Archive for فبراير, 2020

أمزجة رديئة –

السبت, فبراير 29th, 2020

عندما كنت أفكّر في تدوينة السبت، ليست هذه هي الفكرة التي جالت بخاطري، ففي منتصف هذا اليوم حدثت لي حادثة مزاجيّة غامضة تعثر فيها مزاجي بشكل حاد، استغرقت في الحزن وفي الألم من شيء لا أفهم مصدره تماما، وإن كان يمكنني تخمين تداعياته، صرت أدور في شوارع الرياض بلا هُدى، أريد لهذا المزاج الرديء أن ينضبط، استدعيت قائمة التحسين الطارئة: أغاني أحبها، محادثة الأصدقاء، مقابلتهم، كل ذلك لم يجدِ؛ هذا يعني أن عليّ اللجوء إلى قائمة التحسين الأكثر تعقيدا

كلنا نخوض تجارب أمزجة رديئة تداهمنا بلا موعد؛ عندما أتصفح دفتر يومياتي أجد عددا من الأيام البهيجة، وعددا من الأيام الصعبة (أحدها صورته مرفقة بهذه التدوينة)، كلاهما يتطلبان منا استجابة نوعية لمعالجة التجربة بأقل قدر من الأضرار، قد تكون الأسباب بيولوجية بحتة: نوم متعكّر، دورة شهرية (تحدث للرجال أيضًا – اقرأوا فيها) ، إفاضة هرمونية من أي نوع آخر، طعام لا ترحب به أجسادنا، هذه الأسباب البسيطة التي لا نلقي لها بالا قد تكون محركا أساسيا في مزاجنا اليومي، ناهيك عن التدخلات الخارجية. كلنا نختبر ذلك لكن ليس جميعنا يعي به، أعتقد أن الوعي بأنك تمر الآن بمزاج رديء هو الفارق الفاصل في تحسين جودة حياتك، يليه تطويرك لسلسلة من الاستجابات النفسية والسلوكية التي تساعدك على تخطي هذه الأوقات، ولعن الظلام بالمرة، في حال لديك خطة انقاذ لمزاجك سأمتن لو تكتب عنها في مدونتك أو تكتبها لي، هذه خطتي:

الاعتراف:

ذلك أحد مراتب الوعي، أتوقف فورا عن المحاولات المستميتة في تحسين مزاجي، أتوقف للحظة أخبر نفسي فيها أن هذا الوقت هو أحد الأوقات الصعبة، أنه سيمرّ ، أن عليّ أن أستضيفه وأتركه يعبر دون مبالغة في المقاومة.

لا بأس بالحزن:

 لا أطالب نفسي بالانشراح المطوّل أو الانفتاح الاجتماعي تجاه اللقاءات (العزائم)، أقوم بإلغاء الارتباطات القريبة (خلال اليوم الأول من المزاج الرديء) تلك إحدى دفاعاتي الفعالة، لأنني لا أجيد التزييف، عندما تلتقي بي وأنا حزينة، سترى ذلك بيانا، وأنا لا أريد أن أضع نفسي في موقف أشرح للآخرين حالة مزاجية أنا نفسي لم أفهمها بعد، هل يجب أن أفهمها أصلا؟ لا. إذن لا بأس، سأقضي وقتا في اختبار الحزن الشفيف

تحديد المدة:

وهذه مرتبطة بالنقاط السابقة والنقاط التالية، من المهم جدا التعامل مع  التقلبات المزاجية باعتبارها حالة مؤقتة، الاستغراق فيها قد يقودك إلى الاكتئاب، بالنسبة لي لدي عهد قطعته على نفسي منذ 9 سنوات، ألا أضع  رأسي على وسادتي وأنام إلا وأنا هانئة وأشعر بالراحة، ليس بالضرورة البهجة والسعادة، إنما الراحة، التسليم، الانسجام. لذلك يوم واحد فقط هو المدة القصوى لاستضافة الأمزجة الرديئة، قد أصحو بشكل غير مطمئن، لا بأس يوم آخر أبدأه من جديد، وأنهيه بذات الطريقة.

