Archive for مارس, 2020

ليالي الأُنسِ في پاريس (قطعة أخيرة)

الأحد, مارس 22nd, 2020

لست من السيّاح الذي يحملون أدلّة إرشادية أو يسجلون مع مرشد سياحي، لست أيضا ممن يجمعون قوائم بأشهر الأماكن أو يسألون عن توصيات لأفضل المطاعم، أبدا … أنا أسافر لأتحرر من صرامة الجدولة، طريقتي بسيطة جدا وهي: المشي! المشي في كل مكان، اكتشاف كل شيء بالصدفة، التعرّف على الأشخاص بالصدفة أيضا، ساعة أبل لم تستطع مجاراة أرقامي في پاريس، كل يوم أسجل رقما جديدا وأكسر الرقم الذي قبله، جميع أحياء پاريس مشيت فيها، وفي كل وقت، أستيقظ صباحا، أرتدي فستانا نهاريا، أتجه إلى الصالون المحاذي للفندق، ثم أمشي..أمشي إلى أن تغيب الشمس، أعود إلى الفندق مشيا أيضا، أغيّر ملابسي بأخرى تضاهي السهر في پاريس، وأخرج لأمشي مجددا، لذلك لا أحب الكتابة عن المعالم الشهيرة رغم أنني بالطبع مررت بها، وأعرف الكثير من القصص، لكن بالتأكيد البروشورات السياحيّة ماكانت لتمنحني ذات القصة التي مشيت إليها مسافة 50 دقيقة من القطعة الخامسة تقريبا إلى القطعة العاشرة لألتقي بأغرب متسوّل لم أتخيّل يوما أن ألتقِ به.

وصلت پاريس في ذروة الإضراب احتجاجا على تغير قوانين التقاعد، المواصلات العامة معطلة، وشرايين المدينة تتفجر من حمرتها على الخريطة، قيمة أوبر بعشرين ضعف مع انتظار لدورك في الركوب يصل إلى الساعتين، كنت موعودة بلقاء مجموعة من الأشخاص أخبروني أن علينا أن نلغي خطط اللقاء لأن المواصلات صعبة، أخبرتهم ببساطة: ابقوا في أماكنكم سأمشي إليكم، وللأمانة كان ذلك فعلا غير محسوب، فهم يسكنون في مكان أقلّ أمانا، وكنت أتوقع ذلك لكن ما أن وصلت حتى خاب توقعي فالمكان بالفعل خطر، كان المكان المحدد جوار بيت الشباب المعروف (Generator Paris) وكنت قد طمأنت نفسي بأنني سأصل إلى مكان مزدحم بالشباب إذن لا مشكلة، لكنهم كانوا هم المشكلة، المكان يحيط به المهاجرون من كافة الجنسيات، يتحركون في مجموعات بشكل مريب ويقتربون من كل غريب لتخويفه، كان المطر قد بدأ بالهطول حالما اقتربت، لذلك بدأ الناس في دخول بيوتهم باستثناء هذه المجموعات المريبة، غربت الشمس بعد دقائق من وصولي، وصلت قبل المجموعة لذلك لم أشأ أن أظهر أنني أقف بمفردي فقررت المشي نحو أقرب مقهى، مشى خلفي مجموعة من هؤلاء، التفت إليهم (أي خدمة؟!) فانصرفوا، تابعت المشي وأخيرا بدأت لافتة المقهى في الظهور، قطع طريقي رجل في أول السّتين من عمره، ظل يقترب مني بلا توقف وأنا أحاول أن أثبت، مددت يدي لأدفعه، لكنني لاحظت جرحا ينزف منه دم طازج أعلى عينه اليسرى فتمهّلت،قال بانجليزية ممتازة: “لا أريد منكِ شيئا، فهذا أول مشوار لي بعد الخروج من السجن، اسبريسّو … فقط أريد اسبريسّو” كونه بادر بالحديث بالانجليزية هذه علامة سيئة فالرجل يعرف أنني لست من مدينته، تجاهلته ومشيت بتباطؤ لأنه بالفعل قد أثار كل مخاوفي ولكن في نفس الوقت أثار فضولي، ألا تريدون أن تقابلوا شخصا يتذوّق الحريّة أمامكم؟ يريدها بنكهة اسبريسّو؟ هل يكذب؟ ربما .. إذا كان خرج بالفعل للتو من السجن فلماذا ينزف وجهه؟ هل هرب؟ اوف! هذه قصة ممتعة أكثر… لقد شاهدت كل حلقة من من سلسلة وثائقيات (هروب ماكر) على ناشونال جيوغرافيك وأعدت كل حلقة على الأقل خمس مرات. لذلك أردت أن أعرف!

