أداري لوعتي بالمُنى …!

لَيْسَ الصَّديقُ الذِي تَعْلُو مَنَاسبُهُ

بلِ الصديقُ الذي تزكو شمائلهُ

إنْ رابكَ الدهرُ لمْ تفشلْ عزائمهُ

أَوْ نَابَكَ الْهَمُّ لَمْ تَفْتُرْ وَسائِلُهُ

يَرْعَاكَ فِي حَالَتَيْ بُعْدٍ وَمَقْرَبَة ٍ

وَ لاَ تغبكَ منْ خيرٍ فواضلهُ

الرجل الذي جمع بين شجاعة الفروسية والجهاد ورهافة الحسّ ورقيق الغزل ، (فارس السيف والقلم) لقبه الذي يستحق أكثر منه … محمود سامي البارودي (1839-1904) ، مصري من القاهرة

عندما أريد أن انتخب شاعراً أسهر مع دواوينه وأعيش مع سيرته يهمني كثيراً أن أبحث عن سؤال كبير: هل كان مهاجراً أو مسجوناً؟ الهجرة والسجن تتضمنان معنى عميق للـفقد، الفقد هذا طوفان من الإلهام والإبداع ، البارودي تم تهجيره لحوالي 17 عاماً مع زعماء الثورة العربية لأنه ناضل ضد الاحتلال ببسالة، يعشق بلد مصر ويجسدها ليتغزل فيها بكثير من الحب والحنين،وقد عاد إليها في آخر عمره لضرورة العلاج وقال حينها “أنشودة العودة

أبياته مليئة بالحكمة والآداب سهلة العبارة، هي ليست للمهتمين بالشعر فقط بل لكل فرد يسعى لتزكية نفسه وترقيتها، لنقرأ مثلاً:

إنْ شئتَ أنْ تحوى المعاليَ ، فادرعْ – صبراً ؛ فإنَّ الصبرَ غنمٌ عاجلُ

احلمْ كأنكَ جاهلٌ ، وَ اذكرْ كأنـــــ ــكَ ذَاهِلٌ، وَافْطُنْ كَأَنَّكَ غَافِلُ

فلقما يفضى إلى َ آرابــــــــــــهِ – فِي الدَّهْرِ إِلاَّ الْعَالِمُ الْمُتَجَاهِلُ

دون أن أتوقف مع الزخم الشاعري في استعاراته وتراكيبه اللغوية البديعة.

وفي الحكمة لنقرأ :

لأمرٍ ما تحيرتِ العقولُ

فهلْ تدري الخلائقُ ما تقولُ ؟

تغيبُ الشمسُ ، ثمَّ تعودُ فينا

وَتَذْوي، ثُمَّ تَخْضَرُّ الْبُقُولُ

طَبَائِعُ لاَ تُغِبُّ، مُرَدَّدَاتٍ

كَمَا تَعْرَى وَتَشْتَمِلُ الْحُقُولُ

يكفي؟!

سأنتقل للضفة الأجمل والأعذب الحب والغزل …

الْحُبُّ مَعْنى ً لاَ يُحِيطُ بِسِرِّهِ – وصفٌ ، وَ لاَ يجري عليهِ مثالُ

وَ كذلكَ الأرواحُ يظهرُ فعلها – وَ يغيبُ عنا سرها الفعــــــــــالُ

حكمٌ تملكها الغــــــــموضُ – فلمْ يحطْ برموزها في العالمينَ مقالُ

وأيضاً:

هَل مِن طبيبٍ لِداءِ الحُبِّ ، أوراقِى ؟ = يَشفِى عَليلاً أخا حُزنٍ وإيراقِ

قَدْ كَانَ أَبْقَى الْهَوَى مِنْ مُهْجَتِي رَمَقاً = حَتَّى جَرَى الْبَيْنُ، فَاسْتَوْلَى عَلَى الْبَاقِي

حُزنٌ بَرانِى ، وأشواقٌ رَعَت كَبِدِى = يا ويحَ نَفسِى مِن حُزنٍ وأشواقِ

وفيها يتحدث عن اغترابه في منفاه “سرنديب” إلى أن يقول:


وهوَّن الخطبَ عندى أنَّني رجلٌ = لاَقٍ مِنَ الدَّهْرِ مَا كُلُّ امْرِىء ٍ لاَقِي

يا قَلبُ صَبراً جَميلاً ، إنَّهُ قَدَرٌ = يَجرِى عَلى المَرءُ مِنْ أسرٍ وإطلاقِ

لا بُدَّ لِلضيقِ بَعدَ اليأسِ من فَرَجٍ = وكُلُّ داجِية ٍ يَوماً لإشراقِ


مذهل هذا الانسان ونتاجه غزير … واقرأوا إن شئتم هذه الروائع :

ما لقلبي من لوعةٍ ليس يهدا؟!

هل من فتىً يُنشد قلبي معي ؟

أبى الضّيم ،فاستل الحسام وأصحرا (رائعة)

أليس من العدل أن تسعما؟


21 thoughts on “أداري لوعتي بالمُنى …!

