عشرون يوما من التدوين| 14: الجهل الاختياري والمعرفة المنقوصة 2

في التدوينة السابقة، رادفتُ بين معنيين: الجهل الاختياري Chosen Ignorance و الجهل الانتقائي Selective Ignorance  لأن المصطلح الأخير تم ترويجه مؤخرا في سياق التدفق المعلوماتي، بينما من المفترض أن يكون مجرد أداة أو مهارة يمتلكها الشخص في صياغة جهله الاختياري التامّ بأمور معيّنة تشتت طاقته الذهنية عموما دون ربطها فقط بالدَفَق المعلوماتي الالكتروني، ليشمل ذلك المعلومات التي يلتقطها بصرك في الشارع العام، أو تلتقطها أذنك من صديق أو غير ذلك، أي تشمل كونك فاعلا مبتدئا لا متصرفا فيما يتم فعله مسبقا، سأشير بإيجاز للمعنيين المقابلين أو الناتجين لمعنى الجهل الاختياري والجهل الانتقائي.

المعرفة المنقوصة:
عندما تكون في وجه التيار المتدفق للمعلومات، وتشارك أبسطها بدون وعي حقيقي، ستدخل في دائرة موهومة من المعرفة، بعد أول ثلاثين ثانية من تصفّح هاشتاق في تويتر ظهر في التايم لاين صدفة، ستعتقد أنك جاهز لأن تشارك فيه، لماذا؟ لأنك تعتقد أنك تعرف كفاية وتريد أن تكون نقطة في التيار، لماذا مرّة أخرى؟ لأن ذلك يُدخلك ضمن تصنيف الشخص المتفاعل، بينما أنت في الحقيقة مجرد نقطة عبور حتى وإن ظننت أنك فاعلا، بعد دقيقتين أو ثلاثة ستبدأ في مناقشة المختلفين عنك في الهاشتاق، من السهل جدا أن تجد مشاركين أكثر ضعفا من ضعفك، تفوقك عليهم سيعزّز شعورك الموهوم بأنك تعرف حقا ما تتحدث عنه! وأنهم لا يفهمون شيئا، ستكسب بعض المتابعات من المؤيدين، ستجد أنك أنفقت ما لا يقل عن خمسين دقيقة من ممارسة الوهم المبني على ثلاثين ثانية من الصدفة، إذا كان الموضوع يتحدث عن قصة اجتماعية ستجد نفسك قادرا على تسمية أشخاصها، الجهات التي تعاملت معها، ولديك صورة أو اثنتين منسوبة إلى الحدث، فستنتقل بكل ذلك إلى مرحلة الراوي، تتبنى موقفا صارما وتشارك بكل هذا الوهم المتراكم بثقة، وهذه كارثة على أي شخص يحترم ذاته أن يتوقف عن الإنجراف إليها، متسلحًا بهذه المعرفة المنقوصة، باعتقادك أنك تعرف ما يكفي في ثلاثين ثانية، ستتوقف فعليا عن السؤال، النقد، معرفة المزيد مما هو حقيقي وموثوق.

المعرفة الاختيارية:
إذا امتلكت مهارة الجهل الاختياري والانتقائي، فتكسب تلقائيا معرفة اختيارية وانتقائية، يمكنك اعتبار ذلك مكافأة مجانيّة لسلوكِ واعٍ، وذلك يحدث على مساريْن:

المسار الأول: وهو الاكتساب الإيجابي، طرح سؤالاتك المعرفية، المحدّدة والواضحة والتي تخدم ما تريد أن تعرف عنه أكثر: تخصصك، وظيفتك، مَرَحك! أيّا يكن، في هذا المسار ستقوم أنت ابتداء بتحديد الوِجهة التي تتلقى منها ما يناسب سؤالاتك، عندما تريد أن تعرف عن الفيزياء أكثر ستتابع يوسف البناي (أشعر أنني نجحت في لفّ السياق حتى أوصله إلى يوسف البنّاي، أخبروه أنه يعجبني) فلن تتابع بطبيعة الحال حساب اعترافات مراهقين ولن تهدر وقتك في الحديث عن تفاهات اعترافاتهم التي بالتأكيد لن يتحدثوا فيها عن قوانين الضوء، عندما تريد أن تطرح سؤالات عن الأعمال لن تسمح لنسويّة غاضبة أن تتدفق نحوك بقضاياها الشخصية، لن تعرّض نفسك لأي استفزاز يجرّك للكارثة، إذا كنت تعتقد أن التدفق الالكتروني خارج عن السيطرة فأنت على الأغلب كسول! تذكر أنك تملك دائما لوحة إعدادات لكنك لا تستخدمها كما تريد، إلا إذا أردت من كل أحدٍ حولك أن يمارس دور الوالديّة عليك.. يمنع عليك ما لا تريد.

المسار الثاني: السلبي، هناك دائما، بلوك وحذف وإلغاء وزر إغلاق الشاشة.

في التدفق الالكتروني المعلومات تمسّك بهذه القاعدة الذهبيّة:

عندما تمنع ما لا تريد معرفته من التدفق نحوك، ستحصل على ما تريد معرفته تلقائيا.

2 تعليقان to “عشرون يوما من التدوين| 14: الجهل الاختياري والمعرفة المنقوصة 2”

  1. يقول طارق:

    لديّ سؤال فيما يتعلق بالموضوع بشكل ٍ عام :
    هل السعي وراء المعلومة السهلة هو سبب أم نتيجة للمعرفة المنقوصة ؟