فراغات بورنو كاتالانو

لا بد أن صورة لمجسم متجزيء بيده حقيبة سفر قد مرّت بك، في إحدى الليالي وبعد بدء ليلة ماتعة على أضواء المدينة ولمعة إيفل في السّماء، قررت المشي نحو شرق المدينة، بدون هدى، الأضواء خافتة والمعالم شبه مختفية، وقبل أن أصل إلى ساحة الباستيل مر بمحاذاتي مجسّم غريب، قررت أن أبتعد لأراه بوضوح، وهذه أجمل مفاجأة، بدون قصد وجدت نفسي عند معرض دو ميسيز ، جوار بيت فيكتور هوغو، وظهر المجسم البارع أمامي، الذي هو أحد أعمال بورنو كاتالانو

الثيمة الأساسية لأعمال بورنو هي السفر والترحال، وتجزؤ الإنسان كلما عبر، تنتشر تماثيله في عدة أماكن وتتم محاكاتها بذات الفكرة، كتل من الفراغ يحيط بها جسد مرتحل، حيث تبقى الحقيبة مجرد كيان مكتمل غير متفاعل، يأكل الترحال من وجود هذا الجسد، بالبرونز – وكما أراه- كان كاتالانو ينحت الفراغ لا الجسد، الفراغ هو موضوع الفكرة الفنّية هنا، كاتالانو نفسه اضطر إلى الترحال ليجمع رزقه ورزق ابنته، كما يفعل أيّ فنان لم تتقبل حتى عائلته ولعه بالفنّ والنحت (كعملٍ حقيقيّ) ، كانت صدفة أجمل من موعد غرامي أن ألتقي عملا فنّيا طالما فُتنت به.

ليالي الأُنسِ في پاريس

الجمعة, مارس 20th, 2020

لم تكن پاريس في إييل دو فغا هي وجهتي التي حجزت إليها، لكنها المدينة التي اختارتني لأكون فيها في الشتاء المنصرم، دون سابق تخطيط وبينما كنت في السّاحة الكتالونية مع جموع مشجعي برشلونة قلت لنفسي: باريس؟ لم لا؟! وهذه ليست تدوينة سفر ولا رحلات، لأن أوّل ما خطر لي هو قصيدة جيمس فينتون ( معكِ في پاريس ) وقد تبدو لك قصيدة رومانسيّة لكنه يقول فيها:
“لا تتحدث معي عن الحبّ، فلنتحدث عن [ پاريس ] “

كنت قد امتلأت قلقا مما فاجأتنا به الرحلة من مطبّات هوائية عنيفة، احتبست عيناي دموع قلق حتى امتدت نحو يدي كفّ امرأة فرنسيّة أربعينيّة قالت بانجليزية معطوبة: “لا أعرف الانجليزية لكنني أعرف أن أقول هذا طبيعي ..هذه المطبات طبيعية، لا تخافي” ثم أشارت إلى الصفّ المقابل حيث يجلس ابنها وأمرته بأن يأتي ليطمئنني (شكرا!) ثم قدمتني إلى زوجها الذي استمر في تطميني، وبالفعل بقيت العائلة ملازمة لي، حتى الهبوط، أمرت ابنها أن يحمل لي حقائبي رغم أنني لم أحتج لذلك، وقبل أن نخرج من المطار ونظرا لهذه الحميمية التي بدأت من السّماء، كنت أردد في قلبي: “لا تتحدث معي عن الحبّ؛ فلنتحدث عن پاريس”

في جوار نوتردام أُطلّ شرقا نحو كاتدرائية نوتردام المتهاوية التي احترقت في أوائل 2019، يقابلني نهر السِين الذي يهدر بغزل الصبيان وفساتين الصبايا، أتقدم نحو الفندق العتيق، أحادث موظف الاستقبال المتأنق: لديّ حجز، سألني: هذه العينان من أيّ بلد؟ يبدو أن الجميع في پاريس متأهّب للغزل، جاريته في تلطّفه وناولته جواز السفر، وضعه في جيبه ثم قال: أنتِ محتجزة هنا إلى الأبد! تغامز جميع موظفي الاستقبال من هذه الدرامية في الاستقبال، كان ذلك اليوم يصادف حفل MDL Beast في الرياض لذلك وجدتها فرصة لأفتح جوالي على بث الحفل وأضيف: انظر، جئتكم من هنا. وأعتقد أنني أستحق مكافأة من هيئة الترفيه على هذا التسويق

