تجربة شخصيّة| عُشرون يوما من البُطء (ج١)

مُستفزّ صحيح؟ أعني البُطء… عندما يبدأ شخص ما في حكاية قصّة ثم تكتشف أنه يتحدث ببطء مبالغ فيه، تخاطبه بينك وبين نفسك: “كنتُ متحمسا لسماعك..لماذا غدرت بي؟” أو عندما تتأمل النادل وهو يضع ثمانية أطباق على الطاولةببطء مستفز، ليس لأنك جائع، وليس لأن الرضيع في الطاولة المجاورة بدأ في البكاء، ولكن لأنك معتاد على رتم أسرع في القيام بالأشياء، وتفترض من الآخرين أن يكونوا “طبيعيين!” مثلك، بينما هو يحمل الطبق ببطء.. لا تحتمل إلا أن تشغل يديك بعمل ما على الطاولة، ربّما ترتّب المناديل المرتبة، أو تعيد رصّ طقم أدوات الأكل، كأنك بذلك تحاول استعجاله أو تعيش محاكاة موهومة لعلّ المهمة تُنجز بالفعل أسرع! ولا تفهم من فَعّل حياة هؤلاء الأشخاص على خَيار سُلو-موشِن ! تشاهد مقاطع مسرّعة لفنّان ينجز لوحة واقعية في ثلاث دقائق، تبحث عن وصفة طبخ مضغوطة في ١٥ثانية، عندما تطلب من طفل أن يحضر لك كوب ماء، هل تُنهي طلبك بكلمة “يالله بسرعة” بدلا عن “على مهلك” … هل تبدو كلمة “على مهلك” جديدة على قاموسك؟ تقول: من هذا المجنون الذي يُريد لاحتياجاته أن تُنجز “على مهل”؟ إن كنتَ كذلك فعلى الأرجح ستفهمني، وستفهم دوافع هذه التدوينة.

لماذا أردّتُ تجربة شيء يستفزني؟

لقد رُبّيت في بيت يعتبر انجاز الأمور بسرعة واتقان مهارةً تستحق التقدير، وربما علامة على الذكاء، وحيلة في لعبة الحصول على إعجاب الوالدين، وعندما تكون الابن الأوسط، الترتيب الخالي من الامتيازات، ستفكّر كثيرا في اللعب بإلحاح أكثر للصعود على المنصّة وقت التتويج، فلو كانوا سريعين، سيكون عليك أن تكون أسرع، ولقد كان الأمر ممتعا في وقته، وبشكل أدقّ .. ساعدني ذلك على الزهو، أن تُتوّج وأنت الوحيد الذي لم يغشّ في اللعبة. كنتيجة عكسية لذلك أصبح كل شيء يُنجز بشكل أبطأ وأمهل .. علامةَ عندي على عدم الاتقان، وضعف المهارة، وبجرعة من الدراما الواقعية.. علامةً على الهزيمة، وأنا أكره الهزيمة، من صغري. وعندما أقول: “كل شيء” فأنا حرفيّا أعني.. كُلّ شيء.

كُبرت على ذلك، وأضفت له نكهتي الخاصّة، طوّرت مهارة الانجاز السّريع المتقن، استخدمتها في جميع الوظائف التي عملت فيها، لم يحدث أن رُفضت في أيّ مقابلة عمل.. وكنت دائما أذكر هذه النقطة كميزة وفيما يبدو كان الأمر مرغوبا جدا، لا تزعجني مواعيد التسليم لأنني أنتهي قبلها، الأعمال الطارئة لا تُربكني يمكنني تدبّرها، في المجموعة… أكون ذلك الشخص الذي يتم الاتصال به وقت الأزمة ليعالجها أو يخفّف من أثرها، وكشخص مدمن على العمل فكان كل ذلك مصحوب بمتعة فائقة، أحببت الأدرينالين، صديقي الّلدود. ثم لاحظت أن لي تأثير سيء على الأشخاص المتأثرين بي في العائلة أو الزملاء، كنت أستعجلهم رغم اتساع الوقت، أستمتع بخلق جوّ تنافسي دون أن يكونوا مهتمين بالتنافس. أتذكّر أنني أنتقد أخي لأنه يمشي ببطء، أسأله: لماذا لا تُسرع؟! يعارضني ويقول: لماذا أُسرع؟! كنّا نتحاور، وقد ساعدني لُطفه البالغ في الانتباه للدوامة التي كنت أستمتع بالدوخان فيها! دون أن ألاحظ العمق القاتم الذي تجرّني إليه، نحو الأسفل، نحو الهزيمة التي أكره.

هزيمة أن تفوتك نكهة الحياة بينما أنت مشغول جدا بانجازها. أن ترقص أسرع مما تتوقّعه الموسيقى، حتى قررت قبل نحو شهر،  البدء في مشروع البُطء، ولعشرين يوم فقط، دون أن أعرف إلى أين سيأخذني ذلك.

3 تعليقات to “تجربة شخصيّة| عُشرون يوما من البُطء (ج١)”

  1. يقول غادة آل سليمان:

    جممممميلة 💕

  2. يقول نقطة:

    وأنا أيضا كنت أبنة لعائلة تعشق الأنجاز السريع حتى وصل الحال إلى مستوى نبرة الصوت أصبحت النبرة الهادئة مزعجة بالنسبة لهم , لكنني لم أستطيع مثلك مواكبة مارثون الأنجاز المميت ولهذا أصبحت أحمل لقب الباردة , ومع هذا مارست كل تفاصيل الروية بكل سعادة وكأنني كائن بحري يواكب كل حركة موجية بفلسفة فزيائية , البُطء ياعزيزتي الوجه الآخر للعُطل وقد يكون نموذج الشيخوخة في ساعة الوهن , مارسي عشرون يوماً من الروية وأستمتعي .

  3. يقول منيرة:

    ممُتع و سريع للدرجة قراءتي له تُشبه الضغط على السهم لأسفل بسرعة فتمرّ الصفحةُ بك مرور الكرام .
    * تصفيق طويل بطيء حارّ على هذه التدوينة المُنعشة *

Leave a Reply