التخفّف ، فيلم وأشياء أخرى

بطبيعتي لا أنجذب نحو الفكرة الرسالية، والأشخاص الرساليّين أو التبشيريين/الدعاة، الدعوة والانضمام إلى مجموعة لها شعار ومبادىء وقائمة من الأفكار،شيء لا يشبهني في شيء. أستخدم الأكياس الورقية لأن صوتها يعجبني ولونها وملمسها كذلك، أستخدم الماء بدون إسراف لأنني أكره المبالغة والبلل الفائض، لا تحدثني عن البيئة ولا عن خطورة نقص المياه، أنا لا أريد إنقاذ الأرض لكنني أتصرف كما لو أنني سأفعل، أعتبر نفسي انسانا متخُففا دون الحاجة لأن تحدثني عن فكرة المينيماليزم أو تسميني مينيمَلست، لا أعرف ترجمة معبرة لهذا المصطلح ( المهوسون بكثرة الكلمات العربية نسبة إلى الانجليزيةتفضّلوا؟ ) مفردة التبسيط” – بالنظر إلى الطريقةكلمة أصحّ من التجرّدالتي اختارها مترجمو نتفلكس، لكنني سأختار: التخفّف. بالنظر إلى الغاية. فالغاية من تبسيط نمط حياتك هي أن تتخفف من عبء أحمال مادية غير مبررة.

قبل مشاهدة هذ الوثائقي كان مصطلح مينيماليزم مرتبط في ذهني بكونه أسلوب فنّي أحبه جدا تطوّر في الستينات ميلادية، في الفنون البصرية تحتوي القطعة الفنية أقل عدد من الألوان، وفي التصميم أقل عدد من العناصر، وإذا كنتم سمعتم نكتة حول لوحات الفن الحديث في المعارض، حيث تباع لوحة كبيرة بمبلغ ضخم وهي لا تحتوى على أي شيء غير لون واحد،فهي تحمل هذه الفكرة غالبا، هل رأيتم تاتو لخط واحد أو مثلث بسيط أو ثلاث نقاط متتالية؟ هذه أيضا علامات رمزية لفكرة التبسيط، امتد التأثير أيضا على على الآداب، الرواية المصممة على طريقة المينيمالزم تستخدم مفردات بسيطة ومباشرة وتترك وصف الشخصيات للقاريء (فكرة سيئة)

أن تحرص على ألا تطحنك الآلة الدعائية وتدفعك للشراء غير المعقول لمنتجات لن تستخدمها، هذا أمر سليم، لكن أن تربط بين عدد القطع التي تمتلكها وبين السعادة شيء لا أفضل التسليم به، التخفف الذي أمارسه ليس في الإبقاء على ٣٠ قطعة ملابس لأستخدمها في سنةالفكرة التي يقترحها الفيلمأنا أحبّ الفساتين، أحذية الكعب العالي، وسأشتري منها قطعا لن أرتديها، لأن مشاهدتها بحد ذاته أمر ممتع، ليس لأن العارضة في الدعاية أقنعتني، وليس لأنني أريد قبولا اجتماعيا، أنا أفعل ذلك بدافعٍ فنّي خالص، هذه الأمور بالنسبة لي قطعا فنّية،ولأنني شخص منظّم بطبعه أيضا، فلا يمكن أن تجد في مساحتي قطعا غير مفيدة، في حين يركز الفيلم على التخفف الاستهلاكي المادي. هناك تخفّف آخر أحرص عليه

  • التخفّف من الذكريات

أحتفظ برسائل الأشخاص الموجودين في حياتي الآن، ليس الذين رحلوا بإرادتهم، هناك شخص واحد أو اثنين مسموح أن أحتفظ بكل حرف وصل منهما إلي، كل شيء آخر قابل للحذف، أحتفظ بالهدايا التي أستخدمها ليس قوارير العطور الفارغة، أفعل ذلك لسببين: الأول: لا أحب تكديس الأغراض، الثاني: في العمر متّسع لصناعة المزيد من الذكريات، لماذا أحبس الزمن في ذكرى واحدة؟ بدل أن أطالب أحدهم بالاحتفاظ بقارورة عطر أهديته إياها، ليرمها، وسأستمر في إهدائه المزيد من الذكريات.

  • التخفّف من الذاكرة الالكترونية

عندما أشتري جوالا جديدا أختار الذاكرة الأقل مساحة ( آيفون ١٦ جيجا!) حتى ابل نفسها ندمت على ذلك ، لا أحاول التقاط أفضل سيلفي في الدنيا لذلك لا توجد عشرين محاولة لصورة واحدة،غالبا أنجح من المحاولة الثانية، جوال العمل يعمل على مدار الساعة،لكن جوالي الخاص لا يوجد فيه حتى اشتراك انترنت غالبا، القاعدة: كل شيء أشاهده في الخارج يمكنني مشاركته عندما أعود للبيت. كل الأشخاص الذي يكتبون لي في واتساب يمكنهم الانتظار، لا أحد في خطر ويرسل لك في واتساب.