Seine

أن تنتمي …

لطالما آمنت أن الانتماء مختزل في فكرة التشابه، أن نتنمي لمن وما تشعر أنه يشهبك، يشبه عفوّيتك، وحقيقتك، وأحلامك،ذلك المستوى من التشابه الذي تشعر من خلاله أنك تتجزأ فيما تنتمي إليه، ثم تعود وتتماهى فيه، القدرة على الانفصال، والقدرة على الارتباط ، الاثنان معا هم الانتماء، وكل شيء في پاريس كان يجعلني أشعى بأنني أنتمي. سأتحدث في التدوينة اللاحقة عن (حكايا پاريس) أُناسها وأماكنها، وأحداثها، لكنني هنا لا أستطيع أن أتخلى عن رغبتي في الكتابة عما تفعله هذه المدينة بي، المدينة الوحيدة التي أنشغل في رحلة العودة بتصفح التقويم وتقرير موعد الرحلة القادمة إليها، التي يشغلني دائما تجاهها شعور: سأعود إليك!

أنتمي إلى النساء المتأنقات بلون شفاه أحمر، وأنتمي إلى الرجال المصطفّين على جوانب الطريق، كل واحد منهم يخبرني (صباحك حلو يا حلوة!) دون أن يبدو مرتبكا أو مهزوزا، بذات الثقة التي تقف عليها حوائط مونماغتخ Montmartre ، وبالذات الصرامة التي يتجلى فيها قوس النصر.

أنتمي إلى أشجار الشانزليزيه كما كانت بالضوء المحمّر كما يجب في ليلةِ كرسمس، إلى الأغنيات والراقصين، إلى كل شيء أوقفني ليسأل بلطف: من أين أنتِ؟ … أهلا بك! هذه هي الرحابة التي تميّز پاريس وليس الحب، هي مدينة الأهلاً بك! مدينة الابتسامات اللعوبة،والغزل الشّفيف، مدينة النّاس في أجمل تصوراتهم، النّاس …

لماذا لم يحبني أحد؟ نتفكلس: غابرييل فيرنانديز-

السبت, مارس 7th, 2020

خرجت من ماراثون مشاهدة مستفز نفسيا لكنه منعش قانونيا، ست ساعات من المشاهدة لمحاكمات قضية غابرييل فيرنانديز، وهي باختصار قضية تعذيب ممنهج تجاه الطفل غابرييل، والتلذذ بتعذيبه من قبل أمه وصديقها، الأمر الذي أدى أن تسكن رصاصتان في جسده، وتنكسر جمجمته ذلك بعد تجويعه وإجباره على الأكل من صندوق فضلات قطط العائلة، وكما تفعل نتفلكس عادة في هذا النوع من الديكودراما، تُسائل النظام؟ الأمريكيون يحبون دائما طرح هذا السؤال- على أي شيء- : هل خذله النظام؟ ذلك سؤال يساري بامتياز، ينطلق من فكرة تتمحور حول دور النظام، حتى في إصلاح المجتمع . فكرة استبدادية ومتطرفة لكن لا يمكنك أن تخطئها أو تصوّبها بسهولة.

The Trials of Gabriel Fernandez Credit: Netflix

كبش فداء العائلة:

