Archive for فبراير, 2017

مصافحة

الأحد, فبراير 26th, 2017

أحب الأيدي، وتشدّني الفكرة الفنّية الرائعة من وراء تصميم الكفّ، كتبت عن هذا مرارا باقتضاب وساءلني الأصحاب عن وجاهة انحياز كهذا نحو عضو لم تحتفِ به الأغنيات كثيرا ولم تحمله مجازات القصائد، لكنني أصرّ على موقفي، لطالما وجدت في النظر إلى كفّ المقابل فرصةً لاستجماع فكرة أو ترتيب صياغة، حتى إن المصافحة الحميمة الطويلة وتشابك الأصابع في مسير صامت يبدو لي أعمق في الذاكرة من الأحضان وأكثر إسنادا من الكتف، وتعبيرا بليغا عن التعاضد والمواساة والمحبة، أقل بقليل مما يفعله الاستغراق في قبلة، أكثر بكثير من مجرد نظرة، لم يحدث أن نسيت ملمس كفّ أحببت لمسها، أبدا.

والأمر ليس دائما حميميا، لكنه دائما رائع، وأحيانا مثير للتأمل العبثي، قبل أيام صافحت رجلا تحية عابرة، كان ضخما وكفّه هائلة بالطبع إلى حد أن التقى ابهامه بسبابته دون أن تشكل كفّي النائمة هناك حاجزا يُذكر، وقد استرعى الأمر انتباهنا، رمى نكتةً بخصوص هذا التباين الخطر في الأحجام، وأنا لم يخطر لي إلا صوت كاظم وهو يغني “..وضيعي في خطوط يدي” على نحو مرعب ليس رومانسيا، شعرت أنني لن أستردّ كفي، ثم ستغوص يدي في تلكم المغارات في يده، ثم ستبتلعني كاملة وسأضيع في خطوطٍ تعجز عرّافة عن جمعها وتشكيلها في أقدار مفهومة، أو ربما سأتلاعب بتشكيل خطوط يديه وأغيّر مجرى الأقدار، ثم تخيلت نفسي هناك بحجم مجهري، أضيع في الرقم ثمانية عشر بينما هو يشرح لطفل ما معجزة الرقم ٩٩ وعلاقته بأسماء الله وأنا أعترض على هذه اللعبة ثم أدرك أن لا أحد منهما يراني، بالطبع احتفظت بسلسلة الأحداث الكرتونية هذه في خيالي لكنني أخبرته بالكوبليه. ويبدو مهما لي أن أذكر أنني أنفر من الأشخاص الذي يبالغون في الاقتراب والملامسة، لكنني أبالغ في نطاق رفاقي المحدودين، وأجده موقفا غير مريح أن يحدثني الغرباء من مسافة قريبة.

هذا التفضيل يعود للطريقة التي أفضّل بها الأشياء، كل الأشياء في هذه الحياة، وهي طريقة المواربة، وإرجاء نصف الموقف إلى المخيّلة، جميع الأعضاء التي نتواصل بها مع الآخرين ( هذه الجملة مريبة … ) أو التي نتواصل بها مع أنفسنا، لها موقف صريح، العين لتحميض الصورة، الشفاه التهام نهائي…. أيّا يكن ما تفعله بيديك فلا يمكنك اعتباره موقفا صريحا لكنه بالتأكيد دالّ.  اليّد التي تعصر خصر صبية، تحاول أن تخيط أناملا في تموجّات الفستان لتصبح جزءًا منه، وتبقى هناك ما بقي الخصر، اليد التي تشدك بينما أنت متأخر بخطوتين عن إيقاع المشي، اليد التي تحافظ على درجة حرار العجين، التي تخفي بها جزء من وجهك عندما تغمرك ضحكة أو تفرك بها عينيك لترى الساعة على صوت المنبّه، اليد التي ترسم بها طائرا في الجدار عبر الظل، التي تساعدك في التسلّل إلى قميص من تحب، أو تخبئها في شعره، اليد التي يعقد على أصابعها الأصدقاء وعودهم، أو يتبادلون بها سجائرهم، اليد التي تخرجها من النافذة لتُعاكس تيّار الهواء وتصافح ذلك اليوم الرائع.