Archive for مارس, 2015

إلى: لئيمة…

الجمعة, مارس 27th, 2015

تبادلاتا حديثا مقتضبا كان يفترض أن يكون وفق سيناريو مفصّل لكن كانت جدية الحديث تفوق عفوية المكان الذي جلستا فيه، على درج مبنى شركتهما ..بدتا كمراهقتين تحاولان تسوية الأمور بارتجال ما أمكن على درج المدرسة، انتهى الحديث كما ينبغي:

  • عندما أعود إلى البيت غدا سأتصل بك، أفضل؟
  • أفضل.

بالفعل جرى الوعد كما هو مفترض، حيث لم تتمكنا من الارتجال مجددا والثرثرة عبر اتصال، عادتا إلى الكلاسيكية المنتظمة، ما كان لها سوى أن تكتب:

تذكرين أنكِ سألتِني بالأمس: تعتقدين أنني مجنونة؟ وضحكنا على مجرد طرح السؤال، رغم أننا نعرف أن الإجابة هي: بالطبع! وأنا أيضا!

كلنا يا صديقتي يقف في لحظة أو تُوقفه تلك الحظة لتشعره على نحو أكيد وصارم أنه لم يعد مناسبا للسياق، أن الأمور تجري معه وفيه على نحو لا يبدو منطقيا، ولأننا نملك إحساسا مضمورا بالانكسار أمام الحياة فنحن نذهب تلقائيا نحو التصديق بأننا بدأنا نفقد عقولنا، ذكاءنا، حِسّنا الفُكاهي..أي شيء، المهم أننا نضع تفسيرا يحفظ لنا كرامتنا أمام هزيمة تلوح بحيث تبدو أنها قد حدثت بطبيعة الحال!؛ فكيف لك أن تلوم مجنونا كان لا بد أن ينهزم؟ نحن نعرف أن هذا السيناريو أجمل بكثير من أن نعترف أننا هُزمنا بكامل قوانا العقليّة، بكامل ذكائنا، بكامل حسّنا الفكاهي.

بدلاً عن ذلك، أخبرتكِ أنه هو المجنون، وكأن ذلك سيحدث أيّ فارق، لكنني – وبطبيعة الحال أيضا!- أحب أن أشتم من يُغضب رفاقي، بدون مناسبة، تعرفين أن الأمر منتهِ بينكما مسبقا وأنكِ لم تكوني تستشيرينني بقدر ما أردتِ مني أن أتآمر معكِ في خلق الصياغة النهائية لما حدث بينكما، تلك الصياغة التي ستكون الختم الشمعيّ للحكاية قبل إقحامها في ذاكرتكِ، تعرفين أنني أُحسن ذلك، إلى درجة أنني أكتب إليك الآن.

دعيني أخبرك، لقد أحببتُ رجالا سيئين، سيئين للغاية، وكانوا أغبياء بما يكفي لأن أتمكن من رؤية نهايتي معهم منذ البداية، لكنني وعلى الرغم من تلك الرؤية، كنت أستمر، بل كنت أقع في غرام تلك الرؤية حرفيا، كان وجود النهاية يحفّزني على الاستمرار، كان حضور النهاية وعلى نحو غريب..يطمئنني، إنني ممتنة لهم على منحي ذلك الأمان القطعي. وعندما تحضر النهاية كان العذر جاهزا، ومغلّفا كهدية عيد ميلاد مكشوفة بطاقتها: “لقد انتهينا لأنكم بذلك السوء!” لطالما أخبرني أصدقائي أنني أبدو أجمل وأكثر حيوية بعد كل انفصال، وكنت أعرف أن ذلك يحدث بالضبط لأنني أحب إنهاء ما أقوم به، أحب أن أنجز المهام وأنشئ قائمة مهام جديدة. هذا جنون، وهذا لؤم أيضا، أعترف. لكنكِ لئيمة كذلك، وتفهمين أن مسرحية الانفصال التراجيدية هذه ستنتهي بكِ وأنتِ تبدين أجمل، وأكثر حيوية. دعينا نتفق مبدئيا على وصف الجنون المجازي لما نقوم به، إننا نزهد فيمن يرغبوننا بشكل جديّ وقطعي لأن رائحة الأبديّة تفوح منهم، تلك الرائحة التي تشبه الموت، تشبه الأبيات الشعرية اليائسة على شواهد القبور، تشبه حسابات الأدعية الوقفيّة، تشبه القيود الأبدية وفرقعة زرد السلاسل. إن كلمة الأبدية لا يمكن أن تثير في خيالاتنا صورة حدائق ونوتة هدير، أو أراجيح صدئة وأطفالا يضحكون، إنها لا تنسجم مع خبراتنا كأحياء لا يعرفون شيئا أبديا وصارما غير الموت، غير السلاسل، ما إن يشعرنا أحدهم أنه مستعد لاختراع أبديّة معنا، شعورا أبديا بالحبّ، أو فعلا أبديا بالعطاء والحماية، حتى تبدأ مفاهيم الحياة في ذاكرتنا بالدفاع عن نفسها، تصدر بيانها الصارم في كلمة واحدة: لا. إننا ندافع في مقابل هجمومهم الورديّ الأبدي عن كوننا أحياء، عن كوننا أحرار، عن كوننا قابلين للتغيّر والتحوّل والانتهاء، إننا ندافع عن رغبتنا المُلحّة في بدء قائمة مهام جديدة، في اكتشاف أشخاص جدد، في أن نكون متطرّفين في الصدق مع أنفسنا وصولا إلى أن يبدو كل ما سوى إحساسنا الجنونيّ بالتحرر هامشيا، إننا نختار أشخاصا سيئين للحبّ حتى لا نفرط في الإحساس بالذنب عند إعادتهم للهامش أو ما بعده. دعيني أطمئنك من هذه الناحية، من ناحية أننا لسنا أغبياء إلى درجة أننا لا نعرف ما نختار، ندّعي ذلك أحيانا، لكنه ليس الحقيقة، إن معرفتنا تلتف علينا في أحيان كثيرة، لكننا نعرف.

يوما ما لن نتمكّن – أنتِ وأنامن لمّ الأمور على هذا النحو الصريح، ستسألين غيري، وعلى الأرجح سيفتح لكِ موالا عن الإحساس بالأمان، عن تجاربك المبكرة مع والديكِ، عن ذلك النموذج الذي سيسمّه الفطرة، ماذا أيضا..؟ عن مثلث الاحتياجات، عن سلّم الضروريات، عن أشياء كثيرة يا صديقتي يحاول بها أن يفسّر لك شعور الانعزال عن السياق، سيسمّي ذلك اللؤم اللذيذ بسوء إدارة الأزمات، سيسمّي أحبائكِ السيئين بأخطاء في الاختيار، ويسمّي ذلك المثقل بالأبدية الشخص المنشودسيبدو كل ذلك صحيحا وعقلانيا، ستشعرين لبعض الوقت بما يسمّونه سلاما داخليا، سأؤيدكِ لأنك ستحتاجين ذلك، ولكن أريدكِ أن تعدينني أنكِ ستظلين مؤمنة بأن كل ذلك مجرد لعبة مرحليّة، وأنكِ في نهاية المطاف مجنونة.