“إحداث صدمة للنظام” هو عنوان الحلقة الأولى باعتبار أن إحداث هذه الصدمة هي الأوسيلة الأنجع في توجيه الرأي العام نحو مسائلة النظام وممثليه بما يفترض أن ينتج عنه إصلاح النظام، في قضايا العنف تجاه الأطفال يتدخل المجتمع بشكل أقوى من النظام – برأيي- في تشكيل توجه الأحداث، لذلك أعتقد أن مساءلة النظام هو لعب على الهامش، هل يعني ذلك أن على الخطوط الساخنة للإنقاذ من العنف أن تتوقف؟ لا بالطبع، لا بد أن يكون النظام متدخلا بشكل صارم، لكنني هنا أتحدث عن الفاعلية، قوانين حماية الطفل تبذل جهدا معقولا في تعريف العنف وممارساته وصياغة العقوبات اللازمة، لكن القانونيين يعرفون أن القاعدة الأولى عند صياغة أي نظام هي: أن يكون قابلا للتبني من المجتمع. التبني لا يعني أن يوافق عليه جميع أفراد المجتمع وإلا سيكون القانون عبارة عن أداة تنفيذ بيد الجموع ضد الأفراد، لكن المقصود هو توافر حدّ من القبول المتواطأ عليه بين مجموعة من الأفراد الذي يجمعهم تشكّل معين سواء كان قبيلة أو مواطَنة أو حتى مجرد عائلة.

القوة المجتمعية هي التي تجعل شخصا موبوءا بالكوارث النفسية يكتب في تويتر مثلا: “هذا احنا انضربنا وطلعنا مهندسين مافينا إلا العافية” ، الموبوؤن نفسيا المنتشرون بيننا الذين يرون العنف نكتة تحكيها لأصدقائك، أن الكف الذي فاجأك بك والدك أمام الضيوف في المجلس هو تربية عظيمة، ورغم أنك محمل بالتشوهات في التواصل والتعبير عن الذات والتفاعل مع المجتمع إلا أنك ستقول أخيرا: مافينا إلا العافية! هذه القوة المجتمعية هي التي تجعل الأمر مقبول ومضحك أن يكون في العائلة كبش فداء يتم تعنيفه، أو حتى مجموعة من الأبناء.

#هاشتاق

مع الدخول الجميل للأفلام السعودية على نتفلكس، أودّ لو تأخذ قصصنا المنثورة في هاشتاقات تويتر، المتعلقة بالتعنيف لفتة من صنّاع الأفلام التوثيقية، قد لا تكون القصة مكتملة كما في محاكمات قضية غابرييل، فلن يوجد صحفي استقصائي يقدّم طلبا للحصول على أذونات تتعلق بملف القضية، لكن بالتأكيد لنا حضور استقصائي فريد في تويتر يستحق التوثيق.

سبعُ صباحاتٍ باكرة لشخص مولع بالسّهر

الإثنين, مارس 2nd, 2020

لطالما أحببت الشمس وهي تغوص في عمق البحر أو تتلاشى خلف جبل من جبال السّراة الحجازيّة، كانت تلك علامة حماسية لبدء وقتي المفضل من اليوم، المساء، الليل، السّهر. رغم أن المشهد نظريا قد لا يختلف عن منظر الشروق الذي لم أحفل يوما به، من الآخر… لست شخصا صباحيّا، وتقسيمة الأشخاص إلى صباحيين ومسائيين ليست كيليشه، بالنسبة لي هي حقيقة ملموسة، لأنني بذلت جهدا مطولا ومستصعبا في فهم انتاجيتي، وأعتقد أنني أتبعت عددا وفيرا من التكنيكات في إدارة الجهد ( لا تهمني إدارة الوقت وقد أكتب يوما عن ذلك) على كلِ قررت أخيرا أن أستجيب لما يتطلع إليه جسدي، الذي يقاوم منحي مزاجا طيبا وطاقة مرتفعة في الصباح الباكر، مع ذلك أبدأ اليوم سلسلة من سبع صباحات باكرة، اليوم هو الاثنين الثاني من مارس 2020م، وسأسجل يوميا انطباعي الصباحي:

اليوم الأول: محمد عبده يا جماعة! يا مقاهي .. يا عالم!

لم يكن فائض النوم يوما مشكلة بالنسبة لي، أكتفي من أربع إلى خمس ساعات نوم ذات جودة عالية، دماغي يفضل الخمس ساعات حتى أنه يستيقظ منتشيا بشكل مريب (سأحقّق معه لاحقا بهذا الشأن) ، شركة أبل – على نحو غريب- تتفق معي في هذا الأمر، فقد قرأ الآيفون عاداتي (دون أن ألاحظ!) ثم بدأ في تنبيهي للخلود إلى النوم في الساعة الثانية فجرا وجهّز تنبيها للإيقاظ في الساعة السابعة صباحا، أصدقائي الذين يعارضون نمطي المقلّ في النوم أقول لهم: مشكلتكم مع أبل وليست معي.

