنـــــ ــكَ ذَاهِلٌ، وَافْطُنْ كَأَنَّكَ غَافِلُ

فلقما يفضى إلى َ آرابــــــــــــهِ – فِي الدَّهْرِ إِلاَّ الْعَالِمُ الْمُتَجَاهِلُ

دون أن أتوقف مع الزخم الشاعري في استعاراته وتراكيبه اللغوية البديعة.

وفي الحكمة لنقرأ :

لأمرٍ ما تحيرتِ العقولُ

فهلْ تدري الخلائقُ ما تقولُ ؟

تغيبُ الشمسُ ، ثمَّ تعودُ فينا

وَتَذْوي، ثُمَّ تَخْضَرُّ الْبُقُولُ

طَبَائِعُ لاَ تُغِبُّ، مُرَدَّدَاتٍ

كَمَا تَعْرَى وَتَشْتَمِلُ الْحُقُولُ

يكفي؟!

سأنتقل للضفة الأجمل والأعذب الحب والغزل …

الْحُبُّ مَعْنى ً لاَ يُحِيطُ بِسِرِّهِ – وصفٌ ، وَ لاَ يجري عليهِ مثالُ

وَ كذلكَ الأرواحُ يظهرُ فعلها – وَ يغيبُ عنا سرها الفعــــــــــالُ

حكمٌ تملكها الغــــــــموضُ – فلمْ يحطْ برموزها في العالمينَ مقالُ

وأيضاً:

هَل مِن طبيبٍ لِداءِ الحُبِّ ، أوراقِى ؟ = يَشفِى عَليلاً أخا حُزنٍ وإيراقِ

قَدْ كَانَ أَبْقَى الْهَوَى مِنْ مُهْجَتِي رَمَقاً = حَتَّى جَرَى الْبَيْنُ، فَاسْتَوْلَى عَلَى الْبَاقِي

حُزنٌ بَرانِى ، وأشواقٌ رَعَت كَبِدِى = يا ويحَ نَفسِى مِن حُزنٍ وأشواقِ

وفيها يتحدث عن اغترابه في منفاه “سرنديب” إلى أن يقول:


وهوَّن الخطبَ عندى أنَّني رجلٌ = لاَقٍ مِنَ الدَّهْرِ مَا كُلُّ امْرِىء ٍ لاَقِي

يا قَلبُ صَبراً جَميلاً ، إنَّهُ قَدَرٌ = يَجرِى عَلى المَرءُ مِنْ أسرٍ وإطلاقِ

لا بُدَّ لِلضيقِ بَعدَ اليأسِ من فَرَجٍ = وكُلُّ داجِية ٍ يَوماً لإشراقِ


مذهل هذا الانسان ونتاجه غزير … واقرأوا إن شئتم هذه الروائع :

ما لقلبي من لوعةٍ ليس يهدا؟!

هل من فتىً يُنشد قلبي معي ؟

أبى الضّيم ،فاستل الحسام وأصحرا (رائعة)

أليس من العدل أن تسعما؟