عزَّاب في الثلاثين: هل فاتنا القطار أم فاتكم؟

أهلا بكم، والجمع هنا هو لكَ أنت، وأفكارك وأحكامك وانحيازاتك التي اجتمعت في (مجلسٍ ما فيه نفسٍ ثقيلة) داخل ذهنك وذلك فور قراءة العنوان، أعرف ذلك، أهلا بكم جميعا مرة أخرى، إنكم على وشك حضور عرض مسرحيّ مبهر! لا يشبه العروض التي تنسخها وزارة الثقافة من مسارح نيويورك، بل عرض حقيقيّ يشبهك ويشبهني.

بدأت القصة عندما أخذت صديقتي تتحدث عن ولوجها الثلاثين دون زواج وكيف ذلك يستثير قلقا لديها، قلق أصيل داخلي، وقلق مستعار من الخارج، من الثقافة ومن العائلة ومن المجتمع، تعرفون! ولأنني اختبرت هذه المشاعر، فكرت في تدوينة تصف الوضع الاجتماعي وتحدياته، لكنني في الآخر لم أجد الدافعية ولم أستطع كتابة حرف، ذلك لأن أنهاري تنبعُ من الداخل، واتصالي بداخلي هو دافعي للتعبير، فأنا أعبّر لأحكي من منظوري الخاصّ، لا منظور المجتمع، فغيّرت المنظور نحوي وهنا وجدتني أكتبُ مُنسابة، إذن هذه التدوينة ليست للمجتمع، ولا تقول لأحد من غير عزاب الثلاثين أن عليه أن يغيّر أفكاره أو أحكامه أو مواقفه، التدوينة ترحب بكم جميعا، لكنها تقول إن مكانكم هو كرسي المشاهدة، والتصفيق أو إطلاق صيحات الاستهجان، أما خشبة المسرح فلنا، نحن عزّاب الثلاثين، شاهدونا!

الفصل الأخير: أكذوبة “حُبّ/ حُبّي ذاتك”

ستكون حكاية المسرحية (فلاش باك/استحضار فنّي)، فهذا هو الفصل الأخير الذي ستؤدي إليه كل الشعارات التي تخرج من أفواه المؤثرات على السوشل ميديا، والصديقات، والمُعالجة النفسيّة، والكتب، والبودكاستات، ويزيد الراجحي وكل وسيلة تجد طريقا إليك يا عازبي المفضّل وأنت لاهٍ في حياتك، ماشٍ في أمان الله سيخبرك الجميع أن عليك أن تحب ذاتك كنتيجة طبيعية لعدم زواجك، أو كسبب ضروري لحتمية الوصول للزوج الحلم.

ليلى:

هذه هي الشخصية الأساسية لهذا الفصل، وهي مقتبسة من فتاة كوميدية أتابعها على انستغرام، تعجبني سخريتها السوداء من الأدوار النمطية التي يتوقعها المجتمع من الفتاة العزباء في الثلاثين، محتوى 15 ثانية من النكتة الذكية، حتى جاءت اللحظة التي نشرت فيها فيديو تحتفل فيه بذكرى زواجها الثالثة! صدمة صحيح؟! يبدأ المشهد بصورة مقربّة لقماش دانتيل من فستان الزفاف، في أقل من 5 ثوان تتسع زاوية المشهد لتظهر فيه عروسا وحيدة، والتفاصيل في الكابشن/وصف المقطع.

تحكي ليلى أن اليوم هو الذكرى الثالثة للحظة التي تحررت فيها من أنماط المجتمع، وتخاريف دعوات الزواج، و”أحبّت نفسها حقا!” وتوجت ذلك الحب بارتداء فستان زفاف في مشهد رمزي تريد أن تقول فيه: الزواج محبة وارتباط، وقد أحببت وارتبطت بنفسي!

