عشرون يوما من التدوين| 18: لقد أخافوا قصيدتك..

بالكاد تكتمل دائرة “الشلّة” حتى عندما تعطي موعدا صارما اسمه “بعد العِشاء”، ما الذي تعنيه كلمة صارم؟ إذا كنتَ تعيش في مكان “مغلقٍ للصلاة” سيفترض أنك اعتدت عُرفيا أن الرّبع ساعة قبل الأذان التي يخبرك فيها الكاشير أنك مطرود هي بالضبط “قبل العِشاء” أما “العِشاء نفسه” فهو الوقت الذي على الأرجح لم تعرف حتى الآن ما الذي يجب أن تفعل فيه، الوقت الذي تعلق فيه في سيّارتك، وقت تكون فيه حائرا وضائعا حتى أنك تسأل نفسك كل الأسئلة التي تهرب منها: لماذا لم أقدّم استقالتي حتى الآن؟ لماذا ابني ليس ذكيّا كما تأمّلت؟ لماذا لم أكلّم رفيقي حتى الآن؟

.. وهنا تعرف أن “بعد العشاء” هو عندما تفتح أبواب المحلات وتعود أسئلتك للهرب، وعندما يخبركِ أخوكِ أن تنزلي إلى السيّارة الآن! … تخيّل رغم كل هذا الوضوح الصارم يُصرّ الجميع على تبرير التأخير المتعمد باللغة الفضفاضة.

تعرف كل واحدة منهنّ المكان الذي ستجلس فيه في زاوية المحفل، تبدأ الأفكار المرتجلة والأسئلة في التداول على الطاولة بعشوائية واندفاع النِرد في الرمية الأخيرة، فهذا بالضبط ما يجعلهم متمسكين بالحضور، تبادر منى:

– ليلى، هل يُريحك كونك البطلة الرسمية للقصائد؟ شعور جميل؟

ليلى : قصدك شعور معلّب!

– طيب، في الأغاني؟ الليلُ يا ليلى؟

منى، أنا الآن أصبحتُ أشاهد الأفلام أون لاين!

تقاطعهن حنين:

يا لطيف! انخفضت المعايير؟

أسطوانة مشروخة لفتيات يتحدثن بلغة حتميّة، بالضبط كما في كل مجلس “شباب” هناك زاوية تتحدث عن الفتيات بلغة مُتوقّعة وبسيطة، وزوايا آخرى في كل مجلس لتقييم الطعام أو الأجواء التي يعرفها الجميع مسبقا، أو لمشاهدة الإعلانات بين البرامج. في كل مكان يجتمع فيه شخصان فأكثر للحديث سيظهر طيف من المعايير التي تعلو رأس كل متحدث على شكل نافذة محادثة أو على شكل لوحة عرض تقديمي مُجدولة، حنين هذه مثلا لديها مزاج طربي حادّ، سيمكنك أن تفاوضها على أهم قرارات حياتها لكن لا تفاوضها في “رجّعوني عينيك” وأنا أتفق معها إلى حدّ ما لكن اتفاقي راجع إلى معيار ذاكرة عاطفية، بينما هي ترى الأغنية: ” المعيار ذاته” …

تسلّم على صديقك أوّل اليوم، فيخبرك أنك تبدو مغتمّا، تبدأ في رؤية شرائح التقييم تتقلّب فوق رأسه، تؤكد له أنك تمر بمجرد يوم “عاديّ” فيصرّ عليك أنك لست كذلك، سترى دائرة حمراء على شريحة معاييره، هاهنا بالضبط أمكنه اصطيادك، لقد لاحظ أن نظراتك لا توافق حديثك، أنت شارد البال، سيبدو الأمر مباغتة فمنذ متى والرجال ينتبهون لهذه التفاصيل؟ أنا أشاركك هذه الصدمة، لكنها تحدث، يحدث أن أحدهم يطبق عليك معايير حتى وأنت تمارس ” عاديّتك” ثم سيكون عليك أن تمرر الموقف كيفما اتفق، النّاس مجانين يا صاحبي، وعندما يبدأون بالتخمين فإنهم غالبا لا يكونون على حق، لديهم هوس بإثبات أنهم يعرفون عنك أكثر مما تتوقع، لا عليك، مرّر.

هناك آخرون سيبنون سلّما تقييما أخلاقيا بناء على الجودة التي تفضّلها في مشاهدة فيلمك، أو الطريقة التي تصفّ بها طبقات الساندويش، وحتى ترتيب القائمة في ساوند كلاود، ولأن الناس مجانين – مرة أخرى – فإنهم مهووس في تكوين الأتباع ، سيبذلون جهدكم لكي يضمّوك إلى فريقهم، ليظهر فوق رأسك نفس جدول التقييم الذي طبعوه، سيخبرونك أنك حينها رائع، ومتميز، و “تفهم!” ، في نهاية المطاف ستجد نفسك تخجل من التعبير عن القصيدة السخيفة التي أعجبتك، لقد أخافوا قصيدتك.

Comments are closed.