مُحادثات خطرة! كيف تتخلص من الاستفزاز في المحادثات

كنت أذرع ناصية بوليفارد الشيخ محمد بن راشد مشيًا -بعد خيبة أمل في غداء لذيذ – ووجدت نفسي أجتهد في العناية بكل مُفردة تخرج مني في مهاتفة عمل ساخنة بين شريكين يرفضان التعاون، وبين جملة وأخرى يتقاذفان إهانات إبداعيّة لاستمالتي لأحد الصفّين، ذلك النوع من الاجتماعات الذي يحاول أطرافه استخدام (المستشار/ة القانونية) فقط لإدانة الطرف الآخر، الأمر الذي يتعارض جذريا مع أهدافي.

 عندما تعملين في القانون فإن ذلك يشبه العمل في غرفة الطوارئ، سيأتي الجميع غاضبون، أو خائفون أو حتى راغبون في الانتقام، وربما على بُعد لحظات من ارتكاب حماقة أو جناية، ليس فقط في الأعمال، حتى مع العائلة والأصدقاء، قد نصنع أو نجد أنفسنا في محادثة خطرة، لذلك؛ وعند انتظار رحلتي للإقلاع كان كتابا بعنوان HBR’s Must Read On Communication لافتا، واشتريته فورا عندما رأيت في الفهرس مقالة: Taking the Stress Out of Stressful Conversations, By: Holly Weeks أو عنوان: تخليص المحادثات المستفزة من الاستفزاز!

نحن حيوانات تعتاش على الكلام، بالمعنى الحرفيّ للكلمة، نستلذ بإجراء المحادثات، قصديا وعفويا، يقربنا “الحشّ” من بعضنا كتعبير عن الثقة والتراص في ذات الفريق! نتجاوز الحرف إلى المجاز، ننسج قصيدة حوارية، وعندما ننفذ من الأشخاص نتخيّل حوارات والعة داخل رؤوسنا نستمر في تصعيدها بتخيل الردود، كيف يمكن لهذا الحشد الهائل من المحادثات أن يكون آمنا دائما؟ بالطبع؛ لا يمكن تلافي المحادثات الخطرة والمستفزّة، ، يمكنك أن تخسر وظيفة أو علاقة إنسانية رائعة لأن حوارا طائشا اغتالها.

تطوير المحادثات المستفزة عوضا عن تلافيها:

لماذا لم نفكر سابقا في “استثمار” المحادثات المستفزة؟ ببساطة لأننا لا نتوقعها، وبمجرد حدوثها تكون مشاعرنا قد انغمست فيها بما يجعلنا غير موضوعين، وتتضارب مصالحنا حينها مع ما يحدث. هل لاحظتم الخلل الجذري؟ نحن غير مستعدين!

الاستراتيجية الأولى: الاستعداد

يتطور الاستعداد من خلال تنمية جانبين أساسيين:

أولاً: المعرفة وهي رحلة وعينا بذواتنا، نركز دائما على “كيف تتعامل مع الشخصيات الصعبة” وهذا تركيز في المكان الخطأ! كيف؟ بلا شك أننا خضنا سابقا عددا من الحوارات المستفزة، عوضا عن التساؤل عن دوافع الأشخاص الآخرين، ووقاحتهم، أو حتى غباءهم، سيكون من الأجدى أن نتساءل: (لماذا وكيف) : لماذا نجحوا في استفزازنا؟ ما هي “نقطة الضعف الحساسة” التي ضربوها فهاجت مشاعرنا؟ هل كانت حساسيتنا عالية تجاه الشعور بالعدائية؟ بالتحدي؟ بالانتقاص من مهاراتنا؟ من عائلتنا؟ من خياراتنا الحياتية؟ أم ماذا؟ السؤال الثاني: كيف نتصرف عادة حيال استفزاز نقاط ضعفنا. هل ننسحب بهدوء أم نصعّد بلا هوادة؟ هل  نغلّب الحكمة والمصلحة التي تعزز موقفنا أم نرد الصّاع صاعين حتى لو كان ذلك ضد أهدافنا؟ كيف شعرنا بالمجمل بعد انطفاء الموقف، إيجابيا أو سلبيا؟
إن مراقبة أنفسنا بطريقة رحيمة لغرض تطويرها لا جلدها هي طريقة فعالة جدا في رفع استعدادنا في خوض المحادثات المستفزة ، عندما نجد أنفسنا في محادثة خطرة المرة القادمة، سنتساءل: هل هذه المحادثة تلعب على وترنا الحسّاس؟ هل يتجه الحوار/الاجتماع/ الخصام نحو مناطقنا المظلمة؟ نعم؟ لنستخدم أحد هذه التكتيكات:

