Archive for أبريل, 2017

خرائط التيه … رواية

الجمعة, أبريل 28th, 2017

لماذا تقرأ رواية لأكثر من ٣٠٠ صفحة؟ تبحث عن حبكة مثيرة؟ وقتا لنسيان المهام المعلقة؟ أو مجرد الرغبة في قضاء وقت خاصّ مع المؤلف؟ أزعم أننا في كل مرة نقرأ فيها رواية نكون مدفوعين برغبة محددة حتى وإن لم نستطع تسميتها، عندما اخترت خرائط التيه كنت أبحث عن نصّ يتحدى قاموسي اللغوي، اللغة النظيفة، أردت الالتقاء بمفردات جديدة غير تلك التي نجدها في الأخبار والمقالات، ما أسوأ أن تقرأ رواية مكتوبة كما لو أنها مقال طويل لأن المؤلف يخاف من أن يبدو متحذلقا، أو ربما يريد من الجميع تصوير الاقتباسات السهلة في تويتر، هذه الموجه الساخرة من الكتابة المحترفة(والقهوة المسكينة؟) أصابت الكثيرين بالخوف، أصبح الكُتّاب يريدون الكتابة بأسهل طريقة ممكنةهذا ليس هو طريق الأدب، كما أن الأدب بالتأكيد ليس على طريقة محمود درويش. لطالما كان الأدباء سادة الاشتقاق والتصريف وحتى إنشاء مفردات جديدة. الأدب العظيم كان يرفد لغة النّاس حتى تدخل شخصياته في أمثالهم، وصوره الأدبية في توصيفاتهم، يتدخل الأدب حتى في اختيار أسمائهم على الهوية الوطنية، يا لذلك الخيط الرفيع بين أن تكون أدبيا بليغا لكن في نفس الوقت مفهوما! سهلا ممتعنا، بالنسبة لي، مَللت، مللت اللغة الصحفية، البيضاء، التي تصفّ ثلاث كلمات خالية من أي جمالية بنائية من أجل تحاشي كلمة واحدة أكثر بلاغة لكنها أقل تداولا. بثينة العيسى في خرائط التيهكانت ضربة موفّقة.

سلخ عنها غشاءها، كاشفا عن باطنها الأصفر اللحيم، المتدفق بالعصائر، هذه ليست لك، إنها لي؟

ما الذي تصفه بثينة هنا؟ مجرد ثمرة مانجا.. خدعتك؟! أليس بديعا؟، ماذا عن بياض الشعر جانبي الرأس؟ هذا ما سيقوله الكاتب العادي، بثينة تقول لك: “ فوْديهلغةٌ محترمة يا صاحبي. فازت علي بثينة مرة واحدة في الصفحة ٢٣٣ عندما قالت: “تكاثرت الغضون حول فمه، لم أكن أعرف معنى الغضون هنا، ووضعت فوقها علامة استفهام. كان ذلك كافيا لابهاجي. أهلا أيتها الكلمة الجديدة، تشرّفنا.

امتلأ أنفه برائحة حامضة، وسمع رفيف أجنحة

 أخذ يعدو خَببا

 رائحة الدم، احتكاك المباضع، خشخشة الثلج وهو يطمر عينين سوداوين

كان صوته مُجلّلا بالعار!، المرأة التي هي مزيجٌ من أختٍ كبيرة، وخدينة متمرّسة

داهمه دوارٌ غريب، مثل مليون حاجٍ يطوفُ داخل رأسه

 البعض منا يساعده الله، البعض الآخر .. عليه أن يساعد نفسه .. يا لقلة الحيلة

هذه الصور الشعرية، المجاز المباغت ، الوصف المستغرق للحظة التي تهرب وتظن أنك غير قادر على التقاطها، تِك .. فِلاش .. تلتقطها بوضوحٍ عالٍ، من أجل ذلك كان فنّ الرواية، فنّا يتطلب مهارة الترصّد والقنص. رأيت ذلك في خرائط التيه.

