سُلطة النّص الأدبية.

أحاول الابتعاد هذه الفترة عن جوّ النقاشات ،لكن العزيزة صفية الجفري دائما ما تطرح ما يستفز اهتمامي التخصصي بشكل شخصي توافقًا وتعارضًا، هذه التدوينة مجرد تعقيب بسيط على تدوينتها الأخيرة هنا، وتفكير بصوت مرتفع لهذه الفكرة تحديدا ( هنا ) هي ليست ردا بالدرجة الأولى.داولت صفيّة في المقال فكرة البعد الأصولي والاجتماعي ضمن موضوع يهمني كثيرا يمكن عنونته بـتدخّلات الفقيه في وظائف النصّ، وهذا العنوان يحتضن كل العلوم الشرعية ذات العلاقة لكن ما أقصده هنا هو الحدود النوعيةلهذه التدخلات بعيدا عن أدوات الفقه الأصولية التي تتناولالكيفيةبشكل أساسيّ، مقدمة المقال توضّح الإشكال الكبير الذي أفترق فيه معها ، وأنا أتفهّم عاطفة أيّ باحث في أي تخصص كان تجاه معلميه،وأعيش عاطفة التلمذة هذه بطبيعة الحال، لكنني أعتقد أنها يجب ألا تأخذ منحى التعطيلللعلم نفسه، وسأوضح ذلك.

إن المؤمن بسلطة النص على المجتمع، سواء كانت سلطة إلهية (بالنسبة للمؤمنين) أو تراثية (لغيرهم) ، سيفترض لهذه السلطة أغراضا أو مقاصد، الهدف المحوري لهذه المقاصد هو: الحفاط على سلطوية النص! وذلك بإلإبقاء على وظائفه الاجتماعية، فبمجرّد انتفاء هذه الوظيفةالنفعيّةسيسعى المجتمع طوعا إلى التخلّص من سلطة هذا النص والانقلاب عليه،عقديا وعمليا، ومهما غُلّف الأمر بالروحانيّة الصِرفة إلا أن قوام العلاقة بين النص والمجتمع هي: المنفعة.

سأبتعد عن سرد الاستدلالات النصيّة قدر المستطاع، لأنني أنوي مداولة عموم الأفكار لا خصوص تطبيقاتها الدينية – رغم الأهمية – ولا أخشى على أي قارئ مهتم شرعيا من تفويت استحضار الاستدلالات المقرّرة في ذهنه سلفا.
*وظائف النص النفعية:
وهنا لا أقصد ما يتم سرده تحت عنوان: الحكمة التشريعية أو العلل ولا المقاصد الستة حسب ابن عاشور ، بل وظيفة النص في المنفعة الاجتماعية نفسها الهادفة للإبقاء على سلطة النص(وليس تفسيره!) ، ويمكن تقسيمها بشكل بسيط إلى :
الوظيفة القيمية للأسئلة الوجودية الجمعية : حيث على النص أن يقدم أجوبة أو آفاقا مريحة للأسئلة الوجودية القَلِقة في مستواها الاجتماعي (لنتجاوز الفردي) وهي المتعلقة بالمفاهيمالقيميةللعلاقات المجتمعية: مثل العدالة/الظلم ، الحرية/الاستعباد ، الحساب الأخروي ، وكل ما يدور في فلك أسئلة (لماذا)، وهي بالمناسبة أقل عددا لكن أكثر إلحاحا من الأسئلة في مستواها الفردي، فمثلا: سؤال لماذا خُلقت؟ قَلِق فرديا لكنه غير مطروحأساسااجتماعيا، كما أنه أقلّ قلقا من سؤال: العدالة/الظلم اجتماعيا رغم أن الأخير يبدو سؤالا فرعيا! ، ومن هنا تبرز الأهمية الملحّة لهذه الوظيفة وأهمية تناولها بمعزل عما يسمى بالمقاصد، وكثير من المنقلبين على الإيمان بألوهية مصدر النص فضلا عن سلطته يذكرون خللا يتعلق بهذه الوظيفة في معرض أسبابهم.وهذا طبيعي. النصوص التي توفّر جوا قيميا مُريحا للنفسية الجمعية ، ستجد طريقها للحاكمية عليها.

الوظيفة العملية التحديثية: معروفة، وهي الضامنة عمليا للوظيفة الأولى، ويمكن تقسيم النصوص من خلالها (سأتجاوز التفصيل فيها) إلى: نصوص إصلاحية، تغييريه، وانتقالية، تخلق بمجموعها الوعي الجمعي اللازم للتحضّر، وهي لا تهدف ففط إلى الإصلاح المجتمعي فهذا ما يسهل إدعاءه في مختلف الأديان الروحانية وهو ليس كافيا أبدا للإبقاء على سلطة النص!- بل تهدف إلى دفع المجتمع نحو التطوير والانتقال به إلى حالة تقدمية ، وهذا يجب أن يحدث باستمرارية! النصوص التي تكفل التقدمية الاجتماعيةباستمرار ، ستجد طريقها للحاكمية على المجتمع. وهذه النقطة تحديدا هي التي تتصل بالتعقيب على مقال صفيّة، لأنها هي ساحة الفقيه.