بالطبع منشور كهذا، سيستقطب تفاعلا في مجمله يحيّ هذه الخطوة الشّجاعة، ويقبل معادلة حب الذات في مقابل عدم الزواج، لكن من منظوري: كان المشهد معبرا عن ضرورة الصحّة النفسية العميقة، التي تتجاوز الشعارات، كان المشهد يمثل اعتلالا نفسيا في العلاقة مع الذات، ومع مفهوم الزواج، ومع المجتمع، فكيف تبلورت هذه الفكرة الخاطئة، ولماذا هي خاطئة أصلا؟

الأزواج التعساء

الزوجات المطحونات تحت أقدار الزوجيّة، خلطات التبييض والتفتيح وتطويل الشعر، الشيخ الذي يصبّرها على الخيانة، ثم يحوّلها إلى الملائكة لتكمل المشوار وتلعنها، الأزواج المطحونون في أعمال شاقّة، ودوامات مطولة بين مكائد مدراء أمثالهم، ماكينات الصرّاف المتنقلة في درك الهرم الاجتماعي، قصص الخيانات التي يألفونها في محضر رجال آخرين لينالوا “تعزيز” مكائن الصرف الأخرى في الاستراحة، التعزيز الذي يرمم كرامتهم المهشّمة منذ اللحظة التي فشلوا فيها في اختيار اليد الصحيحة لصب القهوة ومناولة الفنجال إلى اللحظة التي قررت أمهاتهم تزويجهم، ورضوا بالصفقة كي يثبتوا أنهم رجالا صالحين يبحثون عن “الحلال”، كل هذه القصص التي تدور في فضاءات المجتمع، في فنونه، في أدبه، في أغانيه، في هاشتاقات تويتر، في المنشن تحت تغريدة تحمل هذه التدوينة، تحمل رسالة واحدة: هذه الزوجة تكره نفسها، هذا الزوج يكره نفسه ، وإلا فما هو السبب الذي يدفع إنسان لتدمير نفسه بهذه الطريقة المروعة؟

إن كل استشارات الزوجات والأزواج، وكل حلطمات أصدقاءنا المتزوجين المحاطة بسياق (الزواج) تخلق ارتباطا ذهنيا لدى الأفراد والمجتمع بين “حبّ الذات” والتحرر من علاقة زواجية سامة، بين حب الذات وإعادة إنعاش زواج يحتضر، وأن الطريق الوحيدة لإنجاح العلاقة مع الزوج/الزوجة هي حب الذات! وبقدر ما يحمل هذا الكلام معانٍ صحيحة، إلا أنه يخلق ضغطا غير مبرر تجاهنا نحن العازبات والعزاب، الجميع يقول لنا: ماذا تفعلون كل هذا الوقت في حياة خالية من الالتزامات الزوجية والأطفال؟ انظروا إلينا نحن لم نحب أنفسنا كفاية فتزوجنا مبكرا، إذن عليكم أن تشغلوا وقتكم بحب أنفسكم حتى تتزوجوا زواجا صحيا وسليما.

وهذا هو الفخ!

إن ليلى، والأزواج التعساء، يرتكبون ذات المغالطة، بوجهين مختلفين، فليلى تتباهى بحب ذاتها وتربط ذلك بتخليها عن فكرة الزواج، والأزواج التعساء يحرّصونك على حب ذاتك ويربطون ذلك بحصولك على زواج أفضل.

الحقيقة التي لم يقلها أحد لك:

إن العزوبية ليست طريقا ولا تعبيرا عن حبّك لذاتك، إن العزوبية لا تعني الخلوة السّامية النبيلة، التي هي جوهر اكتشاف الذات ومحبتها، نعم تمثل البيئة الزواجية محيطا مُشتتا يجعل المرء مشغولا بالخارج أكثر من داخله، لكن ذلك لا يعني أن الأعزب متفرغ بالضرورة لذاته، فالإنسان في معدنه هارب ماكر، وسيجد طريقه للتشتت والهروب من نفسه حتى لو كان أعزبا، كما أن الإنسان السوي سيجد طريقا للخلوة السّامية بذاته حتى في محيط خمسة أطفال يتقافزون حوله. استحضر هنا مشهد الأم في انستغرام، التي جلست تبكي في الخزانة، يطرق أطفالها الباب ويدخلون أصابعهم الصغيرة من تحته بحثا عنها، وكان كل الذي أرادت الحصول عليه هو : وقت خلوة خاص تأكل فيه حلوى تحبها. هذه المحاولة، هذا البكاء هو أحد تجليات حب الذات.