عائلة كويتية صغيرة، مع ابن وحيد.. اسمه مشاري، تتجّه للحج، تنغمس في ثلاثة مليون حاج، شابورة طريّة في حليب ساخن، وفي الدّوامة البيضاء حول الكعبة، يُبتلع طفل السابعة هذا، تضيع الأم في تسابيحها، يسلخ أبو مشاري إيمانه مع إحرامه. عصابة خطف للأطفال؟ بيع أعضاء؟ صحراء سيناء؟ إسرائيل؟ أنت لا تدري أين يمكن أن تصل بك الأحداث، وفي اللحظة التي تعتقد فيها أن الروائية ستأخذ لنقطة أبعد، تقول لك: كفى! لا يهم وتتوقف. تركّز بثينة على التجربة الانسانية في الضياع، ضياع الابن كحدث، ضياع الذات، أكثر من تركيزها على تعقيد الحبكة، النهاية غير متكلفة، وددت لو لم يمكن هناك فصل الرسائل، سيكون من الرائع لو انتهت الرواية قبله.

بقي أن أقول، أنني استغرقت وقتا طويلا في قراءتها، ربما شهر، وذلك أفقدني أحيانا كثافة الشعور ببناء الأحداث، لكنني مع ذلك حصلت على ما أريده منها، سعدت بالتعرّف على بثينة كروائية، وعلى تكوين.

 

التخفّف ، فيلم وأشياء أخرى

الخميس, أبريل 20th, 2017

بطبيعتي لا أنجذب نحو الفكرة الرسالية، والأشخاص الرساليّين أو التبشيريين/الدعاة، الدعوة والانضمام إلى مجموعة لها شعار ومبادىء وقائمة من الأفكار،شيء لا يشبهني في شيء. أستخدم الأكياس الورقية لأن صوتها يعجبني ولونها وملمسها كذلك، أستخدم الماء بدون إسراف لأنني أكره المبالغة والبلل الفائض، لا تحدثني عن البيئة ولا عن خطورة نقص المياه، أنا لا أريد إنقاذ الأرض لكنني أتصرف كما لو أنني سأفعل، أعتبر نفسي انسانا متخُففا دون الحاجة لأن تحدثني عن فكرة المينيماليزم أو تسميني مينيمَلست، لا أعرف ترجمة معبرة لهذا المصطلح ( المهوسون بكثرة الكلمات العربية نسبة إلى الانجليزيةتفضّلوا؟ ) مفردة التبسيط” – بالنظر إلى الطريقةكلمة أصحّ من التجرّدالتي اختارها مترجمو نتفلكس، لكنني سأختار: التخفّف. بالنظر إلى الغاية. فالغاية من تبسيط نمط حياتك هي أن تتخفف من عبء أحمال مادية غير مبررة.

قبل مشاهدة هذ الوثائقي كان مصطلح مينيماليزم مرتبط في ذهني بكونه أسلوب فنّي أحبه جدا تطوّر في الستينات ميلادية، في الفنون البصرية تحتوي القطعة الفنية أقل عدد من الألوان، وفي التصميم أقل عدد من العناصر، وإذا كنتم سمعتم نكتة حول لوحات الفن الحديث في المعارض، حيث تباع لوحة كبيرة بمبلغ ضخم وهي لا تحتوى على أي شيء غير لون واحد،فهي تحمل هذه الفكرة غالبا، هل رأيتم تاتو لخط واحد أو مثلث بسيط أو ثلاث نقاط متتالية؟ هذه أيضا علامات رمزية لفكرة التبسيط، امتد التأثير أيضا على على الآداب، الرواية المصممة على طريقة المينيمالزم تستخدم مفردات بسيطة ومباشرة وتترك وصف الشخصيات للقاريء (فكرة سيئة)

أن تحرص على ألا تطحنك الآلة الدعائية وتدفعك للشراء غير المعقول لمنتجات لن تستخدمها، هذا أمر سليم، لكن أن تربط بين عدد القطع التي تمتلكها وبين السعادة شيء لا أفضل التسليم به، التخفف الذي أمارسه ليس في الإبقاء على ٣٠ قطعة ملابس لأستخدمها في سنةالفكرة التي يقترحها الفيلمأنا أحبّ الفساتين، أحذية الكعب العالي، وسأشتري منها قطعا لن أرتديها، لأن مشاهدتها بحد ذاته أمر ممتع، ليس لأن العارضة في الدعاية أقنعتني، وليس لأنني أريد قبولا اجتماعيا، أنا أفعل ذلك بدافعٍ فنّي خالص، هذه الأمور بالنسبة لي قطعا فنّية،ولأنني شخص منظّم بطبعه أيضا، فلا يمكن أن تجد في مساحتي قطعا غير مفيدة، في حين يركز الفيلم على التخفف الاستهلاكي المادي. هناك تخفّف آخر أحرص عليه