وعلى الهامش ، فإن السلطة المقصودة هنا بالطبع هي السلطة الاعتقادية ، التي يعتقد المؤمنين بها باستعلائها وتدفعهم إلى خلق أدواتهم السياسية الراعية لها، فلا خوف على شريعة تحافظ على سلطتها الاعتقادية بجدارة من مساءلة الناس حولها أو صياغتهم لمضامينها في دستور أو قانون، والشريعة التي تفقد امتيازها هذا لقصورها ، أو يفقد المؤمنون بها وعيّهم بها لقصورهم ، فلن يمكن أن تحكم أو تستمر في حاكميتها الفعلية. وعلى أنني لا أؤمن بصلاحية الدولة الدينية لكنني أمام وضع واقع له إدعاءاته بذلك، وعلى الهامش أيضا: يتوقف كثيرون عن استخدام مفردة “السلطة” للمفاهيم الآيدلوجية فهي لا تتسلّط بذاتها بدون ادوات سياسية، وهذا تفسير له وجاهته لكن أعتقد أن اللغة بعمومها لا بمصطلحاتها تسع الاستخدام هنا، فلا يتحرك الناس لخلق الأدوات السياسية إلا من واقع اعتقادهم بأيدلوجية يلزمهم الإيمان بها بتمثيلها سياسيا، هذا الشعور بالإلزام عند المؤمن، سمّه سُلطة أدبية،استعلاء،حاكمية.صلاحية النص…سمّه ماشئت، المهم أن له صفة حاكمية يختارها المؤمنون طوعا أو يجدها غير المؤمن ضمن تراثه الطاغي على فردانيته.كما يمكن بالتأكيد اعتبارها سلطة من حيث منشأ النص الإلهي.
*وظيفة الفقيه في وظائف النص:
من هنا نصل إلى المقصود بتدخّل الفقيه في وظائف النص ويختص الحديث بالمنهج الإسلامي، وهذا التدخّل جاء وصفه بغاية الإجمال في النصوص القرآنية وهذا بديع من ناحية أنه يوسّع مساحة البحث والتأمّل فيها. بينما في الإرث الفقهي يتم حصر وظيفة الفقيه باستنباط الحكم الشرعي وهي بالنظر لوظائف النص النفعية السالفة وظيفة لا تمثل إلا أقل قدر ممكن لإشباع الحاجة المجتمعية في سؤالاته الوجودية الجمعية وفي ضرورته التقدمية، وعَوارض قصور تلك الوظيفة وقصرها على استنباط الحكم الشرعي وعلله أن تجد الفقيه يسعى – في أحسن أحواله!- إلى تكييفالنص وأحكامه وإعادة تفصيله لينضبط على واقعه الحالّ في زمنه المحدود دون النظر لدوره اللازم في دفع هذا الواقع خطوة حضارية للأمام، هذا التكييف – وللأسف – هو سقف الدعوات التنويرية الدينية الآن. وهو ذاته الإشكال الذي يجعل كثير من الفقهاء يبغالون في التكييفإلى حد تعطيل وظيفة النص القيمية والتحديثية – في حال أوجدها النص ، فمثلا – والمثال قاصر جدا، للتقريب فقطفي تدوينة الفاضلة صفية ذكرت مسألة الولاية على البكر في تزويجها وأرجعت تفسيرات الفقهاء الحُكمية إلى تماهيهم مع مبادئهم الأصولية وإلى(حُسن) قراءتهم لواقعهم ذلك الوقت، وهي ترى أن هذا يبرئ ساحة الفقيه وهذه النقطة صلب اختلافي معها، ليس في جانبها العاطفي فلا يهمني تبرئة الفقيه أو تجريمه علميا أو أخلاقيا، ما يهمني هو سؤال: هل تعاطى الفقيه مع النص وفق وظائفه النفعية السابقة؟ بلا شك .. لا، بل أقصى ما وصل إلى هو تعليب المجتمع بعاداته وتكبيل النص المنفتح بالشروط والأركان والعلل للوصول إلى نقطة واحدة: تشريع العادة! وهذا بحد ذاته في رأيي تعطيل للنص، وانتقال خطير من معنى قراءة الواقع ومراعاة العادة إلى تشريعها! ، مع الإغفال التام عن أهميّة إبقاء النص مفتوحا ليتحرك بالمجتمع تقدميا، ليضمن استمرار صلاحيته أو سلطته.