أستغرق عادة 10 دقائق فقط في التجهّز الصباحي، هذا يعني فائض من الوقت للتورّط به، المزاج مناسب لكنني لا أود استفزازه، أمرّ الصديقة الحُلوة لأخذها إلى العمل (أخبروها أنها محظوظة) ولا يزال الصباح فائضا على شخص مسائي، لذلك قررت ممارسة عادتي المفضّلة: اكتشاف مقهى جديد بالجوار! وقد وجدت مقهى حميما بقهوة ممتازة، وأنا هنا أريد أن أقول لجميع أصحاب المقاهي في العالم: لا شيء أروع من أن أدخل مقهى وأجد (كل مانسنس) في استقبالي، ، الجواب الصحيح لصوت الصباح هو أبو نورة وليس فيروز . هذا صباحي الأول وقد بدأت سلفا في التحدث كخبير، ماشاء الله.

اليوم الثاني: سولفي للنّاس عنّي

لدى الرياض موهبة فريدة في اختلاق الجو الرائع لدرجة مرهفة كروح فنّان أوالجو السيء بشكل يشعرك أن المدينة تعاقبك وكل ذلك على نحو متقلب ومفاجئ، تلك هي موهبة الرياض وأعني “المباغتة”، ورغم أن السلوك الصحراوي حفظناه من الصف الرابع (شديد البرودة شتاء شديد الحرارة صيفا) لكن هذا جزء من خدعة المباغتة، إن هذه القاعدة تبدو دالة بشكل مضلل، فهي لا تخبرك متى الشتاء ومتى الصيف، ماهو الشتاء والصيف أصلا؟ عليك أن تكتشف ذلك كل صباح ومساء وكل حين! أستيقظ اليوم على درجة حرارة 11 مئوية مع شمس ساطعة، هذه التوليفة البديعة “لا هي نار ولاهي ما، ولاهي غيمة ولا سما” تدفعني للتقدير، أتجه إلى الصديقة الحلوة التي تدعي أنني أستغلها في إنشاء عادة الاستيقاظ باكرا، وهذا صحيح يعني لكن “مشّيها طال عمرك”، ثم إلى المقهى اللطيف لأجد صديقة أخرى أحبها، يجمعنا حب الحركة (ولا أريد تسميتها رياضة) وحب المقاهي الأصيلة، أعدّ قائمة قراءات مارس لمشاركتها مع مساعدتي الرائعة التي تريني وجها آخرا عندما لا أنضبط وقليلا ما أفعل لكن على كل حال “يارضاها وقف وناظر شوي” ، يبدو كل شيء هذا الصباح مؤاتيا للانشراح، أحب هذه النوع من المزاج المؤاتي، وهو لا يكون مزاجا محددا لكنه منفتح باتجاه محدد كأول سؤال مؤاتٍ يقابلك في هذا المقهى:

اليوم الثالث: أشياءُ منسيّة

حتى الخبراء يقعون في الأخطاء، استنفذت طاقتي البارحة مبكرا فنمت في الثانية عشرة، ساعتان إضافيتان من النوم كانتا كافيتين للتأثير سلبا في مزاجي، وكنت سأتخطى الحلم المزعج، والاستيقاظ الفزع، والعودة من نصف الطريق لأنني نسيت اللابتوب لولا أن المقهى استقبلني بقائمة أغانٍ شعبية مصرية ثم جورج وسّوف، جراح وخيانات ويا دنيا غدارة …يخرب بيتكم! ماكل هذا البؤس، قائمة الأغاني في المقهى بالنسبة لي هي جزء من تسعيرة الخدمة لذلك لأول مرة انظر إلى الفاتورة وألاحظ أن تسعيرة الكوب الذي اشتريه 12 ريالا، وبدا لي أن ذلك مبالغا فيه، وكأي عميل “نشبة” استأذنت إذا كان من الممكن إعادة تشغيل القائمة المعتادة، وهذا مألوف بالطبع في المقاهي عدا مقهاي المحبب Satan’s Coffee في برشلونة والذي – نظرا لهويّة المقهى اليسارية- كنت قد خمنت مسبقا أنهم سيرفضون طلبا كهذا لكنني طلبته من باب المشاغبة وبالفعل أخبرني الباريستا: لا يمكننا تغيير الأغنية، وعندما ضحكت وسألته: لم لا، فجميع المقاهي تفعل ذلك؟ قال بعناد:”لا لا، لأنه مقهانا نحن!” كشخص عنيد فأنا أحبّ العنيدين، ومالا يفهمه الآخرون أن جزء كبيرا من متعة العناد تكمن في (المقاومة) مقاومة الطرف المقابل لذلك إذا أردت أن تغلب عنيدا عليك ببساطة أن (تسايره) ولا أعرف لماذا أخبركم أمرا سريّا كهذا، على كلّ، الباريستا اللطيف اليوم ناولني جهازه للبحث عن أي أغنية أحبها ظهرت لي بالتأكيد قائمة البحث السابقة بما يعبر عن مزاجات العملاء النشبة الآخرين، وكانت عملية انقاذ مثيرة للعجب والإعجاب عندما تغيرت قائمة أغاني الدنيا الغدارة إلى: “سـَـاري..ساري وأصوّت لك أبيك/ النظرة في عيوني تبيك/ والرعشة في قلبي تبيك/ شعوري ذا الليلة غريب!”