مراقبة النمط:

مثلا: الإفاضة الهرمونية لديها نمط، يتأثر المزاج بفعله، لدي تطبيق لمتابعة نشاطي الهرموني، أغذيه بالبيانات التي استخدمها لاحقا في تفسير مزاجي عندما لا يبدو مفهوما، إدراك هذه الحقيقية الطبيعية حسّن نوعيا جودة حياتي، حتى أنني بدأت أتابع لأصدقائي أنماطهم: لقد أخبرت صديقي ذات مرة هذه الجملة: في آخر 10 شهور، كان مزاجك يتقلب ويسوء من اليوم السابع عشر حتى الواحد والعشرين. وأخبرته أنني سجلت تاريخ كل مرة جائني فيها منهارا كارها لحياته ووظيفته وكل خياراته. ( تحمست  : ) ) فعلت ذلك لأقنعه بأهمية مراقبة النمط.

التخفّف من المسؤولية:

لا شيء في الدنيا يعادل صحتك، ولا أفهم لماذا حتى الآن يتم منح الإجازات المرضية فقط للتعب الجسدي، بالنسبة لي أحاول إشاعة ثقافة الصحة النفسية في كل مكان أعمل فيه، عندما أحتاج إلى الراحة أخبر الفريق بأن ذلك لمصلحتي النفسية. وكشخصٍ كمالي (Perfectionist )  كنت أجد صعوبة في تخطي فكرة تعليق الأعمال، لكنني تجاوزتها عندما أعليت من قيمة صحتي.

التوقف عن حسم الأمور:

مادام ذلك لمدة محددة، ما الضير في أن تدع نفسك تختبر هذه الحالة؟ دع الأمور تمضي، ليس ضروريا أن تقرر اليوم هل أنت في الوظيفة التي تتمناها، هل شريكك هو الأنسب لك، هل أصدقاؤك داعمون كما تحب، هل أنت في مقام أقرانك، من طبيعة الأمزجة الرديئة أنها تفتح لك جميع الأدراج للملفات الشائكة، وتشعرك بالضرورة، ضرورة أن تفعل شيئا، حسنا .. لا تفعل أي شيء!

هدر الوقت:

 اسمح لنفسك بممارسة كل الأمور التي لا تعتقد أنها هادفة، اقطع التزامك الغذائي الصحي، اكسر روتينك، يوم أو يومان لن تنتهي فيهما الدنيا

أشياؤك المحبّبة

في مقابل السماح للمزاج السيء في أن يكون، عليك أن تخلق مزاجا مقابلا للأمور التي تجلب لك الراحة، وأن تستدعي أشياءك المحبّبة، يجب أن تحتفظ بها كقائمة مكتوبة: مشاهدة فريندز أو ساينفيلد، المشي، الانجاز مهما كان صغيرا، القراءة، وجبة برسكت طري،، احتضان من تحب، بدء مسلسل جديد على نتفلكس …

قم بتغذية روحك بأنشطة تساعدك على رؤية الحياة من جانب آخر؛ هذه ليست كل الخطة التي أمارسها، لكن ذلك يكفي الآن، لأن غرضي من التدوينة كان الكتابة عما أشعر به لأتخطاه، وأعتقد أنني تخطيته عند هذا الحد من الكتابة … مساء بهيج.

“أنا مشغول”…إدمان الحالة الطارئة!

الإثنين, فبراير 24th, 2020

لماذا يحب كثير من الأشخاص إحاطة أنفسهم بهالة “أنا مشغول” عندما تسأل: كيف العمل معك؟ يندر أن تحصل على إجابة: “تمام.. رائع، أنا مبسوط” يبدو قالب الإجابة للسؤال هذا هو: “اوف! مشغول.. ضغط والله” لا تقلق على صديقك عندما يجيبك بهذه الإجابة فغالبا هو يقولها مدفوعا بالأدرينالين لا الحقيقة، في كتاب (خياراتٌ خمسة: طريق الانتاجيّة الاستثنائية) يتحدث مؤلفو الكتاب عن (إدمان الحالة الطارئة)

روعةُ الأدرينالين:

إذا أردت أن أصف المادة الكيميائية الحميمة في أدمغتنا “الأدرينالين” وفاعليتها لشخص غير متخصص سأقول هو: الشعور العارم باللذّة الفائقة في لحظة خاطفة!

