إلى أصدقائي الذين سيموتون قبلي: مرحبا!

إلى أصدقائي الذين سيموتون قبلي،

مرحبا! – قبل فوات الأوان

عليكم أن تعرفوا أنني استخدمت أكثر من مفردة مرادفة في البداية لتلافي مفردة موت ومشتقاتها، وعلى ذلك أن يخبركم كم أنا جبانة فيما يتعلق برحيلكم، لكنني لم أجد مرادفة حقيقية تستحق الكتابة،
سأخبركم ماذا سيحدث بعد موتكم:

في البدء، سيكون السيناريو الذي اعتدتموه مني عندما تزعجونني، سأحزن وسأغضب منكم ثم سـأتلكّععليكم حتى تعرفوا أنه قد حان أن تعتذروا بشكل واضح، تعتذرون وسأفتعل المسامحة وأقول لكم حينها: طيّب!..حصل خير، ثم سأعتذر منكم لأنني غضبت  وسأقنعكم أنكم لم تكونوا بحاجة إلى اعتذار أساسا! وستستغربون من شخصيتي المعقّدة التي تتخلى عن كل عقدها في لحظة واحدة وتحنّ، انتبهوا! هذه الحنّية ستفوتكم هذه المرة يا رفاق، كما سيفوتني أن تطبطبوا عليّ باعتذار، لكنني في ذلك اليوم سأفترض هذا السيناريو لأنني ألِفته، هذا مانفعله عندما نواجه ما يفوق خبراتنا، نفرّ إلى المألوف، صحيح؟ بعد موتكم سأسمعكم تعتذرون عمّا ستسببونه لي من حزن وسأكتفي بنصف الرد: طيّب! ثم سأعتذر منكم وأبكي.

في حال كنتم تحسدون الموتى الذين رثاهم أصدقاءهم بكلمات مترفة، وهاشتاق ترندوحساب صدقات، سيؤسفني أن أخبركم أنني لا أجيد كل ذلك، سألتف في لحافي طوال الليل وسأحاول البكاء مرة أخرى ولن أستطيع، ستمرّ علي ليلتان متتاليتان على هذه الحال، وفي الليلة الثالثة سيبدو الأمر مُحتملا، سأستطيع النوم لنصف ساعة قبل أن أتناول فطوري وأتجه إلى مكتبي مع الصديقات وسأعمل كأي شخص روتينيّ متبلّد الحس، لن أفاوض على الأسعار وسأوقّع على طلبات جديدة، بعد ساعات من العمل النشط، ستقول إحداهنّ نكتة وسيكون علينا أن نضحك، سأضحك بالطبع! وفي هذه اللحظة تحديدا ثقوا أنني سأنسحب إلى أقرب دورة مياة وسأبكي بطول ثلاث ليالٍ وستباغتني نفسي في أقصى محاولة تجاهل، على كلٍ؛ عليكم أن تموتوا في اليوم الذي أستعمل فيه ماسكارا لا تسيل، لا تريدون أن أتحول إلى وحش بعينين متوّرمتين تسرّبان خطوطًا سوداء في نفس الوقت، أرجوكم.
سأغسل وجهي بعد ساعة وثلث، وسأخرج لمواصلة العمل، سيسألوني عن عينيّ وسأخبرهم أنني لم أنم كفاية فحسب.
ستفوتني وجبة الغداء ذلك اليوم، والعشاء أيضا سآكل قطعتين من بسكويت دايجستف وأشرب ثلاثة قناني مياه، على مدى الأسبوع التالي كاملا، وسأفتعل الكثير من المشاكل مع الجميع، سأضرب ربما، وعندما يحاول أحد ما أن يتعاطف معي سأغضب منه وأنهره.

بعد أسبوع من ذلك سأنتبه في لحظة وعي مفاجئة أشبه بالبلوغ، وعيٌ بأنني: مازلت أعيش!
سأعيش، آسفة لو لم أكن عاطفية حدّ الموت لموتكم، جرّبت نفسي كثيرا يارفاق حدّ أنني رأيت ظل الموت، وأعرف أنني سأعيش رغم ذلك، لقد ساعدتني هذه المعرفة كثيرا فيما سبق، لكنها لن تساعدني كثيرا هذه المرّة وسأشكّ فيها، وفي نفسي، وفي كل شيء، على الأرجح في تلك المرحلة سأبدأ في كتابة قِطَع وجودية، عليكم أن تغفروا لي لو استخدمتكم في لُغتي، ستتفهّمون أنني أحتجتُ إلى ذلك.
وفي هذا الأسبوع سأستمرّ بانجاز روتيني كما هو، كالآلة الألمانية الجيّدة التي تعرف كيف تعمل ومتى تستريح، وسيبدو حقيقيا أنني بخير، سأصدّق ذلك لمدة أسبوعين آخرين، وسأندهش من قدرتي على التجاوز.