اليوم الرابع: ألوبريجنانولون

اليوم الرابع هو اليوم وليس أمس، فبالأمس استيقظت في الوقت الباكر بنشاط اعتيادي لكنني سألت نفسي سؤالا كان يفترض ألا أسأله، وهو ذات السؤال الذي أكرره كل تلك السنوات الصباحية وهو: ما الجدوى يا بنت؟! طيّب وبعدين؟ هذا صباح إجازة جمعة لذلك لديكم متسع من الوقت لتبحثوا عن ألوبريجانولون، لأنه أجاب على سؤالي وقتها، ووفقا لتوجيهاته السديدة، ورغم مبالغة تنبيهات تطبيق WordPress التي تلح علي بالاستجابة لكنني فضّلت أن أصغي إلى ألوبريجنانولون، لن تتمكنوا من نطق اسمه؛ لا.. لا تحاولوا.
ولأنني “بنت كويّسة” أخبرت صديقتي البارحة أنني سأستيقظ اليوم باكرا مهما كان الوضع، لأنني لا أحب أن تسيطر علي لعبة كيميائية، ولأن نمط حياتي محموم طوال الأسبوع فإن الجمعة بالنسبة لي هو يوم شخصيّ جدا، أقل عدد ممكن من الخروجات، اللقاءات، عدم الالتزام، السهر بلا حدود، التمتع بفعل لا شيء، يوم الجمعة هو اليوم الذي استخلصه لنفسي، إذا قابلتك يوم الجمعة فعليك أن تعتبر ذلك علامة محبّة، الأحبّة يتصرفون بحماقة أحيانا وستكون تلك حماقتي، مساء الجمعة يرتبط لدي بالـ(Movie night) مع الأصدقاء في بيتي، ولا أجد فائدة من ربط ذلك بالجمعة فليالي الأفلام نقوم بها معا حتى في منتصف الأسبوع، ربما الفرق الوحيد أننا لا ننظر إلى ساعاتنا في فيلم مساء الجمعة، أيضا يكون هذا الاستخلاص لليوم محملا ببعض المتع الصغيرة في إدارة بيتي، تزورني عاملة للتنظيف، في منتصف اليوم ستفوح رائحة الخبز الشهيّة: ماربل باوند مع صوص الشوكولاته الداكنة (وكيتو أيضا!)، رواية ابنة الحظ لايزابل اللندي، الخروج المحدود للشراء من السوبرماركت مؤنة الأسبوع القادم، فتح الشبابك الواسعة للتهوية، وأخيرا … الاتصال بالعائلة.

اليوم الخامس: منسيّة!

