Archive for يناير, 2020

هُراء عاطفيّ (ملخّص سريع)

الجمعة, يناير 31st, 2020

في آخر كتاب من حصة يناير القرائية، يطرح د.كارل ألاسكو (المعالج النفسي لأكثر من عشرين عاما) عدة أسئلة لتفهم بها نفسك واحتياجاتها الكتاب عنوانه (Emotional Bullshit – الهراء العاطفيّ) بعنوان جانبي: الوباء الخفيّ الذي يدمر علاقاتك وكيف توقفه؟!

الثلاثي السامّ:

تتلخّص المواقف السلبيّة التي نعاني منها كأشخاص وحتى كمنظمات وجهات تجاه أنفسنا أو تجاه بعضنا البعض بأنها وليدة لأحد أو جميع هذه المشاعر الأربعة: القلق، والغضب، والألم، والخوف. ورغم أن هذه المشاعر تبدو صرفة وصريحة وصارخة إلا أننا كبشر (مليئون بالهراء!) ننزع إلى الهروب من مواجهاتها من خلال: الانكار، والتضليل، واللوم ، وهذا هو الثلاثي السامّ الذي يأخذك إلى بقعة سوداء من الظلام العاطفي. إن هذا الثلاثي السامّ يعمل في تواطؤ معا، فإنكارنا للشعور يخلق فراغا نملأه بالتضليل أي محاولة تفسير وتأويل الأحداث بشكل مضلل، الأمر الذي يقودنا إلى إلقاء اللوم إلى أي طرف خارج عنا. دائما ما نعتقد أن على الآخرين أن يبذلوا مزيد عناية بشان العلاقة معنا هذا اللوم النابع من الفكرة المضللة بأنهم قادرون على ذلك، هذه الفكرة البديلة للحقيقة الساطعة التي ننكرها وهي: لقد أخطأنا في الاختيار من الأول! وهكذا يعمل على الثلاثي بشكل دؤوب لخلق دوامة (الاحتيال العاطفي) والتي لا يمكن أن تتخلص منها إلى بإشباع الحاجات الأساسية وسأذكر طريقة اكتشافها في آخر التدوينة.

” إليك الجزء الأسوء من الأمر: كلما كنا أكثر قربا من الطرف الآخر، زادت أهمية العلاقة وزاد عمقها، وأصبحت رغبتنا في الحفاظ على روابطنا مع هذا الشخص أكثر حدّة، بالتالي سوف يزداد لدينا الدافع لاستخدام الاحتيال العاطفي من أجل تجنّب الألم الناشيء عن الانفصال عنه. إليك الجزء الأكثر سوءًا: الخوف من الألم يمكن أن يكون أكثر قوة من الخوف ذاته”

البنية الداخليّة للاحتيال العاطفي:

إنّ أكبر معترك بشأن الاحتيال العاطفيّ هو كونه يحدث في المنطقة المغيّبة من وعينا، لأننا بارعون في مخادعة وتضليل أنفسنا، كما أن هذه الاحتيال يشبع عددا من نواقصنا لذلك نهرع إليه، نحن نستخدم الاحتيال العاطفي من أجل:

  1. تجنّب الصراع من خلال تجاهل التعامل معه
  2. تجنب معايشة المشاعر السلبية الأبعة: القلق، والغضب، والألم، والخوف
  3. تعظيم قدراتنا ( لا تبالغ! سأتدبر الأمر)
  4. خلق واقع خياليّ لتشتيت الانتباه
  5. جعل أنفسنا نبدو في حال أفضل مما نحن عليه فعلا.
  6. إلقاء المسؤولية على عاتق طرف آخر (لقد تجاهلتك لأنك قللت من احترامي) الحقيقة هي ( إنني أتجاهل مسؤوليتي فب خطأ تقييمي باعتبارك شخص محترم)

الاحتيال العاطفي في فترة التعارف كيف تكتشفه؟

هناك 5 شروط أساسية يجب تقييم الطرف الآخر عليها دون تأثير من الثلاثي السام: لا تنكر، لا تضلل نفسك، لا تلوم، الأسئلة هي: الإتاحة الجسديّة، والقدرة الماليّة، والإتاحة العاطفيّة، والخلو من الإدمان (بكل أنواعه)، وتوافق القيم والأخلاق. هذه الشروط الخمسة لا تكون فاعلة إلا من خلال مطلب أساسي لا يمكن التنازل عنه وهو: القدرة على التواصل بنجاح!.