المرأة التي اختارت زواجا سعيدا، وتجلس مطبّقةً الجلد المترهل بعد الولادة، والرجل الذي اختار زواجا سعيدا، ويحاول المنافسة ما استطاع في سوق السكس باك، ويختار أن يرتدي بيجامة أنيقة بدل السروال والفنيلة، يحبان نفسيهما أيضا، الثلاثينية العزباء التي ترفض الضغط الاجتماعي لأنها لا تحب أن تكون متزوجة بظل راجل، هي تحب نفسها، الأعزب الذي لا ينحني للقبيلة التي تريد جيش أحفاد، هو يحب نفسه، الرجل الذي يطلق بإحسان رغم تعزيز المجتمع هو يحب نفسه، المطلقة الأربعينية التي تزوجت شابا في العشرين رغم تعيير المجتمع هي تحب نفسها.

حبّ الذات لا يعيقه الزواج ولا تضمنه العزوبية، بل يعيقه مطاردة رغائب المجتمع واشتراطاته، حبّ الذات، ليس الكرت السحري الذي سيجلب لكِ الحبيب، ولا هو سنابك الذي ترميه على فتاة تمشي في البوليفارد دون أن تتكلف الوقوف لتحيتها والتعريف بنفسك، حبّ الذات هو مجموعة من الاختيارات اليوميّة التي تتخذها لمضاعفة مكاسبك من المعطيات الموجودة في حياتك والتي تولّد لك مزيدا من الخيارات!

“حبّ الذات” قناع يرتديه عزّاب الثلاثيين أحيانا، ليخفوا شعورهم بالعار الاجتماعي، والهزيمة، فالذي يحب نفسه فعلا يعرف أن حب الذات رحلة مليئة بالعثرات المحرجة، وبالانتصارات الباهرة، وأنها لا يمكن أن تُختزل في الحالة الاجتماعية. العزوبي المحبّ لذاته منشغل بها، لن تجده محاربا للزواج، ولا “ميتا عليه!” لقد عرفت عزّابا كُثر كان يدّعون عدم رغبتهم في الزواج وأنهم كرّسوا حياتهم لذواتهم، وكان ذلك على سبيل التزييف لا الحقيقة، أدركوا ذلك عندما طوّروا وعيهم، كنتُ منهم.

مثال رائج لكذبة حب الذات في مقابل الزواج/العلاقات

إن كشفت عنّا قناع “حب الذات” فلماذا نحن عزاب في الثلاثين؟

الفصل الأول: لم أحبّ سندريلا، ولم يحب أميرها

التدوينة القادمة

10 thoughts on “عزَّاب في الثلاثين: هل فاتنا القطار أم فاتكم؟

  1. حبّ الذات هو مجموعة من الاختيارات اليوميّة التي تتخذها لمضاعفة مكاسبك من المعطيات الموجودة في حياتك والتي تولّد لك مزيدا من الخيارات!

    أتفق مع هذا التعريف 👌🏼

  2. الصورة في نهاية المقال مبدعة والاكثر ابداع الكتابة والسرد والمفردات والافكار.. ماشاء الله اضيفيني للسته قراء المدونة والمعجبين بكتابتاتك.

  3. شكرا منال شكراً جزيلاً
    كنت حاسه باني ضايعة احب الزواج وارغب اني ارتبط بشخص مناسب ومع هذا احب نفسي
    وكنت اقول ليه فيه تعارض بين حب الذات وبين الرغبة بالزواج ! ولاني صرت ٣٢ شكيت اني مااحب ذاتي واني لما اسافر واروح صالونات وادخل جيم و اعيش يوم بالسبا واهتم بنفسي واعبر عن رغباتي واختياراتي هذي كلها محاولة اثبات اني احب نفسي ومو محتاجه رجل ، لكني بالعمق اقول ماله دخل مايتعارض انا احب اسوي هالاشيا وبكون مبسوطه اكثر لو فيه رجال يشاركني اياها

  4. باختصار:

    “حبّ الذات هو مجموعة من الاختيارات اليوميّة التي تتخذها لمضاعفة مكاسبك من المعطيات الموجودة في حياتك والتي تولّد لك مزيدا من الخيارات!”

    سنة الزواج وتبعياتها هي ضمن مجموعة الاختيارات اليومية والمعطيات الموجودة في التعريف أعلاه والله -سبحانه- الموفق، آمين.

اترك رداً على بشائر إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.