هذا الوصف يجمع لك ثلاث امتيازات تتجلى في هذا الشعور وهي: التدفق الشامل، الحِدّة ، السرعة في الإستثارة. والآن: من منّا لا يرد الشعور بهذه الروعة! بالضبط .. لذلك يقف الأدرينالين خلف عاداتنا الإدمانية التي ننتقل من فعلها بوعي إلى فعلها وفق نمط متكرر يكاد يفلت من سيطرتنا. الخدعة هنا أن هذه اللعبة الكيميمائية الممتعة مرتبطة في تطورنا بشعورنا بالخطر، فهي السبب الأصيل في أننا نهرع لإنقاذ أنفسنا بشجاعة في مواقف لا نتصور أننا سنصمد فيها. لكن ما علاقة ذلك بالعمل؟ إن روعة الشعور بالخطر – كما يقول الكتاب – تدفعنا إلى “تزييف شعور الحالة الطارئة” لإثارة الأدرينالين. ذلك ما يجعلنا متعطشين للشعور بأننا مشغولون بشكل دائم ومستمر، مضغوطون، وأن مهامنا متكدسة وعلينا أن ننجزها .. الآن وفورا، يريد أن يقنعك دماغك المدمن أن العمل “حالة طارئة!” وأي سؤال عنه هو فرصة ذهبية لإثارة ذلك الشعوة العارم باللذة الفائقة في لحظة خاطفة!

إدمان الحالة الطارئة وتباطؤ الانتاجيّة:

يؤثر إدمان الحالة الطارئة على الانتاجيّة سلبا من ناحية أن هذه الاستثارة لها طابع الإيجاز، بالتالي ستظل تلاحقك المهام المفتتة الصغيرة التي تشعرك بأنها طارئة لكنها ليست ذات أهمية حقيقة في مسار عملك، كما أنك تنجزها بسرعة مخلة بالجودة لأنك تطارد مهمة أخرى جديدة ومختلفة وموجزة أيضا، يصنّف الكتاب هذه المهام الإيجازية بأنها ضمن فئتين : المهام المشتتة، والمهام المُهدرة.

المهام المشتِّتة مثل: المقاطعات غير الضروية في بيئة العمل، كتابة تقارير غير مهمة، ترتيب اجتماعات عشوائية، الاهتمام المبالغ فيه بأمور زملائك الهامشية، الاستغراق في الإيميلات غير المهمة، الاتصالات ..وغيرها، وهي المهام التي لها طابع مهام عملك وتبدو مؤثرة ولها عائد محدود لكنها في الحقيقة ليست ذات قيمة في انتاجيتك، لذلك ستحتاج إلى مزيد نباهة وإرادة لتمحيصها من بين مهامك الأخرى اللازمة.

المهام المُهدرة هي التي يكون عائدها صفرًا على انتاجيتك وعملك بشكل صريح، مثل: الإفراط في الاسترخاء، تجنّب الأنشطة، هدر الطاقة في نميمة الزملاء، ونحوها.

إن إشكالية الانغماس في هذين الفئتين من المهام أنها محفّزة للأدرينالين، وتساعدك على مزيد من التأجيل للأعمال الحقيقية ذات القيمة المضافة مما يغذّي كونك في “حالة طارئة” حيث دائما هناك المزيد من الأعمال التي تنتظرك لانجازها، لذلك ستستغرق في المزيد من المهام المشتتة والمهام المُهدرة، هذه هي الجرعات التخديرية اللذيذة.

*we are a culture of people who’ve bought into the idea that of we stay busy enough, the truth of our lives won’t catch up with us*

هل من الخطأ أن تكون مشغولا؟!

بالطبع لا! إن الأعمال الواقعة في فئة أعمال “الانتاجيّة الاستثنائية” من الممكن أن تبقيك مشغولا جدًا، مثل: ممارسة العمل ذو الأثر المرتفع على أهدافك وأهداف مؤسستك، التفكير الخلاق ، التخطيط، الأعمال ذات الصبغة الإبداعية، المبادرة، الأعمال الوقائية (الاستباقية). بناء العلاقات، التعلّم والتطوير. تمتاز طبيعة الأعمال في هذه الفئة بأنها مهمة لكنها غير طارئة، هذا يعني أنك تكون في حالة تمتلك فيها زمام أمورك و”تختار” أن تفعل الأشياء التي تصبّ مباشرة في أهدافك بدل أن تبقى “مستجيبا” للحالة الطارئة، العائد المتوقع لهذا الأداء غير العادي هو الحصول على الانجاز وتحقيق النتائج، إنّ الفرق الجوهري بين أعمال هذه الفئة وأعمال الفئات الأخرى، أنك هنا تسعى لعمل ما تود فعله تماما، بينما في حالة الأعمال المشتتة والمهدرة أنت تترك الأعمال تأتي إليك ويقتصر دورك على الاستجابة لها وتغذية الأدرينالين المتدفق. ماذا عن الأعمال (المهمة والطارئة؟) تخبرك عدد من تكنيكات إدارة الوقت أن تمنح هذه الفئة أولوية ، ليس الحال هكذا على الدوام! فالانغماس في الأعمال المهمة والطارئة سيجعلك تنجز المطلوب فحسب، بمعنى ستكون انتاجيتك وفق المتوقع والمعتاد، لكننا نتحدث هنا عن الانتاجية الاستثنائية