أوقف الاحتيال العاطفي:

كما أشرت في مستهل التدوينة فإن الطريقة الوحيدة لإيقاف الاحتيال العاطفي سواء ممارسته مع الآخرين أو قبوله منهم، يكون بإشباع الاحتياجات الأسياسية ( لا .. لا نتكلم عن هرم ماسلو، بل شيء آخر!) المشكلة أن رحلتنا في اكتشاف احتياجاتنا الأساسية تبدو رحلة عسيرة، فكيف نفرق بين الاحتياج الأساسي الحقيقي والشيء الذي ترغب فيه ولكن لا تحتاج إليه فعليَا؟ أو الشيء الذي ربما يكون مرغوبا لكنه مشبع بسموم الاحتيال العاطفي؟  … هذه ثلاثة عوامل يمكنك أن تضع فيها الاحتياج الذي تشعر به لتختبره، فالاحتياج الأساسي الحقيقي:

  1. يصب في منفعتك على المدى البعيد ( ما تستمتع به في المدى القصير ليس احتياجا حقيقيا)
  2. ينمي شخصيتك ونزاهتك الشخصيّة
  3. يُخرج ذاتك العميقة والأصيلة، مثلا: أنت تشعر بالتعب وكل ما ترغب في فعله هو الجلوس بصمت لكنك عوضا عن ذلك تدفع نفسك للعب مع طفلك أوالتحدث مع شريكك أوالنظر في عيني محبوبك بدفء، يشعر الطرف المقابل تجاهك بالحميمية والقرب، المعنى في أن تكون فاعلا ونقيا، فتشعر أنت بالرضا مما ينمّي ويعمق علاقتكما، إن هذا التصرف أخرج ذاتك العميقة الأصيلة لتفصح عن نفسها ببهاء. هذا الإفصاح احتياج أصيل وعميق.

” نحن نولد في عالم سحريّ من الإدراكِ المضلّل، إن عقل الرضيع مصمم لامتصاص كميات هائلة من المعلومات الجديدة ومن أجل ذلك لايقوم عقل الرضيع بغربلة ما هو حقيقي وماهو غير ذلك من أجل ذلك يسهل عليه الخلط بين الخيال والحقيقية، … إن بعضا من هذا الإدراك المضلل يبقى معنا طوال حياتنا”

هذا ملخص سريع لأكثر ثلاثة فصول دسامة من الكتاب المكون من حوالي 260 صفحة ثريّة جدا، في اثني عشر فصلا، أشجّعكم كثيرا على قراءته، خاصة الفصول التي لم أتطرقها إليها هنا مثل: كيف يخلق الاحتيال العاطفي مشكلات خطيرة بين الآباء والأبناء، الاحتيال العاطفي في مكان العمل، اكتشاف احتياجاتك الأساسية، مواجهة النار: استخدام الصراع البنّاء في علاقاتك.

قراءة ممتعة

كيف أنقذت الكتابة حياتي؟ – سلسلة لا نهائية

الأربعاء, يناير 29th, 2020

عندما أردت كتابة العنوان وترميزه بكلمة (الجزء الثاني) لم أستطع فعل ذلك، أعني لم أستطع معايشة شعور اعتبار الكتابة كأشياء متجزئة في سلسلة تدوينات تنتهي بحلقة أخيرة، ليس ذاك ما تفعل الكتابة بي،ففوق أنني ألوذ بها وإليها هي تعيد تخلّقي في كل مرة، وأنا أؤمن أن تخلقي لا نهائي، كلام شاعريّ صحيح؟ الكتابة حالة وجودية وشاعرية أيضا، ماذا قالت مايا؟