  • التخفّف من الأشخاص

لدي أصدقاء رائعين، وأقارب كذلك، ومنفتحة دائما لاكتشاف أشخاص جُدد واترك بيننا مساحة لتفاجئني الحياة، لكن ذلك لا يعني أنني سأتحدث على الهاتف طوال الوقت، أو سأتابع عشرين مشهورا في سنابشات أو تويتر، قائمة الحسابات المحظورة في تويتر أطول بثلاثة أضعاف من التي أتابعها، ليس لأنهم أشخاصا سيئين، لكنني لا أريد الصدفة المثالية التي نادرا ما تكون أن تأتي لتجمعني بهم. أعتقد أن ذلك يرفع حظوظي من الالتقاء بأشخاص رائعين. إذا كنت تلاحظ أنك مُحاط بأشخاص لا تحبهم أو أنهم يتدفقون إلى مساحاتك، تأكد أنك منحتهم فرصة ليحجبوا عنك الأفضل. أختار أن أتخفف لأمتليء بالذين أحبّهم فعلا الذين بدورهم سيكونون طريقا جيدا للمزيد من الأشخاص المماثلين، هذا انتخاب اجتماعي يحدث عفويا إذا كنت تحرص عليه.

  • التخفّف من التحديثات

يتفق هذا العنوان مع كتاب قرأته مؤخرا سيكون من الأفضل تركه إلى مراجعة الكتاب.

  • التخفّف الشعوري

لا أقول أنني تلك التي لا تكره، لكنني لا أجعل الكراهية خيارا أوليا، ليس تجاه الأشخاص ولا حتى الأشياء،أستخدم عبارات مثل( لا أرتاح، لا أفضّل، غير مناسب) على لفظ ( أكره ) أكتشفت أنني أفعل ذلك عفويا بدون تفكير. التلهّف، الشوق، الحب أيضا، أحاول ألا أذهب إلى أقصى نقطة، لا أنجح في مرات عديدة لكنني أحاول.

أختم بأكثر اقتباس أعجبني من الفيلم: “ أحب النّاس، واستخدم الأشياء، لأن العكس لن يكون مجديا أبدا

للمشاهدة: (يتوفر مترجما على نتفلكس ) هنا

وجدت أيضا تدوينة لنوال القصير: هنا

7 تعليقات to “التخفّف ، فيلم وأشياء أخرى”

  1. يقول Meow:

    ما في طريقة أعبر فيها بشدة أكثر عن موافقتي لأول جزء من المدونة.
    لكن يتبين لي انك اخذتي عبارات كل من الوثائقي وأصحاب الفكرة حرفياً.
    هم ما ذكروا أبداً انه الهدف الأساسي هو التمسك بالمادة.
    هي مجرد تطبيق من التطبيقات الكثيرة لفكرتهم من التخفف واللي ركزوا عليها كونها الاكثر جاذبية للجمهور.
    لكن الفكرة تغطي التخفف من كل الأمور الجانبية اللي من ظاهرها السرابي انها تخلي الشخص أسعد.

    • يقول admin:

      صحيح وواضحة الفكرة، في الفيلم وفي موقعهم كذلك يشيرون للايف ستايل بماتيريالز أقل، هذه نقطة البداية ونقطة مهمة عندهم لكنها طبعا ليست الوحيدة.
      وهي اللي قلت إنها جيدة “التحرر من ضغط الدعاية ونظام الاستهلاك” لكن كلامهم -بإفراط- بخصوص السعادة والرضا وتحوّلات الحياة ومحاولة جعل هذه الفكرة كإجابة أكيدة لسؤال السعادة والحرية، أنا شخصيا أشوفه جزء من الدعاية اللي أختار إني أتحرر منها

  2. يقول ..:

    منولا مرّة أخرى!

    حين رأيت عنوان تدوينتك على بريدي تذكرت أيضا أنني كتبت خاطرة قصيرة جدا في مدونتي لها ذات العنوان عام ٢٠١٣..
    هاكِ https://ayyaba.wordpress.com/2013/03/02/p169/

    وعن الانسحاب شيء مشابه في ذات العام:
    https://ayyaba.wordpress.com/2013/09/11/p114-2/

    ونحبّك برشا برشا ^ـ^

  3. يقول غين:

    جميل حرفك

  4. يقول Molarya:

    بطلة. شدّني أسلوبك ⚘