فلو أردنا حساب العائد من كونك مشغولا بكل فئة فسنحصل على ما يلي:

Necessity = Break Even
Distraction = Negative Return
! Waste = Zero Return
Extraordinary Productivity = Exponential Return

الأعمال الضروريّة = عائد معادِل
الأعمال المشتتة = عائد سلبي (يوجد عائد لكنه بلا قيمة إضافية)
الأعمال المهدرة = بلا عائد
الانتاجية الاستثنائيّة = عائد مضاعف

الخلاصة: يمكنك دائمًا أن تستفيد من الشعور بلذة الأدرينالين عندما (تختار) أن تستفزه بالأعمال الإبداعية وتحليل المشكلات وتخليق الحلول عوضا عن الركون إلى استفزازه بتوهّم الحالة الطارئة.

كتابة، إرسال، تحرير …ديليت !

الجمعة, فبراير 21st, 2020

ما الذي يحدث كلما (تعشّمت) في شيء وطال زمن حصولك عليه؟ … تزهد فيه أو تعافه في الغالب، مهما كانت شدة رغبتك فيه، ذلك أبسط ما يفعله الفارق الزمني بين الرغبة والحصول، أشغلني لفترة ما يمكن أن يحدثه الزمن فقط بعبوره، خاصة فيما يتعلق بالتواصل بيننا، امتدادا لما ذكرته في التدوينة السابقة، فإنني أؤمن أن (التزامن) هو احتياج لحوح في علاقاتنا وكلما افتقدناه كلما فقدنا من صحة هذه العلاقة.

أقصد بالتزامن هو التواصل مع الشخص في المكان والزمان نفسه، هنا والآن، ، أنا من الأشخاص الذي لا يعرّفون البُعد والمسافة بأنها “فارق التوقيت” وليس الجغرافيا، فارق التوقيت هو الذي يجعل التزامن مختلا بين الطرفين، هو النقطة الحرجة.

كتابة، إرسال، تحرير …ديليت !

ها نحن اليوم لدينا فرصة للتعبير والتحرير وفرصة الحذف، وميزة معرفة كون الرسالة مقروءة والشخص موجود في اللحظة أم لا ( واتساب يعطيك مستويين من مقاربة التزامن : الاستلام ، القراءة ) ، والسؤال: هذا كان ذلك مبالغا فيه؟ هل يجب أن نحصل على كل هذه الفرص في الحذف والتحرير في حالة التواصل الصحي والسليم؟

برأيي؛ نعم كل ذلك مبالغة، أقاوم نفسي في استخدام هذه الخواصّ لأنها تقلل من امتياز التواصل التعبيري، فأنا عوضا عن حذف الرسالة في واتساب مثلا؛ أقول للشخص: أشعر برغبة في حذف ما أرسلته، أود لو أنني لم أقله! أو أقول: عذرا أرسلته بالخطأ. لا أفعل ذلك دائما لكن في معظم الوقت، وهكذا؛ برأيي فإن التواصل مع الأشخاص عن طريق استغلال هذه الأخطاء أو التراجعات هو تواصل أكثر إثمارا من استعمال الخواص التقنية في الحذف. وهذه أبسط فائدة. بالنسبة لي فإن غايتي العليا هي الحفاظ على التزامن، وهو ما سأسرده في أفكار مترامية هنا باختصار:

  • محاكاة التزامنية: خواص الإعلام بالاتصال (online)، بالتفاعل (Typing…) ،بوصول الرسالة، التنبيه عند التغريد، التنبيه المخصص، تحميل برامج لتخترق ما يحجبه الشخص من معلومات، وفي المقابل تحميل برامج لإخفاء الحالة، “خلينا نشغل الفلم مع بعض”، الايموجي ، هذه كلها محاولات تقنية لخلق حالة تزامنية بين الطرفين، ذلك ما يجعلنا مدمنين لها، شعورنا بأنا نحاكي (هنا والآن) رغم بعد المسافة.
  • شخصيا أشترط التزامنية ونقل مستوى التواصل في حالة تطور العلاقة ، إذا كان الطرف المقابل غير مستجيد للتزامنية فإن تلك هي نهاية ما لدي معه، ذلك مفرق الطريق، أنا لا أطيق تواصلا غير متزامن.
  • هناك احتياج للشعور بأن الطرف الآخر يقوم ما يقوم به في اللحظة التي تعرفها أنت، أسمي بذلك باختبار التزامنية معا، حتى لو كنا منفصلين مكانيا فإننا على الأقل نشعر باللذة أننا نشاهد نفس الفلم في نفس اللحظة، ذلك لا يكون إلا من الشعور (هنا والآن)
  • عندما يتصل بك شخص فترسل له: أنا مشغول؛ سأتصل بك لاحقا. هل تسائلت لماذا تضع آبل هذه الرسالة الافتراضية مع خيار رفض الاتصال؟ خيار رفض الاتصال نفسه هو شعور بالتزامنية،فأنت تقول بذلك: لقد سمعت  اتصالك “الآن”، لكنني مشغول وأريد أن تعرف ذلك الآن أيضا

لماذا يهرب الناس من التزامن؟

هل شاهدت ميم (Meme) يتحدث عن المعضلة مع أولئك الذين يتصلون عوضا عن الإرسال؟ لماذا يشعر هؤلاء أن التزامنية معضلة، وعبء نفسي، ونوع من التطلّب؟ برأيي أن الإدمان على الخواص التقنية التي تمنح خيارات التحرير والتخفي هي التي شوهت قدرة هؤلاء على أن يتقبلوا الحضور الآني، الاتصال، وجعلتهم يشعرون بالذعر إذا كان الشخص المقابل متصلا في ذات اللحظة التي يكتبون له فيها، هذا لا يمكن أن يكون تواصلا طبيعيا!

مالذي تخسره بغياب التزامن:

الخسارة هي: الحكاية المشتركة ؛ أعني بذلك أننا متفوقون في صياغة الحكاية المنفردة، التزامن يجعلها حكاية مشتركة مع طرف آخر، لا يمكنك أن تقول (شاهدنا الفلم معا/ سهرنا معا) إذا كان أحد الطرفين غير متصل أو غير موجود! هل تغلب حكاياتك المنفردة حكاياتك المشتركة؟

استخدام التزامن للتلاعب بالآخرين:

أصبحنا نرهب الحضور، تظهر لدينا مشكلة ال” أعرف أنك قرأت رسالتي فلماذا لم ترد؟” حتى أن الناس أصبحوا يستخدمون تلك الميزة التقنية في التلاعب بمشاعر بعضهم البعض، تريد أن تؤذي شخصا وتدفعه للشعور بأنه أقل أهمية، بأنه متروك أو مهمل؟ دعه يعرف بأنك قرأت رسالته، دعه يعرف لأنك لا ترد عمدا؛ دون أن تكتب حرفا واحدا، إن مجرد التلاعب بقوة التزامنية كاف لإيذاء شخص ما، أعتبر هؤلاء الأشخاص يفتقدون للحسّ الإنساني في أدنى مستوياته، مع ذلك أعتقد أنها ميزة الكترونية ، إنني أحترم حقّك في التنازل عن التزامنية، لكنني في نفس الوقت أعتبره تنازل أخلاقي، أنا شخصيا أتنازل عن حق التزامنية، لكنني أضع تنبيها للطرف المقابل من قبيل: “أحتاج وقتا أطول للتفكير”، “مالي نفس أتواصل مع أحد الآن”


يمكننا أن نملك كافة الأدوات التقنية للكتاب، للإرسال والتحرير، للحذف، لكن هل مازلنا نسيطر على مفاهمينا الصحّية في التواصل؟