يقول جانيت لويلاك في “خمس عشرة حقيقة عن قلب الكاتب” :

الحقيقة الأولى: ليس لدينا خيار آخر! …القصص تحترق وتتوسل الخلاص

وقد كتبت مرة أننا نقع تحت رهان الأبطال في القصص التي نكتبها، ذلك ما لا يتصوره كثيرون، نحن نكتب دون أن نعرف كيف سيكون شكل نهاية الأحداث، عندما تضيق الأحداث ضد الشخصية التي نحبها ونحن نكتبها، نحزن..نحزن تماما مثل أي قاريء لم يعرف القصة مسبقا، ربما أكثر … لأننا خلقنا الشخصية والأحداث، ظننا أننا نمسك بزمام الأمور، لكنها فلتت.  ومثل أي فعل إدمانيّ، يمكن للكتابة أن تكون إدمانا، تحترق في رأسك الكلمات والمطالع إن لم تنقذها، تتمرد عليك الشخصيات وتختار مصيرها، وأنت تكتب..تكتب.. لا تملك إلا أن تكتب حتى الورقة البيضاء نراها استفزازا لأن ننفث فيها روح قصة، كل الفواتير ومناديل المقاهي والمطاعم في حقيبة يدي تحمل موجا أزرقا خلفها، ونصوصا شريدة، كان أبطالي يستريحون على “لوقو” المقهى، يتنزهون على رقم الضريبة، لا شيء على المسرح الذي أظهرتهم عليه فجأة يشبه وجودهم الطاريء هذا.  فيما يعتبره الآخرون حظا وافرًا أو موهبة، نحن – مدمنو الكتابة- نراه لعنة سليطة! هل جربنا مرّة تجاهل قصة أرادت أن توجد لأن الوقت غير ملائم للكتابة؟ نعم .. ماذا حدث؟ ستضرب الأحداث جدار رأسك طوال اليوم، ليس على هيئة صداع، بل ثورة! حتى الشخصيات الهامشية التي تختلقها لتبرير الحبكة أو لتمرير اقتباس تصيغه ليصلح للقاريء أن يلتقط له صورة، حتى هي تثور!

للكتابة سطوة! وحقيقتنا الأولى: ليس لدينا خيارٌ آخر.

لديّ دفتر يوميّات، ودفتر أروع منه للحديث مع نفسي وترتيب أفكاري، عندما أقع في معضلة ما أكتب في هذا الدفتر ما أشعر به، ما أفكر فيه، وأحدد معالم الطريق، هكذا أنسج واقعي، أكتب عن أصدقائي، في الواقع يعود أصدقائي إلى دفاتري لتذكّر الأحداث التي تخصّهم، كان أحد منهم يوما يتساءل: لا أذكر آخر مرة خرجت فيها من هذه المدينة لمدة طويلة؟ قلت له: انتظر .. وعرفنا الإجابة من مذكراتي! أن يغيب أصدقائي النابضون في دمي مطولا هذا حدث يفور له قلمي بالطبع! وذلك مجرد مثال. لدي دفتر للقوانين.. القرارات التي أتخذتها وألزمت نفسي بها، لدي قواعد في التعامل مع نفسي، مع زملائي، مع عائلتي ومع الذين لفتوا نظري يوما، لدي سلسلة في العلاقات اسمها: (المانفستو الأخير بشأن ***) ، وهذه السلسلة أكتب فيها القرار النهائي تجاه الشخص الذي – ربما- أعجبني، يساعدني ذلك على الخلوص من العلاقات السامة مثلا أو الأشخاص المركبّين والمعقّدين لأن “ماعاد بدري“… زخم الشخصيات هذا لا يقابله اسم واحد، لن تجد اسما واحد في كل مذكراتي، أحب تفريغ مذكراتي من الأسماء، ليس طلبا للخصوصية فهذا لا يشغلني، لكن ” الأسامي كلام… شو خصّ الكلام؟ عينينا هنّي أسامينا” أحب لذاكرتي المكتوبة أن تستغرق في الحدث لا في الشخصية، وأؤمن أن هذه هي الطريقة المثلى في الاستفادة من تجارب الحياة، علينا أن نصغي إليها ماذا تريد أن تقول، وليس على لسان من!