  • التخفّف من الذكريات

أحتفظ برسائل الأشخاص الموجودين في حياتي الآن، ليس الذين رحلوا بإرادتهم، هناك شخص واحد أو اثنين مسموح أن أحتفظ بكل حرف وصل منهما إلي، كل شيء آخر قابل للحذف، أحتفظ بالهدايا التي أستخدمها ليس قوارير العطور الفارغة، أفعل ذلك لسببين: الأول: لا أحب تكديس الأغراض، الثاني: في العمر متّسع لصناعة المزيد من الذكريات، لماذا أحبس الزمن في ذكرى واحدة؟ بدل أن أطالب أحدهم بالاحتفاظ بقارورة عطر أهديته إياها، ليرمها، وسأستمر في إهدائه المزيد من الذكريات.

  • التخفّف من الذاكرة الالكترونية

عندما أشتري جوالا جديدا أختار الذاكرة الأقل مساحة ( آيفون ١٦ جيجا!) حتى ابل نفسها ندمت على ذلك ، لا أحاول التقاط أفضل سيلفي في الدنيا لذلك لا توجد عشرين محاولة لصورة واحدة،غالبا أنجح من المحاولة الثانية، جوال العمل يعمل على مدار الساعة،لكن جوالي الخاص لا يوجد فيه حتى اشتراك انترنت غالبا، القاعدة: كل شيء أشاهده في الخارج يمكنني مشاركته عندما أعود للبيت. كل الأشخاص الذي يكتبون لي في واتساب يمكنهم الانتظار، لا أحد في خطر ويرسل لك في واتساب.

  • التخفّف من الأشخاص

لدي أصدقاء رائعين، وأقارب كذلك، ومنفتحة دائما لاكتشاف أشخاص جُدد واترك بيننا مساحة لتفاجئني الحياة، لكن ذلك لا يعني أنني سأتحدث على الهاتف طوال الوقت، أو سأتابع عشرين مشهورا في سنابشات أو تويتر، قائمة الحسابات المحظورة في تويتر أطول بثلاثة أضعاف من التي أتابعها، ليس لأنهم أشخاصا سيئين، لكنني لا أريد الصدفة المثالية التي نادرا ما تكون أن تأتي لتجمعني بهم. أعتقد أن ذلك يرفع حظوظي من الالتقاء بأشخاص رائعين. إذا كنت تلاحظ أنك مُحاط بأشخاص لا تحبهم أو أنهم يتدفقون إلى مساحاتك، تأكد أنك منحتهم فرصة ليحجبوا عنك الأفضل. أختار أن أتخفف لأمتليء بالذين أحبّهم فعلا الذين بدورهم سيكونون طريقا جيدا للمزيد من الأشخاص المماثلين، هذا انتخاب اجتماعي يحدث عفويا إذا كنت تحرص عليه.

  • التخفّف من التحديثات

يتفق هذا العنوان مع كتاب قرأته مؤخرا سيكون من الأفضل تركه إلى مراجعة الكتاب.

  • التخفّف الشعوري

لا أقول أنني تلك التي لا تكره، لكنني لا أجعل الكراهية خيارا أوليا، ليس تجاه الأشخاص ولا حتى الأشياء،أستخدم عبارات مثل( لا أرتاح، لا أفضّل، غير مناسب) على لفظ ( أكره ) أكتشفت أنني أفعل ذلك عفويا بدون تفكير. التلهّف، الشوق، الحب أيضا، أحاول ألا أذهب إلى أقصى نقطة، لا أنجح في مرات عديدة لكنني أحاول.

أختم بأكثر اقتباس أعجبني من الفيلم: “ أحب النّاس، واستخدم الأشياء، لأن العكس لن يكون مجديا أبدا

للمشاهدة: (يتوفر مترجما على نتفلكس ) هنا

وجدت أيضا تدوينة لنوال القصير: هنا