لماذا توقفت عن بناء المزيد من الصداقات البعيدة أو الالكترونية؟

السبت, فبراير 8th, 2020

في السادس والعشرين من أكتوبر2017م اتخذت قرارا بالتوقف تماما عن بناء المزيد من الصداقات/العلاقات البعيدة أو الالكترونية، بأثر رجعيّ محدود حيث خرجت من الصداقات القديمة التي تأخذ ذلك الطابع والتي لا يهدف أطرافها إلى التلاقي المتكرر. كان هذا القرار بمثابة الانفراجة النفسيّة إذ أنني لا أجد نفسي متمتّعة بهذا النوع من التواصل المجزأ محدود السياق (نصّي/صوتي) لكنني ظللت أقاوم هذه الانزعاج وحاولت دفعنه بل مساءلته: لماذا علّي أهتم إلى هذا الحد بالحضور الفيزيائي/الجسدي؟ هل أبالغ؟ لكنني أخيرا قررت أن أستجيب لرغبتي والحصول على مزيد من الراحة والانطلاق والانسجام بين ما أرغب فيه وما أمارسه. ولأجعل حديثي أكثر دقة فإنني أقصد بالصداقات البعيدة/ الالكترونية هي تلك العلاقات التي يغيب فيها الحضور الجسدي سواء في شكل لقاءات أو تواصل أكثر حميمية وسواء كان البديل لذلك هو التواصل النصي/الصوتي أو حتى اللقاءات المتباعدة بحيث أفقد روح التزامن (تدوينتي السبت القادم هي تفصيل لموضوع التزامنية هذا) إذ أنه -الآن- لا فرق عندي بين صديق أو صديقة تسكن بالجوار مني لكن نمط حياتينا متغايرا إلى الحد الذي لا يوفر لقاءات ترددية بحد معقول وبين الصديق/الصديقة التي تسكن آخر الدنيا وليس بيننا إلا تويتر أو واتساب، كلاهما مرفوضان، أو بعبارة ألطف: لا أستطيعهما.

التواصل الالكتروني/المتباعد….  كان حلا مخادعا:

طفلة نشطة للغاية، ستراها تشارك في كافة أنشطة المدرسة، تكتب المسرحيات وتمثلها وتخرجها، ترتب للاحتفالات وكل شيء صفّي ولا صفّي تنجزه، بالغة تنزع إلى الحركة والتحليل والانتاج، كنت دوما ذلك الشخص الذي يظنه الجميع اجتماعيا وودودا، لكنني في حقيقتي كنت -ومازلت-  ذات طاقة محدودة عندما يتعلق بالأمر بالتواصل الثنائي مع الأشخاص أو المجموعات الصغيرة، حيث تتضاعف المسؤولية (الاجتماعية) في التواصل مع أطراف المجموعة، إنني قد أكون كل شيء إلا أن أكون “شخصا اجتماعيا” ، كنت -ومازلت- إنسانا ينزع إلى الانطوائية، وكل ذلك النشاط الخارجي كان استجابة لقيمة الحضور الجسدي لا لبناء العلاقات، بمعنى أنا أشارك في المسرحيات لأنني أحب تهيئة جسدي وفق إيماءات الدور المنصوص، ليس لأنني فتاة اجتماعية تريد بناء صداقات مع الجمهور المفترض! إذا كنتَ قد أدركت الفرق الخفيّ بين الاثنين فلأنك غالبا صديقي في هذا النادي، حيث ستحتاج إلى تجربة ذاتيّة لإدراك ذلك. على كلٍ، كان ذلك -ومازال- يورّطني .. حيث أن نزعتي الانطوائية لا تريد بل وتعجز عن مواكبة كل هذه الجموع البشرية التي ألتقيها بحكم نشاطي الجسدي، لذلك كان الإبقاء على المسافة وقصر التواصل على المحادثات الالكترونية مفيدا لي ويمنحني مساحة للتنفّس، لكنني دون أن أشعر ضللت الطريق…