كيف أنقذت الكتابة حياتي؟

الجمعة, يناير 17th, 2020

ليس لمرة واحدة؛ بل عدة مرات؛ كانت الكتابة هي الطريق الذي تهتدي إليه روحي كلما دفعتني الحياة نحو حوافّها ولعبت معي لعبة: كوني أو لا تكوني؟ وفق الطريقة المسرحيّة التي سطّرها شكسبير في مسرحيّة “هاملت” ، وبين أن أكون أو لا أكون كنت أختار: أن أكتب!

يبدو السؤال في عنوان التدوينة دراماتيكا؛ وفي الحقيقة وددت لو أصيغه بطريقة أقل تحفيزا مثلا : الكتابة كوسيلة مقاومة! أو بطريقة مدرسيّة مباشرة: أهمية الكتابة! .. لكن ماكان شيء من ذلك سيعبّر كفاية عن الطريقة التي شكّلت بها الكتابة ذاتي، ودون مواربة: لقد صنعتني.

الكتابة عرّفتني بنفسي:

أقدم قصاصة ورقية يحتفظ بها والدي لي، كانت قطعة ورق بمساحة اصبعين صغيرين، كتبت فيها إلى والديَّ خطابا موجزا حول رغبتي في النوم معهما في غرفتهما، أرفقت بالطلب رسما تصويريا للمكان المقترح (مربع على الأرض محاذٍ لسريرهما) وأذكر جيدا أنني كتبت ذلك على سبيل المساومة والتنازل عن مكاني في سريرهما، وكانت الخاطرة التي تدور برأسي هي: حسنا لم يعد مقبولا أن أنام معهما، يزعمان أنني كبرت، لكن يجب ألا يرفضا منحني مساحة صغيرة على الأرض جوارهما، دسست الورقة الصغيرة في مكان مرئي خمنت أن أمي ستلاحظه، وبينما كانت قد انتهت من تجهيزي وأخوتي للنوم في غرفنا، قاومتُ النوم حتى نامت أختي، وكنت أنتظر اللحظة الموعودة التي سيصل فيها خطابي، ولأن “الكبار” ينامون متأخرا، أرهقني الانتظار تحت اللحاف البارد وكاد يغلبني الحزن واليأس، لقد بدا لي أنني أنتظرت عدة سنوات ليصل خطابي! حتى جاء صوت أمي مناديا، حينها حملت نفسي ومخدتني ولحافي واتجهت إلى غرفة والديّ، ببهجة وانتصار، في عمر السادسة تقريبا بجسد طري أخفّ من ظله، وروح متطلعة اكتشفت ودون إرشاد كيف منحتني الكتابة القدرة لأن أعرّف نفسي وأعرّف رغباتي، وأتواصل وأفاوض وأساوم ثم أترقب.. الضغط الذي يعيشه طفل السادسة في التحول إلى طرف مستقل (كبير في الصفّ الأول الابتدائي بالطبع!) يجعله يفقد القدرة على التواصل مع والديه اللذان يفترضان منه سلوكا أكثر نضجا، هو لا يريد تخييب أملهما، وشخصيا كانت لديّ نزعة كمالية تضغط علي وتجعلني أرفض أن أكون أقل من المتوقع، لذلك شعرت بالحزن لأنني لم أستطع النوم منفردة ليلتها بسبب مغامرتي في مشاهدة فلم رعب للبالغين وتلك مخالفة أخرى، لكنني حزنت أكثر لأنني لم أحصل على فرصة التعبير عن نفسي، وهذا ما فعلته الكتابة لقد أنضجتني.. لذلك كان ذلك هو الطلب الأخير! حيث لم أشعر بعدها بالحاجة أبدا إلى النوم معهما، لقد تحررت من هذا الاحتياج بمجرد ماكتبت تلك القصاصة البسيطة، لقد تنبّهت إلى سحر الكتابة حينها، لا أعرف لماذا أخترت هذه الطريقة، لكنني كنت أقرأ كثيرا، وكان لديّ مخزون من المفردات غير المستعملة، وكانت الكتابة فعل بدهي. وبعد عدة ليال قررت أن أكتب رسالة إلى الأشباح في ذلك الفلم أخبرهم فيها أنني لم أعد خائفة.

