المكان هنا مزدحم، خلاف ما توحي به الصورة، انتظرت لفترة حتى أسمح للخلفية بأن تبدو أقل ازدحاما، فتحت هذه التدوينة لأكتب عن موضوع محدد، لكن مزاجي كان أنسب للحديث عن حالة الوقوع في فخ اليوم رقم (50) في الكارنتيا ثم الانعتاق من حالة الـ (#خليك_في_البيت) التي عمّت العالم، الحركة الدائمة في هذا الكافيه البهيج، الوجوه المتغيرة باستمرار، الاثنان الجالسان جواري المتحدثان بلهجة جداوية تتدفق في هذه الصحراء كهدير موج الساحل الغربي ونسائمه، الفتيات يستغللن لائحة الذوق العام بالتخلّص من العباية بأناقة لا تبدو عفوية ولا متّسقة مع السياق، لكنها جذابة وبهيجة وتدفع الأدرينالين كما تفعل الحبكة المباغِتة Plot Twist في الموسم الثامن من مسلسل طويل ومرهق. لا يمكن أن يكون المشهد أمامي (سعوديّا) أكثر من ذلك، هذه هي الحياة العامة بعد الحادي والعشرين من جون 2020م بعد رفع إجراءات الحظر في السعودية، مع الحفاظ على الاحترازات الصحية العامة.

اليوم رقم (50)

منذ بدء الحظر وتصاعد إجراءات -الحبس-، خسرت فيه رحلة إلى أثنيا، وأخرى إلى نيوريوك (عسى ألا تلحقها الثالثة في ديسمبر) وكل ذلك كان مفهومها ومحتملا، كانت عائلتي تكرر الإطمئنان، يسألني الأصدقاء بتشديد السؤال: “منال، كيفك؟” وأجيب دون تفكير مطوّل: “حلاوة! لا مشكلة على الإطلاق” عاد أصدقائي إلى عوائلهم ولأسباب عديدة لم أستطع، لكن عقلي مقتنع بما يحدث، ومادام عقلي مقتنع، فمسألة الشعور مقدور على معالجتها. هذه هي طريقتي في التكيّف: ما دمت أفعل الصواب، فعلى مشاعري أن تلحق بي! عليها ألا تتضجر، ألا تعترض، وحتى لا تحزن. أنا ماهرة في إدارة مزاجي، قصصت شعري وأحببت للغاية كيف بدا كإطار مذهّب عتّق صورتي، لكن شيئا ما… كان ينمو داخلي طيلة هذه الأيام، ويتضخم كمارد، ذلك هو الاكتئاب.

فجأة، كل شيء أخذ في الانهيار سريعا، حتى صحتي، قرر جسدي أن يرسل لي إنذارا شديد اللهجة، 10 أيام متواصلة من الإفراغ المستمر لكل ما يدخل جوفي، غثيان من حتى من طعم الماء، صداع يضرب رأسي بشكل مباغت، كنت أقاوم ببسالة غير ضرورية، كل يوم أقول ..سينتهي كل شيء وسأعود بخير، يأتي اليوم التالي ويبدأ كل شيء من جديد وبقوة البدايات، لقد احترمت جسدي كثيرا على إعلانه حالة الطوارئ وهزيمتي، يتصل أخي، أغلق السماعة وأغرق في بكاء طويل لا أتبيّن سببه، تتصل أمي فأبكي، يتصل أبي فأبكي، يتصل أصدقائي فأبكي، أنتاقش مع مديري بين جملة وأخرى (Mute) وأبكي! …. لقد خرج كل شيء عن السيطرة، وصورتي تجاه نفسي أخذت تتضح أكثر، عليّ أن أتوقف، وأصغي لمشاعري بدلا عن إدخالها في مارثوان غير عادل لتلحق بي!

تصحيح المسار

أنا – بطبعي- أنزع إلى موارد البهجة، أضحك بدون بروتوكول اجتماعي، فائقة الحماسة للحياة والخروج وممارسة الأنشطة الجسدية، كبح كل ذلك لخمسين يوما متواصلا كان يعني فقط أنني قادرة جدا على إدارة المهام تحت الضغط (تلك الجملة التي نكتبها في السيرة الذاتية ولا نقصدها) لكنه لفت نظري إلى أنني أفقد الاتصال بداخلي عندما أتطرف في الاتصال بالمهام الخارجية، لذلك أول خطوة تصحيحة اتخذتها هي: حجز موعد في المستشفى، وأخذ إجارة من العمل. ولا أعطي نفسي نيشان الخطوة الأولى فأنا أخذتها تحت ضغط الصديقة الجميلة، نخب الأصدقاء الذين يأخذونك إلى الطوارئ رغم تكاسلك.

لم أرغب في تصحيح مسار معالجتي لهذه الأوضاع، بل تغييره بالكامل، لقد نظرت إلى كتاب (السماح بالرحيل) على طاولتي وتذكرت أنني لم أكمله، لكنني لم أجرؤ على مواجهته قبل مرور أسبوعين من كارثة اليوم رقم (50)

لا شيء طبيعي لأعود إليه

منحت نفسي أولوية مستحقة، ليس في التعامل معها، بل في مجرد (الإصغاء)، بدا سوء الفهم ممتدا بيني وبين نفسي حتى بعد قرار الإصغاء فلم أكن أعرف مالذي أحتاجه بالضبط، جربت عددا من الحيل (هنا) بدون جدوى حقيقية، فحيل المزاج الرديء يوم سبت، ليست هي التي يفهمها الاكتئاب، كانت الأمور مشوّشة داخلي والأصوات متداخلة دون أن يعلوها صوت واحد واضح، لذلك قررت تجربة شيء جديد، فكرة جديدة، منهج جديد، وكانت طريقتي هي: البحث عن فكرة لا أؤمن بها. وأصغي إليها، مادامت نفسي توقفت – احتجاجا على الإهمال المستمر – عن التواصل معي بوضوح، فأنا أحترم الموقف الثوري هذا، ومادامت (خربانة خربانة!) فسأسمح لأفكار ومشاعر غريبة علي أن تدخل ولتحترق بابل أو ربما فلتُزهر، بعيدا عن المجاز؛ فالحقيقة أن هذه مهارة أحبها: عندما تعجز عن التواصل مع نفسك، استفزّ جانبها النقدي، ادخل عليها أفكارا مغايرة. ذلك يناسب عقلي التحليلي الناقد، كان علي أن أنهكه أو أطلق عليه رصاصة رحمة، لتبدأ الأمور من جديد وبهدوء وعلى صفحة بيضاء. و”كم كان سعيدا حظي حين عثرت يا عمري عليك” أقصد تلك الفكرة التي استفزت كل تفكيري. لقد أغرقت عقلي في عشرات الساعات من المقاطع على يوتيوب ومنصات أخرى يقدم فيها مؤمنو تلك الفكرة وسفراؤها شروحاتهم وحججهم وتجاربهم، وددت لو أشاركها هنا لكن سياق التدوينة لا يناسبها.