  1. يا قَلبُ صَبراً جَميلاً ، إنَّهُ قَدَرٌ = يَجرِى عَلى المَرءُ مِنْ أسرٍ وإطلاقِ

    لا بُدَّ لِلضيقِ بَعدَ اليأسِ من فَرَجٍ = وكُلُّ داجِية ٍ يَوماً لإشراقِ

    رائع ورائعه و … حكايا أخرى

  2. هذا شاعر ولدته القرون المتأخرة وكان حقـًا عليه بالعيش في الجاهلية …

    شعر لاينبئك إلا عن شاعر وفارس قديم وثائر , ولا يستطيع أحد ان يكتب مثله حتى في زمانه هو ..

    فجمع بين : الحكم والشعر …

    سلمت يمناك يا منال واختيار موفق

  3. كأني اعرف ان لقب فارس السيف والقم تطلق على أبي فراس الحمداني؟
    على أي فهما سيان في كثير من الامور، يداريان اللوعة معا بالمنى

  4. وهوَّن الخطبَ عندى أنَّني رجلٌ = لاَقٍ مِنَ الدَّهْرِ مَا كُلُّ امْرِىء ٍ لاَقِي

    يا قَلبُ صَبراً جَميلاً ، إنَّهُ قَدَرٌ = يَجرِى عَلى المَرءُ مِنْ أسرٍ وإطلاقِ

    لا بُدَّ لِلضيقِ بَعدَ اليأسِ من فَرَجٍ = وكُلُّ داجِية ٍ يَوماً لإشراقِ

    شيء مذهل
    شكرا منال لأنك عرفتينا أكثر بهكذا إبداع..

  5. منال (:

    رجعت اليوم إلى مدونتك التي هي أفضل تدوينة بقلم أفضل مدونة

    بعد إنقطاع اكثر من سنة عن عالم التدوين أشتقت للمدونات والمدونين

    وها أنا أستعد لألتحق بركبكم فعما قريب سأطلق مدونتي الجديدة

    مدونتي السابقة لأن أستضافتها مجانية حذفت من دون أية حقوق – حسبي الله عليهم – أو حتى أخباري بذلك

  6. اختي العزيزه منال

    التهجير مؤلم وان تعيش بعيد عن وطنك لاتستطيع ان تمتع نظرك برؤيته
    ولا ان تستنشق عبير ارضه مؤلم جداً

    اشفق على من يُهجر من وطنه اعانهم الله ..مشكوره اختي على التدوينه

  7. روعه يا منال ,,,,

    جميل أن نشعر بمشاعر احيانا ً تكون متضاربه ولكن الأروع أن تجد من يصيغها بأجمل عباره ……..

    رائعة والنقل أروع …أنا من المتابعات لمدونتك …إلى الأمام

  8. البارودي مؤسس مدرسة الإحياء و البعث في الشعر العربي كان عهدهم هو

    و العقاد و حافظ و شوقي عهداً مليء بالتجديد في الشعر و الثقافة العالية

    أشعارهم في ذلك الزمن من أجمل ما قرأت بصراحة و تمنيت حقاً لو عشت في زمنهم

    تعرفت عليه فقط في ثالث ثانوي ثم نسيته حال تخرجي و ها أنتي ذكرتني به

    سأقتني له ديوان ما باذن الله حتى أستزيد من فكره شكراً لتذكيري به

  9. مونيرا
    وحكمته”غير!”

    عمران
    نعم وعلى البارودي أيضاً وغيرهما.
    أشكرك

    fεmaℓe symphoηy
    ترا أنا سويته بديّاتي الاتنين
    في محاولة اقتحام عرضي لعالم التصميم
    سعيدة لأنه أعجبك

    الديمة
    العفو عزيزتي … هذا يسعدني

  10. علي الشيخ
    أووه!
    كنت ألوم ذاكرتي ، وألوم مفضلتي ، وألوم جهازي
    وأي شيء أمامي، عند البحث عن مدونتك وعدم وجودها
    بانتظار العودة …أهتم بها فعلاً
    تمنياتي لك بالتوفيق
    وأشكرك

    ليلى الحربي:
    له ألف شكر لأنه أيقظ احاسيسنا
    حيّاك.

    بوح القلم
    مؤلم نعم ، لكنه مُلهم ، مُلهم جداً ..
    لاحظي أدب المُهجّرين أو حتى المهاجرين طوعاً
    قمة من قمم الأدب.

    طيف
    وأهلاً بك ، تشرفني متابعتكِ

    سجينة الذكريات
    العفو ..تسلمين

  11. مناااال ………..

    دخلت جووووو !!!

    شكراً لكِ …. شكراً بـ حجمِ عشقي لـ ذوقِكِ

    دمتِ أختاه …

    رملة

  12. غيابُكِ مُقلقٌ جدّاً “منال”

    هاتِفيني متى تسنّت لكِ الفرصة !

    فـ قد أرعبتِني ..

    رملة

Comments are closed.