العودة إليّ …

عندما تكون الثقافة السائدة الأبوية تعرّف جسدك كأنثى بأنه بحد ذاته مشكلة! زخم الأفكار المروجة الثقافية والدينية تجاه جسد الأنثى باعتباره محط الخطيئة والفتنة وتقطع الصلاة ويستشرفها الشيطان، وخرافات الشرف، كل هذه الثقافة تجعل علاقاتنا كإناث بأجسادنا مضطربة فضلا عن التعايش الجسدي مع الآخرين (حتى في غير السياق الحميمي- تعرف الفتيات أن مدارسهن كانت تجرّم احتضان الصديقات والمشي متجاورين بأكفّ متشابكة حيث يصنف ذلك كعيب اجتماعي ومخالفة مدرسية!) ، غير أنني – ولحسن الحظ- لم أنظر يوما إلى جسدي سوى أنه مكاني وأرضي الخاصة بي ولا أحد سواي، ولا أعتقد أنني أكتسبت هذه النظرة بقدر ما أنني وجدت نفسي عليها كما أن انطوائيتي ساعدتني على الإصغاء لنفسي، لروحي، لجسدي على السواء وحمتني إلى حد كبير للغاية من هذه الأوبئة الثقافية ، ذلك ما جعل احتياجي إلى الحضور الجسدي في صداقاتي صريحا وصارخا، ومستغربا ومحكوما عليه من قبل الرفقاء حولي، لكنني أتفهم ذلك بالطبع. حيث تسألني زميلة: لماذا أحتضن الغرباء بدلا عن مصافحتهم؟ أخبرها أنني ببساطة أحب ذلك وهم يستلطفونه فما المشكلة؟! والدي علمني ذلك، – كجنوبيين- نحن نقدر التعبير الجسدي، نقدر القبلات والاحتضان وملامسة الأيدي، وذلك جعلني منفصلة إلى حد مزعج عن الثقافة السائدة في المكان الذي كوّنت فيه صداقات متباعدة أو يكتفي أطرافها بالتواصل النصّي مثلا، لا… ليس أنا، عموما …كنت أقول أن انطوائيتي وجدت هذه الثغرة في النظام الاجتماعي، فاستوطنتها، بالغت كثيرا في هذه الصداقات المتباعدة مما أبعدني عن حقيقتي، التي تفضل التواصل الذي تحضره فيه جميع الحواس، ويكون الأصدقاء فيه ملء السمع والبصر .. والأيدي أيضا!

لماذا؟!

أنا لا أنوي إقناع أحد بهذا النمط من التواصل المشروط بإمكانية الحضور الكامل، كما أنني لا أنوي إلقاء موشح عن عجز التواصل المتباعد أو الالكتروني عن تلبية احتياجاتنا في بناء نظام اجتماعيّ داعم من شبكات بشرية متنوعة ، لكنني أود أن أختصر معظم ما أستفيده من هذا النمط، ما يجعلني أصرّ عليه – رغم أن كونه ملازم لحقيقتي وطبيعتي أمر كافٍ – لكن بالإضافة إلى ذلك:

  1. التواصل متعدد المستويات: في التواصل الالكتروني نحن محدودون بالقاموس اللغوي وبقاموس الايموجي، في التواصل الجسدي الكامل، تنطق الإيماءة والنظرة واللمسة وصفّ الأسنان في الضحكة ويستجيب شعورك لتجعيدة العينين عند تبسم الطرف المقابل لك أكثر مما يفعل الإيموجي.
  2. الذاكرة المكثقة: اجرِ حوارا حميميا مع صديقك على واتساب، بعد فترة ستتذكر الكلمات، اجر ذات الحوار في لقاء على صوفا تجمعكما بعد فترة ستتذكر المكان، وشعاع الشمس الذي قسم الطاولة أمامكما إلى نصفين وتتذكر الظل بإزائها، ستتذكر اللحظات التي سكت فيها ليلتقط أنفاسه أو عندما نظر إلى جواله، ستتذكر إحساسكما بالجوع في نهاية الدردشة والبحث عن عشاء متأخر في هنقرستيشن، فضلا عن نبرة الصوت و(الهاي فايف) ، إن العلاقات تنمو بالتصاعد على هذه الذاكرة، فاسترجاع الذكريات يكون ألذ وأشهى وآكد وأبلغ إذا كان مقرونا بكل ذلك، ستحكي يوما: عندما كنا جالسين في شقتي و”سولفنا” حتى الفجر ثم وجدنا المطاعم مغلقة.. هكذا ستكون القصة في قلبك، برأيي هذا أروع بكثر من: تذكر لما كتبت لي كذا … انتهى! (الان يمكن الاقتباس الكترونيا .. لن تضطر حتى لإعادة تذكر ما قاله)
  3. تعدد التجارب: التواصل الجسدي يستدعي الحصول على مساحة، ذلك يعني ترتيبات تتعلق بالبحث عن أماكن متعددة ( وربما سفر ودول متعددة) هذا يعني أن العلاقة ستكون زاخرة بالتجارب المشتركة، كيف يمكن ألا يكون هذا الأمر رائعا؟!
  4. … ماذا أيضا؟