تقسيم المحادثة: غالبا ما تفتح ملفات عشوائية في المحادثات الخطرة، يبدأ الحديث عن تأخرك في الحضور، ثم ينفتح ملف أدائك العام في الربع الثالث كله! يبدأ العتب على تفويتك حدثا هاما مع العائلة/الشريك، ينتهي إلى التفوّه بأنك بالكامل اختيار خاطئ! ولا يعود حينها العتب على  قدر المحبة، بل على قدر المحادثة المستفزة. هنا ناور بالتقسيم ، بقول شيء مثل: “طيّب، أعتذر على التأخر، أعتذر على غيابي المتكرر عن العائلة، أما فيما يخص أنني الاختيار الخاطئ، ربما! لنتحدث عن ذلك على العشاء الليلة، أوعدك” ثم أوفِ بوعدك. قد تنتهي محادثة العشاء بعبارة مستفزة أيضا، لا مشكلة، لمرة ثانية تابع التقسيم (لين الله يفرجها)

احترس من التحكم بك: في لعبة الشطرنج، يمكنك أن تتحكم في اختيار الحركة التالية لخصمك بخلق “حالة” تجبره على الاستجابة بتحريك بيدقه في مربع الفخ، ثم تصطاده، تضعه بين خيارين سيء وأسوأ: التضحية بالوزير حماية للملك! هل التضحية بالوزير كانت حركتك المرغوبة أم تحكم الخصم بك وسيادته على ملعبك؟ نفس الشيء يحدث في المحادثات الخطرة، قد تجد نفسك في وجه إهانة مُسدّدة لتخلق لك “حالة” موهومة بالخطر، حالة زائفة من الـ “تشك ملك”، تدفعك للتضحية بسمعتك، بمظهرك العام، بأخلاقياتك، بالعلاقة كلها من أجل “مربع الفخ” .. احترس من أن تكون مجرد مستجيب لفخاخ الآخرين، وفي حين تظن أنك انتصرت، سترى لاحقا عندما يختفي البارود أنك أطلقته على هدفك. وقتلت الملك! اسأل نفسك دائما: هل أنا أتصرف في هذه المحادثة لصالح أهدافي؟ أم أستجيب لخطة مضللة لتحقيق أهداف الآخرين؟ هل علي أن أتوقف وأنسحب؟

ثانيا: التدريب: لا استعداد بدون تدريب، اختاري صديقة تعتبرينها ممتازة في إدارة المحادثات وتثقين بصراحتها معك، ابدأي معها المحادثة المستفزة السابقة أو المتوقعة، وأخرجي كل مكنونك المستفز كما ترغبين، بدون فلترة، اسأليها كيف بدوتِ أمامها؟ هل الصورة الظاهرة تتفق مع أهدافك؟ سجلي ما الذي يمكنك تلافيه أو تحسينه؟ أعيدي المحادثة مرة ثانية ولكن اختاري مفردات أهدأ، قوية لكن ناعمة، هادئة وحاسمة، كوني متحكمة على سياقك الخاص. اسأليها الآن عن لغتك الجسدية، هل كانت متوائمة مع النبرة؟ كيف يمكن تحسين ذلك؟ … كرري.

الاستراتيجية الثانية: المناورة

في حين يطوّر الاستعداد قدرتنا على التحكم قبل استفحال المحادثة المستفزة أو حتى قبل بدئها، ويعزز قدراتنا الحوارية، إلا أننا حتما سنجد أنفسنا في قلب محادثة مستفزة لم نستطع تلافيها، هنا لنستخدم هذه التكتيك: (صندوق العبارات الجاهزة للاستخدام) في هذا النوع من المحادثات تنشغل أدمغتنا بمعالجة مشاعرنا الملتهبة، وأفكارنا العشوائية، ويصعب أن نركز في اختيار كلمات مناسبة، من العبقرية أن نكون قد احتفظنا وحفظنا مجموعة من العبارات الجاهزة للاستخدام دون تفكير كثير، بنفس الطريقة التي حفظنا وتعلمنا الإسعافات الأولية، مجموعة من الإجراءات الجاهزة للطوارئ، سأعطيك اقتراحات مفيدة لكن اضف عليها لمستك الخاصة، من كلماتك الخاصة، من لهجتك، من نبرتك المعتادة، فبذلك سترفع من فرص تذكرك مثل:

عبارات الاحترام: إذا كنت بصدد تقديم ملاحظة أو “عتب” تعرف أن شريكك قد يجرك بعدها نحو محادثة مستفزة، صدّر حديثك بعبارات الاحترام مثل: “لاحظت أنك تعمل باجتهاد، ربما تمر بظروف استثنائية هذه الفترة تؤثر على أدائك العام، نحتاج إلى حضورك الاجتماعات في الموعد المحدد، هذا يساعد الفريق، وسنقدر مساعدتك” ، أو مثل: “ألاحظ أنك تعمل لوقت متأخر، ربما هي طريقتك في الحصول على مساحة خاصة، العائلة تحتاج وجودك، وعلى أنني أحترم حقك في المساحة الخاصة، سيساعدنا جميعا أن تخبرني قبلها، وتشاركني احتياجاتك، هذا أفضل من ترك الأمور للتكهنات”

عبارات مشاركة المسؤولية: مثل: صحيح أنا أتحمل مسؤولية عدم التعبير بصراحة عن احتياجاتي، احتجت وجودك في الاحتفال بترقيتي هذا الخميس، افترضت أن ذلك معروفا عندك، فلا بد أن نتشارك نجاحاتنا.

عبارات التصريح بالنوايا: سواء كنت الطرف المستفَز، أو تتوقع أن الطرف الثاني سيُستفَز، صرّح بنواياك السليمة، فلو اتهمك أحد بأنك عنيد أو “تستعبط” ، بدل من أن تنجر للدفاع، قل شيئا مثل: ممكن أن تكون عباراتي توحي لك بذلك، أعتذر! كنت أقصد التعبير عن محبتي/عتبي/ احترامي/ رأيي ..” تحمل مسؤولية ضبط كلماتك وفق نواياك، لا تتحجج بالنوايا السليمة على سوء التعبير، النوايا لا تهم إذا لم تترجمها الكلمات

قبل قراءة المقال، كنت بطبيعتي أحتفظ بحزمة عبارات جاهزة، لم أتعلم التكتيك هذا لكنني عرفته بالتجربة، وسأغششكم عباراتي:

عبارات الأسئلة: عندما أجد نفسي منجرفة نحو اتهام الطرف المقابل، (أفرمل) وأضع العبارة في صيغة سؤال، بدل: أنت تحاول إهانتي، أقول: هل تحاول إهانتي؟ الاتهام مستفز، أما السؤال فصادم، ذلك يدفعنا جميعا للتوقف والهدوء.

عبارات أنا، وليس أنت: لو سألتني ماهي أسوأ كلمة تقال في المحادثات الخطرة، لن أقول لك الشتائم ولا الإهانات ولا الاتهامات، بل هي كلمة “أنت”، مهما كان ما بعدها، فأنت تلقائيا حفزت الطرف المقابل للدفاع، وخلقت حالة هجوم، بدل: “أنت تقصّر في الاهتمام بعلاقتنا” أقول: “أنا أحب الاهتمام واحتاجه بدرجة أكبر مما نفعل هنا”.

تعقيب النقد باقتراح: لا تتركي عبارات النقد عالقة في الهواء تستجر من كرامة الطرف المقابل، قللي من انكشاف الطرف المقابل بتحويل الضوء نحو اقتراح بناء، مثل: لا تقولي: أشعر أننا لا نتواصل بشكل فعال، وتسكتي، بل عقبي فورا باقتراح: أشعر أننا لا نتواصل بشكل فعال، ما رأيك أن نعتمد وقتا أسبوعيا ثابتا لنا دون مشتتات؟

وأنتم، ماهي عباراتكم؟

المحادثات الخطرة ستحدث رغم كل ما سبق، لكن بزيادة وعينا، وتطوير مهاراتنا التواصلية، ستكون المحادثات الخطرة فرصة لاستثمار الموقف لصالنا. جربوا ولاحظوا الفرق.

2 thoughts on “مُحادثات خطرة! كيف تتخلص من الاستفزاز في المحادثات

  1. مرحباً أستاذة منال
    أهنئك على المقال الرائع والثري بالمعلومات
    سلمت يداك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.