استيقظت اليوم باكرا بالنسبة إلى يوم سبت، عالقة بذهني جملة واحدة متكررة “..not so forgotten” لا أكاد أستحضر مصدرها، فقررت أن أشرع في صباحي إلى حين اكتمال النصّ، يحدث هذا كثيرا لي، أستيظت بجملة مبتورة تدور كدروار البحر في رأسي، غالبا بعد مضي بعض الوقت يكتمل النص الذي هو بالعادة قصيدة سمعتها قبل 10 سنوات، أو سطر من رواية أو مقطع من من سكربت شخصية في فيلم أو أغنية بالطبع، فكرت ذات مرة: على أيّ أساس تختار لجنة الكلمات في رأسي “جملة اليوم” هل لديهم قائمة قصيرة للجمل المرشّحة؟ لا أعرف لكنني أشهد لهم بالبراعة، فغالبا ما تكون الجملة المجتزأة من النص هي الأكثر تحفيزا للذاكرة، والأكثر إثارة للفضول، والأجمل في الوزن والقافية والنغم، هذا ما يجعل التكرار إلحاحا محبّبا إلى حين تكشّف المصدر.
قضيت البارحة جولة ماتعة في (الدرعّية) الواقعة في عارض اليمامة إزاء الرياض (المدينة) وهي تتبع الرياض كمنطقة، أحياء بسيطة لكن منظمة، سوق متوسّع للأهالي، مقهى سمره، ولديهم نادٍ رياضي وكانت تلك مفاجأة لي، حضّرت البارحة لصبيحة هذا السبت، حيث أراجع الان خطة الأسبوع مع مساعدتي الجيدة، أراجع مواعيد الاجتماعات وأؤكدها، صبيحة السبت بالنسبة لي إعلان تشويقي لأحداث الأسبوع القادم، وقهوة أكيدة مع صديق لكنه مسافر هذه الأيام، لذلك سنعطي إكسير البن إجازة من ضحكنا (الملعلع) هذا اليوم. لست متحمسة لفعل أكثر من ذلك؛ لكنني أفكر في.. آه لحظة… تذكرت شيئاً: الجملة المبتورة تعود لفيكتوريا إريكسون والنصّ هو:

“Listen to the night as the night knows your truths, your stories, your aches, your dreams, your cravings, your forgotten memories, not so forgotten” Victoria

ويمكنني ترجمتها إلى:
إصغِ إلى الليلة العالمة بحقائقك، بقصصك، بتأوّهاتك، بأحلامك، برغائبك، بذكرياتك المنسيّة، ….ليست حقا منسية!

اليوم السّادس: وأنت يجيبك أصلك وطيبك

كان هذا اقتراح مجيد وهو يملأ فراغ هذا الصباح، أمامي قهوة اليوم وماء وغثيان هرموني، وعدة مواد أقرأ فيها، سأوضحها تاليا لكني أولا أريد أن أسأل مجيد: كيف أستطاع أن يعوّل على أصله وطيبه؟ أود لو يتم تصنيف الناس تحت أي سلطة كانت وفق هذا المعيار، أو ربما يمكننا استبدال العبارة التقليدية (العمل تحت الضغط) في سيرتنا العملية إلى (يجيبني أصلي وطيبي) كأحد الميزات الاستثنائية والجاذبة، ما أدري… لكن عليكم أن تكتشفوا طريقة نتستفيد بها من هذا المعيار الخلاق والفاصل في تمايز الناس، يا للناس! المادة التي أقرأها هي في إدارتهم بطريقة الهدف والنتيجة الأساسية وتسمى OK أو OKR – Object and Key Result وهي النسخة الناضجة لاستراتيجية MBO – Management by Objects وتتلخص استراتيجية القيادة بالهدف والنتيجة الأساسية في التفريق بين (Object /Goal – الغاية /الهدف) والفرق الأساسي بينهما أن الهدف يتضمن في صياغته قياسا أما الغاية فهي تحديد عام للحالة التي تريد الوصول إليها، تحسين الصحة العامة غاية، رفع المعدل العُمري للمواطنين بنسبة 1% هذا هدف، ثم تحدد ما يصل إلى 5 نتائج أساسيّة لكل هدف، تكملة للمثال السابق: تطوير نموذج التطعيمات الإجباري للمواليد هو نتيجة أساسية، قد تتطور الاستراتيجية إلى إضافة (Initiative/ مبادرة) لكل نتيجة، مثلا مبادرة مقترحة للنتيجة السابقة: برنامج تواصل مع الوالدين لمتابعة تنفيذهم وتوعيتهم بالتطعيمات، هذا تطبيق على المستوى العام، يمكن أيضا تطبيقه في الشركات، وحتى على الأفراد رغم أنني قرأت عدة مواد لا تؤيد تطبيقه على الأفراد، وتلك مفارقة إذ أنني لم أسمع عن هذه الاستراتيجية إلا في سياق تطبيقها على الأفراد، في بودكاست نيويوركيّ تقول مقدمته أن هذه الاستراتيجية تساعد الفرد على التركيز العالي كما أن محورها هو (Measure what matters) ويبدو أن هذه الإضافة على الاستراتيجية كانت من كيس المقدمة لكنني أشكرها على توسيع الآفاق، توجد أداة الكترونية لتنفيذ هذه الاستراتيجية هي Predoo في حال أعجبتكم وأردتم تطبيقها، لكن بالنسبة لي سأكتفي بأصله وطيبه

