عشرون سيرة ذاتية| 1 يوميّاتي المهرّبة وبنات ألف شفق

* يوميّات مهرّبة:

أتذكر أنني كنتُ ألف نفسي وأحشرها في مربع داخل دولابي، كما يفعل أيّ شخص مع بيجامته الطريّة المكويّة قريبا، يحدث ذلك في عمر التاسعة تقريبا، ولأنني لم أكل أشغل كافة الحيّز كنت أُدخِل معي أعدادا من صحيفة عكاظ ومجلة سيدتي، وأغلق الباب وأقرأ… الجو المخنوق لم تكن تنقصه رائحة ورق الجرائد والمجلات التي تثير الغثيان بشكل يصيبني بدوخة مزعجة، أفتح باب الدولاب.. أخرج لأتنفّس، لا يعجبني الحال فأعود مجددا.. أذكر أيضا أنني قررت إيجاد حل لهذه المشكلة، كنتُ أفرك أصابعي بورق الجرائد لأكتشف من أي شيء صنعوها ليحمل هذه الرائحة الزيتية الغريبة، والنتيجة أنني أحصل على يدين صغيرتين ملونتين بالأسود الداكن، سرعان ما أنسى وأرفع غرّتي المنسدلة لتنطبع بصمات سوداء في جبيني وحول عينيّ، حبر الجرائد مع مزيد من الغثيان، كل ذلك كان يحصل دون أن أتوقف عن القراءة، قراءة الكلمات المتقاطعة، المقالات، القصائد،الشريط الجانبي الذي يحتوي على تسعيرة المجلات والجرائد في الدول العربية، في بعض الأوقات كنت أحضر آلة حاسبة لأحسب فرق العملة، ليس لغرض اقتصادي بالطبع لكنه الفضول الساذج،كنت أقرأ عنوان المجلة في كل فروعها، أرقام البريد، أسماء الشوارع، كنت أستغرب لماذا في مصر لديهم أسماء للعمائر؟ لماذا أصلا يكون مكتب العمل في عمارة اسمها قوت القلوب الدور السابع، شقة أربعة، على شارع السندباد، لا بد أنهم يحبون سندباد في مصر إلى درجة افتعال كل هذا العنوان لتسمية شارع باسمه، لم يكن معتادا لدينا أن يكون للعمائر أسماءً بداخلها شقق لمكاتب عمل وعيادات أسنان، أذكر أنني كنت أتصوّر نفسي مديرة تحرير، كنت أقول لنفسي: لو كنتُ مكانها لاستبدلت لفظة (عمارة) بـ (مبنى) ولمنحته رقما وحرفا مثلا: مبنى ج٦٧ واستبدلت لفظة ( شقة ) بـ ( مكتب) فالقراء- على كلًّ- سيراسلون المكتب عبر البريد ولن يأتوا ليكتشفوا أمر تزييف العمارة! أعتقد أنني كنت أستغرق وقتا طويلا في قراءة هذه الهوامش، هي ذات الفترة التي أصبح لدي فيها دفتر يوميّات خاص، وسرّي جدا، طبعت على صفحته الأولى خطابا شديد اللجهة لمن يجده وتسوّل له نفسه قراءته، يوميّات كنت أهرّبها باستمرار

سأكمل الحديث عنها تباعا خلال هذه السلسلة…

* حليب أسود، ألف شفق

gf

قررت أن أخصص هذا الشهر لقراءة السير الذاتية والمذكرات التي يكتبها أصحابها بأنفسهم، هذا هو الشرط، ٢٥ سيرة كحد أقصى، لكنني أفكر بالاكتفاء بالرقم عشرين، كتاب لكل يوم، ربما تصبح هذه عادة في المدونة، عشرون تدوينة، عشرون سيرة ذاتية، عشرون وصفة لأم علي وهكذا..

حليب أسود من العناوين التي رشّحها لي الرفاق، تجيئ هذه المذكرات كحالة متوازية مع حالة اكتئاب مابعد الولادة التي خاضتها الروائية ألف شفق، وأقول متوازية لأنها لم تتمكن من جرّي – كقارئة – إلى داخل الحالة، إلى داخل دوامة الاكتئاب، لقد اكتفت بفتح النافذة واسدال ستائر شبه شفافة على ذاتها، ثم أرادت مني قراءة ذلك والشعور بكل تفاصيله في ٤٠٠ صفحة، في الواقع ، السبب لاختيار ثيم القراءة الذاتية هذا هو أنني أردت أن أدع شخصا جرئيا ما، قام بصبّ خلاصة ذاته في مذكراته، بكل انحيازاته، بكل عدم الموضوعية الفاضح، أدعه ينتقل بي من أقاصيه إلى أقاصيه، على العكس من ذلك، كانت ألف شفق – النسوية- تختبئ خلف قصص متعددة لحيوات نسويات أُخر، وعندما تأتي لذاتها كانت تتحدث عن البنات أو جوقة الحريم المتعددات في داخلها، هذه فكرة مسليّة لعرض فكرة التناقضات التي نمارسها جميعا، لكن ألف شفق فضّلت اللعب بالفكرة على تقديمها. رغم أن إحدى البنات الأنمليات بداخلها كانت من برج العقرب، صديقتي يعني في ذات البرج، لكنني لم أستطع رفع الستار لرؤيتها. إنها حتى لم تصف حالة الاكتئاب، نموذج للنسوية المقلِقة التي لا تود الاستماع لها وهي تتحدث، لأن لديها أفكارا جيدة لكنها – طبعا – لا تعرف كيف تعبر عنها دون أن تشتم رجلا أو اثنين، برأيي أن ألف كتبت هذا الكتاب فقط لتبرر لجمهورها كيف – كنسوية – كانت ترفض الزواج والانجاب ثم تزوجت بكل مافي فكرة الحب من سطحية، ثم أنجبت بكل مافي فكرة الانجاب من حتمية، بل وكررت لذلك، ووضعت كل ذلك في إطار ( اكتئاب ما بعد الولادة ) لتكسب بعض التعاطف، لتجعل الأمر يبدو كنضال نسوي، لم أشعر أنني أقرأ مذكرات بقدر ما شعرت أنني أمام امرأة تشعر بالخجل لأنها مارست أمرا رفضته بشراسة، وتحاول أن تجعل الأمر يبدو لطيفا وحزينا ومليئة بالبهجة في الوقت ذاته، لقد بذلت جهدا كبيرا في المحاولة جعلني بالفعل أشعر بالخجل من أنني رأيت ذلك، فتخليت عن النظر من النافذة مع آخر صفحة. اذهبي يا ألف خلف خجلك، سأتظاهر أنني لم أرَ شيئا.

2 تعليقان to “عشرون سيرة ذاتية| 1 يوميّاتي المهرّبة وبنات ألف شفق”

  1. يقول نوفه:

    اسعد الله ايامك بكل خير
    الشهر عليك مبارك ..
    افتقدك ولا زلت اذكرك بكل خير
    موفقة وين ما كنت 🌹

  2. يقول Ibrahim Hejab:

    وكعادتي أقرأ هوامشك كما أقرأ متونك، وفي كل حال أجد دائما لديك ما يثير في ذهني رغبة جديدة للتأمل المختلف، وأجدني أسأل بتطلع عن بناتي في ذاتي وعن بناتي من ذاتي!
    أما أمنيتي هنا فحقا أن أقرأ لك عشرين فصلا من يومياتك المهربة، واحدة مع كل سيرة ذاتية!
    لك المودة والمهابة ولحرفك الشوق والجلال.