أشرتُ في تعريف الوظيفة التحديثية للنص، إلى تقسيم النصوص في عملها إلى نصوص إصلاحية، وتغييرية وانتقالية، وبدون تفصيل فبطبيقها على مسألة الولاية على البكر في تزويجها يمكن القول:
إن النصوص التي قننت الولاية وحدّدت موانعها (لم تشرّعها) هي النصوص الإصلاحية، هذه النصوص لم تشرّع الولاية وهذا مهم توضيحه، فالولاية كانت أساسا مُمارسة قبلها (وهنا يتشابه الأمر مع مسألة الحجاب، وكثير من المسائل الاجتماعية).
بينما النصوص المجملة التي وضّحت تساوي مسألة الرضا المباشر في العقد بين الطرفين،إناثا وذكورا، كانت نصوصا تغييرية، وضعت الطرفين متقابلين بالتساوي في حالة لم تكن سائدة اجتماعيا وإن عُرفت.
والنصوص التي أثبتت الحق الاستعلائي للبكر على الولي، وحق فسخ العقد بناء عليه، كان هي النصوص الانتقالية التي فتحت للمجتمع فرصة لأن يتقدم حضاريا خطوتين ليصل إلى ما يصل إليه لاحقا من إيمانياته الحقوقية والاجرائية.
وعليه فإن تدخّل الفقيه بصورته التقليدية في هذه الوظائف، بدون وعي لا يجعله يفرّق بين رعاية المجتمع وبين دفعه، بين مقصد النص وبين وظيفته العليا، بين تكييف النص وبين تعطيله.

والموضوع عموما ساحة بحث بكر، له من الأهمية برأيي ما يدفع المهتمين للاشتغال به.

4 تعليقات to “سُلطة النّص الأدبية.”

  1. يقول إيناس:

    عصابة النووى

    نشرت جريـدة المصرى اليوم فى 17 يوليو 2013 قال أحمد إمام، وزير الكهرباء والطاقة فى تصريحات صحفية، بعد إبلاغه بالاستمرار فى منصبه ضمن حكومة الببلاوى، إن البرنامج النووى لتوليد الكهرباء، سيكون أحد أهم محاور قطاع الكهرباء فى الفترة المقبلة.وأضاف:”لدينا برنامج جيد يستهدف إقامة 4 محطات نووية لإنتاج الطاقة،..

    الخبر واضح منه أن عصابة النووى مش ناويين يجبوها البر و كل ما يجئ رئيس يروحوا له لأقناعه بشراء مفاعلات نووية . لماذا نشترى مفاعل نووى تزيد تكلفته على 5.52 مليار إيرو ، و 300 من مراوح توليد طاقة الرياح تنتج ما يعادل مفاعل نووى و تتكلف 900 مليون إيرو فقط؟!!!

    بالرغم من كوارث المفاعلات النووية و أشهرها تشرنوبيل “أوكرانيا”عام 1986 و فوكوشيما “اليابان” عام 2011 مازال هناك فى مصر من المسئولين من يصر على أستغفال و أستحمار الشعب المصرى ، و يسعى جاهدا لأنشاء مفاعلات نووية لتوليد الكهرباء!!!!

    و أصبح واضحا كالشمس أن هناك عصابة منذ عهد حسنى مبارك مرورا بعهد محمد مرسى و حتى الأن تسعى جاهدة منذ سنوات لشراء مفاعلات نووية لمصر و لا يهم و لكنها صفقة العمر لأفراد العصابة من حيث عمولات بمثات الملايين من الدولارات يستطيعوا بها أن يعيشوا هم و عائلاتهم كالملوك فى أى بلد يختاروه فى العالم أما عواقب المفاعلات النووية التى سيكتوى بنارها المصريين فهذا أخر شئ يهم فاقدى الشرف والذمة و الضمير …

    و نحن فى مصرنا نكتب منذ عام 2007 محذرين من مخاطر النووى و منبهين إلى البديل الأكثر أمانا و الأرخص

    ثقافة الهزيمة .. النووى كمان و كمان
    ثقافة الهزيمة .. العتبة الخضراء
    ثقافة الهزيمة .. أرجوك لا تعطنى هذا السرطان

    مزيـــد من التفاصيل و قراءة المقالات بالرابط التالى

    http://www.ouregypt.us

    و الغريب أن نقرأ السعودية لديها خطط لبناء 16 مفاعل نووى بالمملكة بتكلفة 100 مليار دولار!!!‏

  2. يقول سعيد موسى:

    غبتي فجأة عن تويتر .. وأتوقع حسابك تقفل؟!
    بس فقدتك وحبيت أتطمن عليك