عشرون يوما من التدوين| 06: الجهل الاختياري والمعرفة المنقوصة 1

تسهيل الوصول إلى المعلومة، وإتاحة المعلومات كان – ولا يزال – أمرًا مُستهدفا عند المهتمين بالتعليم ومآلاته، يؤمنون أنه أهم الآليات الاستراتيجيّة التي تساهم في خلق إنسان حُرّ، مؤثر، وصالح! كلّ ذلك دون أن يرتبط بأدوات نوعيّة تفرّق بشكل فعّال ما بين الوصول إلى المعلومة (أيّ معلومة) والوصول إلى معلومة معيّنة ( وصول منظّم ) ، وهذا كله في سياق مفهوم ومشكلاته مُتوقعة، لكن عندما تكون أمام حالة (تدفّق معلوماتي) فمن الخطأ أن تعتبرها حالة تساوي ( تسهيل الوصول إلى المعلومة ) فحالة التدفق المعلوماتي هي مشكلة بذاتها وليست استراتيجية تصحيحة لها مشكلات :

الفرق بينهما:

في التدفّق المعلوماتي، تُفتقد أهم عناصر الحصول على المعلومة، وهي المعلومة نفسها! صدّق أو لا تصدق أنك ستحصل على كمية غير محدودة من العناصر المعلوماتية دون أن تشكل أيّا منها معلومة حقيقية بالنسبة لك، أثناء تصفحك لتويتر مثلا: ستعرف أن طائرا ما لديه منقار برتقالي وهذا أمر غريب، وستعرف أن النمو الاقتصادي الماليزي آخذٌ بالانخفاض، وستعرف أن فتاة مصريّة تم التحرش بها في مول عام، وستعرف أن شيخا سعوديّا سيموت بجرعة زائدة من الغيرة على نساء الأمة بسبب صورة البطاقة الوطنية، ستعرف كل ذلك في ثلاث دقائق دون أن تعرف في الحقيقة معلومة واحدة حتى ولو كانت غير مفيدة، كلعبة الكاميرا القديمة، مع كل ضغطة زر تتحرك أمامك لوحة للكعبة ثم لوحة للحرم النبوي ولوحة للقدس دون أن تعرف عن هذه الأماكن الثلاث أكثر من ذلك في ذلك الوقت، فالممتع في الأمر هو التقليب والتنقّل لا اكتساب المعلومة، في هذه الفترة التي نعتبر فيها أنفسنا في عزّ التقدم البحثي كأدوات معرفية، نكتشف أننا نستمتع بعملية التدفق المعلوماتي، بتقليب لوحات معلوماتية لا باكتساب معرفة رصينة، نحن نحمل كاميرا بلاستيكية حرفيا.

بينما تسهيل الوصول إلى المعلومة، هي عملية قائمة على المعلومة نفسها، تسأل سؤالا، تضع افتراضات، فنظريات فتجارب، تسأل وتناقش وتختبر، فتحصل على معرفة، قوانين النشر، قوانين التصفّح الالكتروني، اللقاءات المباشرة مع من يشاركونك الأسئلة ، الشبكات الاجتماعية، كل ذلك مجرد وسائل تقودك إلى المعلومة، إنها لا تقذف لوحات معلوماتية في وجهك بل تشرع لك بابا لتتعلم بنفسك، لذلك لا أعتقد أنه من الصائب الحديث عن حالة التدفق المعلوماتي كحالة علمية ينبغي الاستفادة منها، بل كمشكلة ينبغي معالجتها، وهذا يقودني إلى الأداة التالية، لكن قبل ذلك من المهم أن أشير أن كونها مشكلة لا يعني أنها مرفوضة جملة وتفصيلا، هي مشكلة فقط في سياق تعليمي، أما في السياق الترفيهي فكلٌّ وما يناسبه ..

الجهل الاختياري Chosen Ignorance :
يُنظر عادة إلى الجهل أو التجاهل الاختياري كأحد الأساليب المانعة للتعلم، بحيث يمكن للشخص أن يحصل على المعلومة لكن ولاعتبارات متعلقة بطرقه في التفكير يمنع نفسه من التحصيل المعرفي وليس هذا هو المقصود هنا، إذا ما وضعت التجاهل الاختياري كأداة تنظيمية في وجه التدفق المعلوماتي، فسترى أنه أداة معرفية هامة، بمعنى إذا كانت وظيفتك هي الحصول على المعلومة ، ففي حالة التدفق المعلوماتي فوظيفتك هي أن تجهل! غريب؟
إذا نظرت إلى عقلك كوعاء استيعابي، فعقلك من حيث المبدأ لا مشكلة لديه في أن يعرف أن هناك طائر له منقار برتقالي من حساب المعلومات الغريبة، وقد يرحب فضوله بتصفح هاشتاق عن قضية اجتماعية مستهلكة، وعندما تعطيه وظيفة المُستهلك غير الفاعل في هذا التدفق العشوائي أغلب اليوم فليس عليك أن تستغرب لماذا آخر اليوم لا يمكنك استيعاب صفحة من رواية فلسفية أو تضجر من فيلم طويل أو لا تجد لديك الطاقة الكافية لإكمال مهام عملك، لماذا؟ لأنك ببساطة لم تتجاهل التدفق المعلوماتي، تقرأ كل هاشتاق، تشارك، تناقش، تغضب، تسخر، تتخرط في التدفق كذرّة نشطة، تصرف كل طاقتك بمتعة، حتى يقرر عقلك أن حصّته اليوميّة قد انتهت!

سأكمل لاحقا، كيف سيساهم الجهل الاختياري من زيادة المعرفة الاختيارية، وعلاقتهما بالمعرفة المنقوصة، إذا كنتَ مهتما وتحب الأرقام.. سيمكنك الرجوع إلى عدد من المقالات العلمية والدراسات بقوقلة الموضوع.

One Response to “عشرون يوما من التدوين| 06: الجهل الاختياري والمعرفة المنقوصة 1”

  1. […] التدوينة السابقة، رادفتُ بين معنيين: الجهل الاختياري Chosen Ignorance و الجهل […]