ذلك ما تفعله ابنة الثالثة والثلاثين الآن، إنني أكتب للذين أحبهم رسائل عديدة، قد لا أرفق كتاباتي برسوم توضيحية كما فعلت تلك الصغيرة المساومة، لكن أكتب على أية حال، أساعدهم على فهمي، وأساعد نفسي على فهمهم كذلك، كل ذلك يحدث من خلال رسالة.

يحدث لنا جميعا أن نخوض حوارًا عقيمًا مع أنفسنا حول ماهيّة ما نفكر به، وما نشعر به، وما نريده أو نتطلع إليه، ينتهي هذا الحوار بالشعور بالضجر ثم الغضب فالمرارة، في لحظة تبدو أمام نفسك لغزا متضخما، كأنك لم تعرف نفسك قط، يحدث لي أن أصل إلى حالة مزعجة من التغرّب عن نفسي، ثم أجدني أحمل قلمًا وأكتب… أكتب هذا الحوار العقيم الذي يدور، إنني أتحداه أن يجرؤ ويتحول إلى كلمات مرصوفة وجمل مفهومة، لكي تحتويك اللغة عليك أن تكون مفهوما ومنطقيا، ذلك ما يجعل شعور التغرّب منسابا بانهزامية أمام الكتابة، إنه يسقط فحسب، يعجز، إن الأشباح تحوز على رهبتها من خلال التخفي، نحن نخاف مالا نراه ولا نفهمه، وبمجرد ما نسلط الضوء على الاشباح هذه لا تعود موجودة ويبدو خوفنا مجرد نكتة مضحكة، الكتابة هي فعل تسليط الضوء هذا على ما لانراه ولا نفهمه، الكتابة تجعلني مفهومة لنفسي، تجعل حواري مع نفسي مثمرا وبديعا وخلاقا من خلال الكلمات، بعكس ما يبدو عندما يكون عائما في رأسي، تتلاعب به مخاوفي وضلالاتي.

عندما أعود بذاكرتي إلى أوّل قصاصة كتبتها (خارج منهج المدرسة) أستطيع صياغة القصة بطريقة مبهجة كما فعلت أمامكم الآن، لكن ذلك لم يكن الحال دائما، لقد كتبت عدة قصاصات وخطابات بعدها (لمساومات أخرى) لم تنتهِ بطريقة شاعرية، مما جعلني أتعرف على الكتابة كقوّة موازية يعتضد بها قلبي عندما يرتعد، سأكتب عن ذلك في التدوينة القادمة.

إهانة غير ضرورية!- مراجعة

الأحد, يناير 12th, 2020

” إن كان خوض تجربة الحياة كطفلة جنوبية سوداء أمرًا مؤلمًا للغاية؛ فإن معرفة أن هذا الدور لا يليق بك هو شعور يشبه شفرة صغيرة وصدئة تجزّ عنقك ببطء … إنها فقط إهانة غير ضرورية”

كان ذلك اقتباس مما قالته طفلة سوداء وُلدت في العام 1928م في جنوب الولايات المتحدة الأمريكية حيث تسقط كل الشعارات عند جيناتك التي تختار لك  قسرا لونا جلديا مغايرا، مغايرا بالنسبة إلى ماذا؟ بالنسبة إلى اللون الأبيض فهو الأصل بالطبع.

مارجريت آن جونسون، التي قذفها والداها بعد انفصالهما نحو جدتها جنوبا، برفقة شقيقها “بيلي” الذي يناديها “مايا” ستجدون اسم مايا أنجلو هو الذي اعتمدته لاحقا لجميع انجازاتها، الأخوات مثلها؛ ومثلي؛ ومثلكِ يعرفن تماما سطوة الرأفة التي تغشانا في حضرة إخواننا عندما لا تكون البيئة موآتية لمعايشة سليمة، فنجد أنفسنا وقد اختلقنا لأنفسنا مسؤوليات باهضة الثمن تجاه أخوتنا، لطالما تساءلت عن هذه النزعة الموجودة لدى الأخوات، ووجدت إجابات عديدة، لكنها لا تهم الآن.