بعد أسبوعين بالتمام وخلال جَمعة عائليةتقليدية وصاخبة لليلة سبت، سيبدون جميعا فجأة كالأقنعة المتحركة والذين أحبهم منهم سيبدون غرباء مُملين، وسأنجح في تجاهل هذا الأمر تماما، وعندما أريد تناول فنجان القهوة الرابع تحديدا سأشعر بوهنٍ في ذراعي، ستنكسر عينيّ وسيأخذني الحُزن عليكم غيلة، واكتشف مرة أخرى أنني لستُ بخير حقا، سأنسحب إلى مكان قصيّ وسأبكي، أرجو أن أكتشف في بيت مُضيفِنا حينها غرفة غسيل ملابس غير مستعملة أو حمّاما لا يقف عليه طابور من الأطفال الممتلئة بطونهم بالمياه التي لعبوا بها، أرجو ذلك فلدي الكثير من الذاكرة التي طلبتني “للتفاهم حالا”.
ستنقضي تلك السهرة على أيّة حال، لا يمكنني التنبؤ الآن بالكيفية، لكنها ستنقضي، وسأعود لأنام 22 ساعة متتالية، وسأصحو بسلام، أغسل وجهي وتكون حينها هالات جديدة قد اختارته، من الآن وللأمانةلستُ قلقة على وجهي، أعرف أن لوريالستحسّن الأمر، وهذه الجملة موجهة للنساء تحديدا، لكنني سأقلق من قدرتي على التوهّم، كيف صدّقت أنني بخير؟! وفي هذه اللحظة سأبدأ التعافي.

خلال الشهر التالي، سأمرّ على أسمائكم المحفوظة في أجهزتي وأبتسم، وأخبركم أنني أحبكم وأنني سعيدة لأنني لم أؤجل ذلك، تعرفون أنني طالما نشبتلكم وأخبرتكم بحبي بأي طريقة كانت وأخبرتكم بأن أصواتكم جيدة مالم تحاولوا الغناء وأنكم حلوين بشرط!” شرط ألا تصدّقوني تماما، وسأجدكم تقولون: نعرف ذلك.
سأسمع نصف الأغاني التي أحببناها معا، لا أعرف لماذا لكنني أعرف من الآن أنني سأخاف من اكتمال الأغنية، أشعر أنها سترميني في هوّة سوداء غامضة عندما تنتهي، على عكس ما نأمل من الأغنيات فهي لا ترأف بنا، نحن نحبها لأننا نحتاجها، هي لا تحتاج إلينا لتمضي لآخر النوتة. سأرى أصدقاءنا المشتركين وهم يرثونكم في فيسبوك وتويتر وباث وفي مدوناتهم، ربما أشارك روابطهم لكن -ولأكون صادقة جدا- فمن الآن أؤكد لكم أنني لن أقرأ كل ما سيكتبونه، لا أحب أن أراكم في ذاكرة الآخرين، الآخرين الذي ظفروا منكم بأكثر مما ظفرت، ولا أحب أن يتم التعامل معكم كشخصيات يمكن اختصارها، أو ربما لن أحب استفزاز ذاكرتيالشرسة.

بعد شهور، سأكون قادرة على الكتابة، وسأحني عُنق الأحاديث مع الأصحاب لأصل بها إليكم وسأقول بأنكم كنتم رائعين فحسب، وسأصمت بعدها. سأكتب نصّا لا علاقة له بكم لكنني من خلاله سأنفّس الكثير، كما أفعل الآن مع أنسي الحاج، بعد ذلك سأبدأ التصديق مجددا أنني بخير، وسيعلو قلبي وشم جديد.

إلى أصدقائي الذين سأموت قبلهم:

... لا وصايا.

19 تعليق to “إلى أصدقائي الذين سيموتون قبلي: مرحبا!”

  1. يقول نوف:

    اشتقت لك ولحرفك
    اين السبيل إلى وصالك دلني ❤️

  2. يقول Ahmed:

    وعادت النصوص التي تذكرنا دائما أن الدهشة في الأرض القديمة لاتزال ممكنة ..
    مبهجة عودتك منال

  3. يقول اشواق:

    العمر لنا
    العمر لك
    عاش من شااافك

  4. يقول سعيد موسى:

    جميلة جداً جداً.. والأجمل رؤيتك ثانية.

  5. يقول أسمى:

    مرحبا منال .
    بعثت لك برسالة في شأن هذه التدوينة ،ومااعرف هل وصلك أم لا .

  6. اهلين عودتك حبيبتى زيارتى الاولى وليست الاخيرة ان شاء الله
    راقتنى مدونتك كثيرا سلم حرفك

  7. مقال أثر فيّ بشدة ومس شغاف قلبي
    وهو إن دل يدل على رقة شديدة ورهافة مشاعر .. وذكرني كذلك بالموت

    جزاكم الله خيرًا

  8. يقول مونيرا:

    خذي راحتك ،، لا عتب ..

    • يقول رقية بدوي:

      ياه يا منيرة! وحشتيني :”
      قبل فترة طويلة أرسلت لك رسالة على بريدك ولا أدري إن كانت قد وصلتك أم لا. مؤخرا بريدي الذي راسلتك منه على الهوتميل لم يعد يستجيب لي ولا يوافقني أفتحه وأراسلك أخرى
      المهم أنت بخير وكتبتِ هنا
      ربي يحميك

  9. يقول رقية بدوي:

    منال، كمان مشتاقة لك جدا!
    وسعيدة أنك عدتِ تكتبين يا رفيقة.

  10. يقول إحسان:

    كنتُ هنا سعيدة لأنّكِ تكتبين ..