ليالي الأُنسِ في پاريس (قطعة أخيرة)

لست من السيّاح الذي يحملون أدلّة إرشادية أو يسجلون مع مرشد سياحي، لست أيضا ممن يجمعون قوائم بأشهر الأماكن أو يسألون عن توصيات لأفضل المطاعم، أبدا … أنا أسافر لأتحرر من صرامة الجدولة، طريقتي بسيطة جدا وهي: المشي! المشي في كل مكان، اكتشاف كل شيء بالصدفة، التعرّف على الأشخاص بالصدفة أيضا، ساعة أبل لم تستطع مجاراة أرقامي في پاريس، كل يوم أسجل رقما جديدا وأكسر الرقم الذي قبله، جميع أحياء پاريس مشيت فيها، وفي كل وقت، أستيقظ صباحا، أرتدي فستانا نهاريا، أتجه إلى الصالون المحاذي للفندق، ثم أمشي..أمشي إلى أن تغيب الشمس، أعود إلى الفندق مشيا أيضا، أغيّر ملابسي بأخرى تضاهي السهر في پاريس، وأخرج لأمشي مجددا، لذلك لا أحب الكتابة عن المعالم الشهيرة رغم أنني بالطبع مررت بها، وأعرف الكثير من القصص، لكن بالتأكيد البروشورات السياحيّة ماكانت لتمنحني ذات القصة التي مشيت إليها مسافة 50 دقيقة من القطعة الخامسة تقريبا إلى القطعة العاشرة لألتقي بأغرب متسوّل لم أتخيّل يوما أن ألتقِ به.

وصلت پاريس في ذروة الإضراب احتجاجا على تغير قوانين التقاعد، المواصلات العامة معطلة، وشرايين المدينة تتفجر من حمرتها على الخريطة، قيمة أوبر بعشرين ضعف مع انتظار لدورك في الركوب يصل إلى الساعتين، كنت موعودة بلقاء مجموعة من الأشخاص أخبروني أن علينا أن نلغي خطط اللقاء لأن المواصلات صعبة، أخبرتهم ببساطة: ابقوا في أماكنكم سأمشي إليكم، وللأمانة كان ذلك فعلا غير محسوب، فهم يسكنون في مكان أقلّ أمانا، وكنت أتوقع ذلك لكن ما أن وصلت حتى خاب توقعي فالمكان بالفعل خطر، كان المكان المحدد جوار بيت الشباب المعروف (Generator Paris) وكنت قد طمأنت نفسي بأنني سأصل إلى مكان مزدحم بالشباب إذن لا مشكلة، لكنهم كانوا هم المشكلة، المكان يحيط به المهاجرون من كافة الجنسيات، يتحركون في مجموعات بشكل مريب ويقتربون من كل غريب لتخويفه، كان المطر قد بدأ بالهطول حالما اقتربت، لذلك بدأ الناس في دخول بيوتهم باستثناء هذه المجموعات المريبة، غربت الشمس بعد دقائق من وصولي، وصلت قبل المجموعة لذلك لم أشأ أن أظهر أنني أقف بمفردي فقررت المشي نحو أقرب مقهى، مشى خلفي مجموعة من هؤلاء، التفت إليهم (أي خدمة؟!) فانصرفوا، تابعت المشي وأخيرا بدأت لافتة المقهى في الظهور، قطع طريقي رجل في أول السّتين من عمره، ظل يقترب مني بلا توقف وأنا أحاول أن أثبت، مددت يدي لأدفعه، لكنني لاحظت جرحا ينزف منه دم طازج أعلى عينه اليسرى فتمهّلت،قال بانجليزية ممتازة: “لا أريد منكِ شيئا، فهذا أول مشوار لي بعد الخروج من السجن، اسبريسّو … فقط أريد اسبريسّو” كونه بادر بالحديث بالانجليزية هذه علامة سيئة فالرجل يعرف أنني لست من مدينته، تجاهلته ومشيت بتباطؤ لأنه بالفعل قد أثار كل مخاوفي ولكن في نفس الوقت أثار فضولي، ألا تريدون أن تقابلوا شخصا يتذوّق الحريّة أمامكم؟ يريدها بنكهة اسبريسّو؟ هل يكذب؟ ربما .. إذا كان خرج بالفعل للتو من السجن فلماذا ينزف وجهه؟ هل هرب؟ اوف! هذه قصة ممتعة أكثر… لقد شاهدت كل حلقة من من سلسلة وثائقيات (هروب ماكر) على ناشونال جيوغرافيك وأعدت كل حلقة على الأقل خمس مرات. لذلك أردت أن أعرف!

فراغات بورنو كاتالانو

لا بد أن صورة لمجسم متجزيء بيده حقيبة سفر قد مرّت بك، في إحدى الليالي وبعد بدء ليلة ماتعة على أضواء المدينة ولمعة إيفل في السّماء، قررت المشي نحو شرق المدينة، بدون هدى، الأضواء خافتة والمعالم شبه مختفية، وقبل أن أصل إلى ساحة الباستيل مر بمحاذاتي مجسّم غريب، قررت أن أبتعد لأراه بوضوح، وهذه أجمل مفاجأة، بدون قصد وجدت نفسي عند معرض دو ميسيز ، جوار بيت فيكتور هوغو، وظهر المجسم البارع أمامي، الذي هو أحد أعمال بورنو كاتالانو

الثيمة الأساسية لأعمال بورنو هي السفر والترحال، وتجزؤ الإنسان كلما عبر، تنتشر تماثيله في عدة أماكن وتتم محاكاتها بذات الفكرة، كتل من الفراغ يحيط بها جسد مرتحل، حيث تبقى الحقيبة مجرد كيان مكتمل غير متفاعل، يأكل الترحال من وجود هذا الجسد، بالبرونز – وكما أراه- كان كاتالانو ينحت الفراغ لا الجسد، الفراغ هو موضوع الفكرة الفنّية هنا، كاتالانو نفسه اضطر إلى الترحال ليجمع رزقه ورزق ابنته، كما يفعل أيّ فنان لم تتقبل حتى عائلته ولعه بالفنّ والنحت (كعملٍ حقيقيّ) ، كانت صدفة أجمل من موعد غرامي أن ألتقي عملا فنّيا طالما فُتنت به.

2 تعليقان to “ليالي الأُنسِ في پاريس (قطعة أخيرة)”

  1. يقول ابراهيم:

    bravo منال 😂 انتِ خطيره والله

Leave a Reply