” إن كان خوض تجربة الحياة كطفلة جنوبية سوداء أمرًا مؤلمًا للغاية؛ فإن معرفة أن هذا الدور لا يليق بك هو شعور يشبه شفرة صغيرة وصدئة تجزّ عنقك ببطء … إنها فقط إهانة غير ضرورية”

كان ذلك اقتباس مما قالته طفلة سوداء وُلدت في العام 1928م في جنوب الولايات المتحدة الأمريكية حيث تسقط كل الشعارات عند جيناتك التي تختار لك  قسرا لونا جلديا مغايرا، مغايرا بالنسبة إلى ماذا؟ بالنسبة إلى اللون الأبيض فهو الأصل بالطبع.

مارجريت آن جونسون، التي قذفها والداها بعد انفصالهما نحو جدتها جنوبا، برفقة شقيقها “بيلي” الذي يناديها “مايا” ستجدون اسم مايا أنجلو هو الذي اعتمدته لاحقا لجميع انجازاتها، الأخوات مثلها؛ ومثلي؛ ومثلكِ يعرفن تماما سطوة الرأفة التي تغشانا في حضرة إخواننا عندما لا تكون البيئة موآتية لمعايشة سليمة، فنجد أنفسنا وقد اختلقنا لأنفسنا مسؤوليات باهضة الثمن تجاه أخوتنا، لطالما تساءلت عن هذه النزعة الموجودة لدى الأخوات، ووجدت إجابات عديدة، لكنها لا تهم الآن.

مايا، الطفلة المدفونة داخل الكتب، القارئة الشرهة للآداب، التي تتوغل شرايينها مسرحيات شكسبير وروايات ألكساندر دوما، يقدّر لها أن تعيش في الجنوب الأسود حيث اللغة في أشد حالاتها ركاكة، على مسرح هشّ تتداخل الضمائر وتُعجن الأزمنة داخل الأفعال، ورغم أن مايا تحدثت في هذا الكتاب عن معاناتها مع الفقد الأبوي، وتسلط الكنيسة، والسياط التي كانت تجلدها بذريعة التربية، التحرّش الجنسي واغتصابها بفعل خليل والدتها، ثم الحمل في السادسة عشرة من العمر بسبب مغامرة مراهقة واحدة فقط… إلا أنها أدركت بغاية المرارة أن التحلي بروح الشاعرة في منطقة ركيكة اللغة كان عقوبة فظيعة أيضا، بإزاء كل تلك الفظائع.

” يا أيها الشعراء المشهورون والمجهولون، كم من مرّة داوتنا جراحكم، من سيحصي عدد ليالي الوحدة التي صارت قليلة بسبب قصائدكم، من سيعرف كل العذابات التي صارت أقل وطأة بسبب أساطيركم؟! … قد يكون ذلك كافيا، أن نعترف؛ بأن مقدرتنا على النجاة كانت مرتبطة بقدرة الشعراء على الكتابة، وبقدرة القساوسة على الخطابة، وبقدرة المغنّين على الصدح”

بهذه النداءات المهيبة، تسرد مايا العزاءات والسلوى، منذ هزيع عمرها الأول حتى النفس الأخير في عام 2014م ظلت مايا رهينة لرحمة القصيدة، للشعراء السود الذي كان لهم ألا يُقهروا، في كلماتهم بالطبع وليس في واقعهم المغلوب، رهينة لخطب الأحد في كنسية السود التي ترتجّ بالإيمان المفتعل بغية الإجابة: لماذا نحن منكوبون بلوننا الأسود، لماذا هم ناقمون؟! رهينة للجاز، لآلات الموسيقى الالكترونية وهي تصدح وتتردد في صدرها

“وكما كنت أخشى دائما، لا كما كنت أعرف دائمًا وحدها الأوهام تقلقني، تقلقني أكثر من الحقيقة نفسها”

ماذا يمكنك أن تتصوره يدور في رأس فتاة سوداء عُوملت كشيء خالٍ من المعنى والقيمة في ذات اللحظة التي تشعر هي داخلها بتضخم المعنى في سؤال كبير (لماذا عسى كل ذلك يحدث لي؟ ) ماذا سيدور في رأسها غير الأوهام؟ ما سيسكن أطرافها سوى المخاوف، ماذا سيربض على لسانه الطليق البليغ المزهّى بالقصائد سوى الصمت الذي أخرسها لسنوات بعد اغتصابها من هول الفجيعة إلى أن عدّها الناس بليدة وغربية أطوار؟ ماذا سيحوم حول روح هذا الطائر الحبيس من أغنيات؟

أعرف لماذا يغرد الطائر الحبيس” سيرة ذاتية مجتزأ من حياة حافلة بالسياط والأوجاع، وبالمباهج والانتصارات أيضا، تسردها مايا أنجلو منذ نشأتها وحتى عمر السادسة عشرة حيث أزهرت كسيدة جريحة تلاحقت انتصاراتها لاحقا بطعم لاذع مشوب بالنقمة أكثر من كونه انتصار بلّوري زاهٍ.

الكتاب من منشورات دار ميلاد، بترجمة كان يلزمها تدقيق كثير،

اقرأوا مايا.