ليس لمرة واحدة؛ بل عدة مرات؛ كانت الكتابة هي الطريق الذي تهتدي إليه روحي كلما دفعتني الحياة نحو حوافّها ولعبت معي لعبة: كوني أو لا تكوني؟ وفق الطريقة المسرحيّة التي سطّرها شكسبير في مسرحيّة “هاملت” ، وبين أن أكون أو لا أكون كنت أختار: أن أكتب!

يبدو السؤال في عنوان التدوينة دراماتيكا؛ وفي الحقيقة وددت لو أصيغه بطريقة أقل تحفيزا مثلا : الكتابة كوسيلة مقاومة! أو بطريقة مدرسيّة مباشرة: أهمية الكتابة! .. لكن ماكان شيء من ذلك سيعبّر كفاية عن الطريقة التي شكّلت بها الكتابة ذاتي، ودون مواربة: لقد صنعتني.

الكتابة عرّفتني بنفسي:

أقدم قصاصة ورقية يحتفظ بها والدي لي، كانت قطعة ورق بمساحة اصبعين صغيرين، كتبت فيها إلى والديَّ خطابا موجزا حول رغبتي في النوم معهما في غرفتهما، أرفقت بالطلب رسما تصويريا للمكان المقترح (مربع على الأرض محاذٍ لسريرهما) وأذكر جيدا أنني كتبت ذلك على سبيل المساومة والتنازل عن مكاني في سريرهما، وكانت الخاطرة التي تدور برأسي هي: حسنا لم يعد مقبولا أن أنام معهما، يزعمان أنني كبرت، لكن يجب ألا يرفضا منحني مساحة صغيرة على الأرض جوارهما، دسست الورقة الصغيرة في مكان مرئي خمنت أن أمي ستلاحظه، وبينما كانت قد انتهت من تجهيزي وأخوتي للنوم في غرفنا، قاومتُ النوم حتى نامت أختي، وكنت أنتظر اللحظة الموعودة التي سيصل فيها خطابي، ولأن “الكبار” ينامون متأخرا، أرهقني الانتظار تحت اللحاف البارد وكاد يغلبني الحزن واليأس، لقد بدا لي أنني أنتظرت عدة سنوات ليصل خطابي! حتى جاء صوت أمي مناديا، حينها حملت نفسي ومخدتني ولحافي واتجهت إلى غرفة والديّ، ببهجة وانتصار، في عمر السادسة تقريبا بجسد طري أخفّ من ظله، وروح متطلعة اكتشفت ودون إرشاد كيف منحتني الكتابة القدرة لأن أعرّف نفسي وأعرّف رغباتي، وأتواصل وأفاوض وأساوم ثم أترقب.. الضغط الذي يعيشه طفل السادسة في التحول إلى طرف مستقل (كبير في الصفّ الأول الابتدائي بالطبع!) يجعله يفقد القدرة على التواصل مع والديه اللذان يفترضان منه سلوكا أكثر نضجا، هو لا يريد تخييب أملهما، وشخصيا كانت لديّ نزعة كمالية تضغط علي وتجعلني أرفض أن أكون أقل من المتوقع، لذلك شعرت بالحزن لأنني لم أستطع النوم منفردة ليلتها بسبب مغامرتي في مشاهدة فلم رعب للبالغين وتلك مخالفة أخرى، لكنني حزنت أكثر لأنني لم أحصل على فرصة التعبير عن نفسي، وهذا ما فعلته الكتابة لقد أنضجتني.. لذلك كان ذلك هو الطلب الأخير! حيث لم أشعر بعدها بالحاجة أبدا إلى النوم معهما، لقد تحررت من هذا الاحتياج بمجرد ماكتبت تلك القصاصة البسيطة، لقد تنبّهت إلى سحر الكتابة حينها، لا أعرف لماذا أخترت هذه الطريقة، لكنني كنت أقرأ كثيرا، وكان لديّ مخزون من المفردات غير المستعملة، وكانت الكتابة فعل بدهي. وبعد عدة ليال قررت أن أكتب رسالة إلى الأشباح في ذلك الفلم أخبرهم فيها أنني لم أعد خائفة.

ذلك ما تفعله ابنة الثالثة والثلاثين الآن، إنني أكتب للذين أحبهم رسائل عديدة، قد لا أرفق كتاباتي برسوم توضيحية كما فعلت تلك الصغيرة المساومة، لكن أكتب على أية حال، أساعدهم على فهمي، وأساعد نفسي على فهمهم كذلك، كل ذلك يحدث من خلال رسالة.

يحدث لنا جميعا أن نخوض حوارًا عقيمًا مع أنفسنا حول ماهيّة ما نفكر به، وما نشعر به، وما نريده أو نتطلع إليه، ينتهي هذا الحوار بالشعور بالضجر ثم الغضب فالمرارة، في لحظة تبدو أمام نفسك لغزا متضخما، كأنك لم تعرف نفسك قط، يحدث لي أن أصل إلى حالة مزعجة من التغرّب عن نفسي، ثم أجدني أحمل قلمًا وأكتب… أكتب هذا الحوار العقيم الذي يدور، إنني أتحداه أن يجرؤ ويتحول إلى كلمات مرصوفة وجمل مفهومة، لكي تحتويك اللغة عليك أن تكون مفهوما ومنطقيا، ذلك ما يجعل شعور التغرّب منسابا بانهزامية أمام الكتابة، إنه يسقط فحسب، يعجز، إن الأشباح تحوز على رهبتها من خلال التخفي، نحن نخاف مالا نراه ولا نفهمه، وبمجرد ما نسلط الضوء على الاشباح هذه لا تعود موجودة ويبدو خوفنا مجرد نكتة مضحكة، الكتابة هي فعل تسليط الضوء هذا على ما لانراه ولا نفهمه، الكتابة تجعلني مفهومة لنفسي، تجعل حواري مع نفسي مثمرا وبديعا وخلاقا من خلال الكلمات، بعكس ما يبدو عندما يكون عائما في رأسي، تتلاعب به مخاوفي وضلالاتي.

عندما أعود بذاكرتي إلى أوّل قصاصة كتبتها (خارج منهج المدرسة) أستطيع صياغة القصة بطريقة مبهجة كما فعلت أمامكم الآن، لكن ذلك لم يكن الحال دائما، لقد كتبت عدة قصاصات وخطابات بعدها (لمساومات أخرى) لم تنتهِ بطريقة شاعرية، مما جعلني أتعرف على الكتابة كقوّة موازية يعتضد بها قلبي عندما يرتعد، سأكتب عن ذلك في التدوينة القادمة.