مايا، الطفلة المدفونة داخل الكتب، القارئة الشرهة للآداب، التي تتوغل شرايينها مسرحيات شكسبير وروايات ألكساندر دوما، يقدّر لها أن تعيش في الجنوب الأسود حيث اللغة في أشد حالاتها ركاكة، على مسرح هشّ تتداخل الضمائر وتُعجن الأزمنة داخل الأفعال، ورغم أن مايا تحدثت في هذا الكتاب عن معاناتها مع الفقد الأبوي، وتسلط الكنيسة، والسياط التي كانت تجلدها بذريعة التربية، التحرّش الجنسي واغتصابها بفعل خليل والدتها، ثم الحمل في السادسة عشرة من العمر بسبب مغامرة مراهقة واحدة فقط… إلا أنها أدركت بغاية المرارة أن التحلي بروح الشاعرة في منطقة ركيكة اللغة كان عقوبة فظيعة أيضا، بإزاء كل تلك الفظائع.

” يا أيها الشعراء المشهورون والمجهولون، كم من مرّة داوتنا جراحكم، من سيحصي عدد ليالي الوحدة التي صارت قليلة بسبب قصائدكم، من سيعرف كل العذابات التي صارت أقل وطأة بسبب أساطيركم؟! … قد يكون ذلك كافيا، أن نعترف؛ بأن مقدرتنا على النجاة كانت مرتبطة بقدرة الشعراء على الكتابة، وبقدرة القساوسة على الخطابة، وبقدرة المغنّين على الصدح”

بهذه النداءات المهيبة، تسرد مايا العزاءات والسلوى، منذ هزيع عمرها الأول حتى النفس الأخير في عام 2014م ظلت مايا رهينة لرحمة القصيدة، للشعراء السود الذي كان لهم ألا يُقهروا، في كلماتهم بالطبع وليس في واقعهم المغلوب، رهينة لخطب الأحد في كنسية السود التي ترتجّ بالإيمان المفتعل بغية الإجابة: لماذا نحن منكوبون بلوننا الأسود، لماذا هم ناقمون؟! رهينة للجاز، لآلات الموسيقى الالكترونية وهي تصدح وتتردد في صدرها

“وكما كنت أخشى دائما، لا كما كنت أعرف دائمًا وحدها الأوهام تقلقني، تقلقني أكثر من الحقيقة نفسها”

ماذا يمكنك أن تتصوره يدور في رأس فتاة سوداء عُوملت كشيء خالٍ من المعنى والقيمة في ذات اللحظة التي تشعر هي داخلها بتضخم المعنى في سؤال كبير (لماذا عسى كل ذلك يحدث لي؟ ) ماذا سيدور في رأسها غير الأوهام؟ ما سيسكن أطرافها سوى المخاوف، ماذا سيربض على لسانه الطليق البليغ المزهّى بالقصائد سوى الصمت الذي أخرسها لسنوات بعد اغتصابها من هول الفجيعة إلى أن عدّها الناس بليدة وغربية أطوار؟ ماذا سيحوم حول روح هذا الطائر الحبيس من أغنيات؟

أعرف لماذا يغرد الطائر الحبيس” سيرة ذاتية مجتزأ من حياة حافلة بالسياط والأوجاع، وبالمباهج والانتصارات أيضا، تسردها مايا أنجلو منذ نشأتها وحتى عمر السادسة عشرة حيث أزهرت كسيدة جريحة تلاحقت انتصاراتها لاحقا بطعم لاذع مشوب بالنقمة أكثر من كونه انتصار بلّوري زاهٍ.

الكتاب من منشورات دار ميلاد، بترجمة كان يلزمها تدقيق كثير،

اقرأوا مايا.