خرائط التيه … رواية

لماذا تقرأ رواية لأكثر من ٣٠٠ صفحة؟ تبحث عن حبكة مثيرة؟ وقتا لنسيان المهام المعلقة؟ أو مجرد الرغبة في قضاء وقت خاصّ مع المؤلف؟ أزعم أننا في كل مرة نقرأ فيها رواية نكون مدفوعين برغبة محددة حتى وإن لم نستطع تسميتها، عندما اخترت خرائط التيه كنت أبحث عن نصّ يتحدى قاموسي اللغوي، اللغة النظيفة، أردت الالتقاء بمفردات جديدة غير تلك التي نجدها في الأخبار والمقالات، ما أسوأ أن تقرأ رواية مكتوبة كما لو أنها مقال طويل لأن المؤلف يخاف من أن يبدو متحذلقا، أو ربما يريد من الجميع تصوير الاقتباسات السهلة في تويتر، هذه الموجه الساخرة من الكتابة المحترفة(والقهوة المسكينة؟) أصابت الكثيرين بالخوف، أصبح الكُتّاب يريدون الكتابة بأسهل طريقة ممكنةهذا ليس هو طريق الأدب، كما أن الأدب بالتأكيد ليس على طريقة محمود درويش. لطالما كان الأدباء سادة الاشتقاق والتصريف وحتى إنشاء مفردات جديدة. الأدب العظيم كان يرفد لغة النّاس حتى تدخل شخصياته في أمثالهم، وصوره الأدبية في توصيفاتهم، يتدخل الأدب حتى في اختيار أسمائهم على الهوية الوطنية، يا لذلك الخيط الرفيع بين أن تكون أدبيا بليغا لكن في نفس الوقت مفهوما! سهلا ممتعنا، بالنسبة لي، مَللت، مللت اللغة الصحفية، البيضاء، التي تصفّ ثلاث كلمات خالية من أي جمالية بنائية من أجل تحاشي كلمة واحدة أكثر بلاغة لكنها أقل تداولا. بثينة العيسى في خرائط التيهكانت ضربة موفّقة.

سلخ عنها غشاءها، كاشفا عن باطنها الأصفر اللحيم، المتدفق بالعصائر، هذه ليست لك، إنها لي؟

ما الذي تصفه بثينة هنا؟ مجرد ثمرة مانجا.. خدعتك؟! أليس بديعا؟، ماذا عن بياض الشعر جانبي الرأس؟ هذا ما سيقوله الكاتب العادي، بثينة تقول لك: “ فوْديهلغةٌ محترمة يا صاحبي. فازت علي بثينة مرة واحدة في الصفحة ٢٣٣ عندما قالت: “تكاثرت الغضون حول فمه، لم أكن أعرف معنى الغضون هنا، ووضعت فوقها علامة استفهام. كان ذلك كافيا لابهاجي. أهلا أيتها الكلمة الجديدة، تشرّفنا.

امتلأ أنفه برائحة حامضة، وسمع رفيف أجنحة

 أخذ يعدو خَببا

 رائحة الدم، احتكاك المباضع، خشخشة الثلج وهو يطمر عينين سوداوين

كان صوته مُجلّلا بالعار!، المرأة التي هي مزيجٌ من أختٍ كبيرة، وخدينة متمرّسة

داهمه دوارٌ غريب، مثل مليون حاجٍ يطوفُ داخل رأسه

 البعض منا يساعده الله، البعض الآخر .. عليه أن يساعد نفسه .. يا لقلة الحيلة

هذه الصور الشعرية، المجاز المباغت ، الوصف المستغرق للحظة التي تهرب وتظن أنك غير قادر على التقاطها، تِك .. فِلاش .. تلتقطها بوضوحٍ عالٍ، من أجل ذلك كان فنّ الرواية، فنّا يتطلب مهارة الترصّد والقنص. رأيت ذلك في خرائط التيه.

عائلة كويتية صغيرة، مع ابن وحيد.. اسمه مشاري، تتجّه للحج، تنغمس في ثلاثة مليون حاج، شابورة طريّة في حليب ساخن، وفي الدّوامة البيضاء حول الكعبة، يُبتلع طفل السابعة هذا، تضيع الأم في تسابيحها، يسلخ أبو مشاري إيمانه مع إحرامه. عصابة خطف للأطفال؟ بيع أعضاء؟ صحراء سيناء؟ إسرائيل؟ أنت لا تدري أين يمكن أن تصل بك الأحداث، وفي اللحظة التي تعتقد فيها أن الروائية ستأخذ لنقطة أبعد، تقول لك: كفى! لا يهم وتتوقف. تركّز بثينة على التجربة الانسانية في الضياع، ضياع الابن كحدث، ضياع الذات، أكثر من تركيزها على تعقيد الحبكة، النهاية غير متكلفة، وددت لو لم يمكن هناك فصل الرسائل، سيكون من الرائع لو انتهت الرواية قبله.

بقي أن أقول، أنني استغرقت وقتا طويلا في قراءتها، ربما شهر، وذلك أفقدني أحيانا كثافة الشعور ببناء الأحداث، لكنني مع ذلك حصلت على ما أريده منها، سعدت بالتعرّف على بثينة كروائية، وعلى تكوين.

 

2 تعليقان to “خرائط التيه … رواية”

  1. يقول ايمان:

    تدوينه خفيفه وجميله ولكن ليتك ارفقتي معاني الكلمات الغريبه شوقتيني أن أبحث ولكن قد لا أستطيع ذلك و سيبقى ذلك في قلبي حسرة 💔🕊

  2. يقول noupha 🐞:

    اسلوبك في السرد لحاله رواية!
    استمتعت حقيقةً وبعتمد مدونتك لصباحاتي ، اعترف بان الكاتب كاتب اذا: قدر نصه يشدني اقراه مره ثانيه..