Credit: Predoo

اليوم الأخير: *صوت المُنبّه*

عندما بدأت التدوينة لا أعرف لماذا اخترت الرقم سبعا لتوثيق الصباحات التي من المخطط لها أن تستمر حتى آخر مارس فحسب، هذا هو التحديث الأخير لهذه التدوينة.
في كل يوم صباح كنت أنتهي من قضاء الساعات المبكرة ثم أفتح المدونة وأشرع في الكتابة مباشرة قبل التوجّه إلى منطقة عملي، بدون أي تحضير أو تخطيط، لقد أردت لهذا التسجيل الصباحي أن يكون انعكاسا طبيعيا لما أشعر به لحظتها، ولم أكن متطلبة تجاه نفسي بالحصول على صباحٍ رائع أو مختلف، أردت لهذه التجربة فقط أن تكون (استيقاظا مبكرا) وهي جزء بسيط من تجربة أكبر خصصت لها شهر مارس، ولا أعقتد أنني سأكتب عن هذه التجربة الأكبر.

أسميت تحديث اليوم بـ (صوت المنبّه) رغم أنني لا أستخدمه فعليا، ولا أدري كيف سأقنعكم بذلك لكنني أستقظت في الوقت الذي أريده عندما أقرر ذلك قبل النوم، ودون الحاجة للمنبه، الاستثناءات النادرة التي أجهز فيها المنبه هي عندما تكافئني دورتي الهرمونية بنومٍ جزيل وعميق ومذهل، فأعرف بالتجربة مسبقا أن جسمي لن يضع أولوية للاستيقاظ فوق احتياجه الحميمي، أحترم اختياره بالتأكيد، هل تصغون لأجسادكم؟ ماتّ دي فالا المدوّن اليوتيوبي هو أحدنا، المدونون الكاشفون عن تجارب متعددة لغرض التجربة، في تلخيصه لتجربة (استحداث 12 عادة جديدة في 12 شهر / سنة) ، كان أحدها عادة الاستيقاظ فجرا- بالنسبة لإنسان ليليّ- فذلك تحدٍ، يقول أن نتيجة تجربته كانت مفاجئة فالعادات التي يتم الترويج لها بأنها عادات الناجحين أو أفضل استثمار للوقت والطاقة ليست بالضرورة شائعة أو حتى صحيحة، أحدها تجربته في استحداث عادة الاستيقاظ فجرا حيث كان متأكدا أن هذه العادة ستغيّر حياته للأفضل،ستضاعف من طاقته وإنتاجيته، الذي حدث هو العكس تماما، يمكنك أن تشعر بالنشاط في اليوم الأول أو الثاني لكنك ستصل إلى نتيجة يشعر فيها جسدك بالاستنزاف ويعطيك أقل معدل طاقة لليوم، ستضطر لشرب الكافيين متأخرا، ستعاني الأرق، وستدخل في دائرة متكررة من هذا النمط، يقول مات: أنه أصبح أكثر تقديرا لطبيعة جسده، وتخلّص من اتهام نفسه بالكسل لأنه يستقظ متأخرا بساعتين أو ثلاث عن “الصباحيين” أنقل تجربته لإثراء الفكرة، لكنني أعرف ذلك سلفا، فليست هذه المرة الأولى، ولم يكن غرضي تحفيز الطاقة، فأنا أعرف دائرة الانتاجية اليومية عندي وأعرف ذروتها، هدفي كان مختلفا، وأعتقد أنني بدأت ألمس نتائجه من اليوم السادس تقريبا.
هذا الصباح كان أحد الصباحات التي تمنيت فيها لو ألغي جميع الاجتماعات العملية، وأغوص في فراشي لآخر اليوم، ورغم أنني أملك خيار ذلك وبدون أي عواقب مزعجة، لكنني اخترت أن أنهض، وتركت الباقي على قهوة دانكن.

وداعا!

الدقيقة 6:47