Archive for سبتمبر, 2014

كيف يمكن أن يخدعك ذكاؤك؟

الإثنين, سبتمبر 29th, 2014

معروف أن الذكاء غير متفق على تعريفه بالتفصيل، لكن إجمالا متفق أنه عبارة عن قدرة عقلية يمكن تطويرها والتعبير عنها، قدرة على ماذا؟ هنا تحضر وجهات النظر المختلفة التي بتفكيكها ترى أن المشترك بينها تضمّنها القدرة على تحليل موقف وتكوين ردة الفعل المناسبة بشرطين: السرعة والدقّة. وصلت بعض البحوث في اكتشافاتها إلى تحديد أكثر من ١٥٠ قدرة عقلية متداخلة أو مستقلة لتصل إلى ردة الفعل هذه.
حتى نظرية الذكاءات المتعددة لغاردنر التي تحاول إرضاء الجميع، تبدو أقرب للتعبير عن معنى المهارة، وهو الجزء المطوّر من الذكاء أو نتيجته، المهارة تشترط أيضا: السرعة والدقّة.
علما أن الذكاء لا يكشف عن ذاته إلا في حالة المشكلات المستحثة، سأتجاوز التفاصيل مباشرة إلى الفكرة التالية المحددة

كيف يمكن أن يخدعك ذكاؤك؟
يتعامل دماغك مع نفسه كيميائيا ومعك بيولوجيا ومع البيئة من حولك بالذكاء، ثم يعود إلى التعامل مع نفسه مجددا ونفسك والبيئة بمحصّلة هذا الذكاء! هذا هو السطر الأكثر أهمية في المقال.
إن وجود عملية تكرارية ومتأثرة ونامية في مسار “كونك ذكيا” هي الطْعم الذي يرميه لكِ دماغك، والذي غالبا ما تستمتع به، كيف؟

النموذج ثلاثي الأبعاد:
نشاطك العقلي يأخذ ثلاثة أبعاد:
بُعد المحتوى | وهو المادة التي تعمل فيها المشكلة  *محتوى بصري،سمعي،معنوي..إلخ*
بُعد العمليات | وهو العملية التي تُعالج بها المشكلة تحت عوامل مثل: التذكّر،المعرفة،القياس التقاربي..إلخ
بُعد النواتج | وهو يشبه عملية الأرشفة التي يقوم بها دماغك بعد العمليات، حسب تصنيفات نوعية مثل: الوحدات، الفئات، العلاقات، المنظومات (*: جيلفورد)
إن بُعد النواتج يعود بالتأثير على المحتوى فالعمليات ففي نفسه مجددا، ليخلق لك دائرة مألوفة من النشاط العقلي تساعدك على التصرف (أسرع وأدق ) بمعنى تساعدك على التمتع بكونك ذكيا! هذا ما يجعلك تتوقع النغمة التالية في نشاط سبق لك معالجته رغم إنه لم يدخل كاملا في بُعد المحتوى، قفزت فورا عملية التذكر والقياس التقاربي لتخبرك أنك تستطيع التعرف على النغمة التالية، وتهنئك على ذكائك. شخصيا؟ أنا لا أهنئك.
ولتعرف لماذا، اسأل نفسك: إلى أي حدّ يمكنك التدخل في هذا النشاط وإلى أي حدّ تسلبُك جودة هذا النشاط فرص التدخّل أو حتى قدرة التدخل، عبر تكوين أنماط تلقائية، تجعل معظم أفعالك واختياراتك ارتجالية أو بعبارة ديناميكية *أكثر ذكاء* ؟

الخدعة:
إن انغماس نشاطاتك العقلية في دوائر ذكيّة مهم وضروري لحياة سلسة وطبيعية وهو ما يخلق الأفعال العفوية التي تساهم في جودة الحياة كأن تضرب رقم هاتف صديقك بالاعتماد على عفوية حركة أصبعك بدل التركيز على عشرة أرقام عشوائية، رقما رقما، في هذه الأمور أنت لا تشعر بالمشكلة، بل لا تحتاج للشعور بالمشكلة.ماذا لو توسّع الأمر بما يكفي ليخلق لديك عادات ومهارات سلوكيّة تبدو ذكية، ومادمت لم توقفها فهي ستستمر بالتوسع والانسحاب على مجالات متعددة، فمثلا نحن جميعا نلاحظ أن الحرفيين ينغمسون في ذكائهم المهاري خارج مجال الحرفة الأساسي، على طاولة عشاء سترى مصلّح الساعات والمهندس والعازف ولاعب الكرة يمسكون الملعقة بأربع طرق مختلفة ناتجة عن اعتيادهم على معالجة أمور حركية بذكاء عالٍ، رغم إن حمل الملعقة للعشاء لا يدخل في مجال أيّ منهم، هذه صورة مبسطة، الصورة الأكثر تأثيرا هي نزوحك لاختيار وظائف عملية أو تخصصا دراسيا أو حتى زوج وشريك حياة بناء على انغماسك في هذا الحال من الذكاء، وهنا تكون قد وقعت في المصيدة، طرحتُ على الأصدقاء سؤالا يجسد هذه المشكلة يقول: هل اخترت وظيفتك هذه لأنك ماهر فيها أم لأنك شغوف بها بما يحقق أهدافك؟ هل اخترت علاقاتك الانسانية لأنها تحقق أهدافك أم لأنها لا تجلب لك المشكلات فحسب؟
إن الأشخاص الذي يوصفون بالأذكياء غالبا ما يختارون وظائفهم وعلاقاتهم بشكل ديناميكي، أي لأنهم مهرة وأذكياء ويجيدون إنجاز المهمة، وهم يتوهمّون أنهم يعملون في وظائف يحبونها، ولو سألتهم لماذا أنتم موظفون أساسا لقالوا لك: للهدف المادي ولأننا نحب مانعمل ولذلك نحن ماهرون!
ما الذي يجعل شخصا ذكيّا لا يُدرك حقيقة بسيطة كهذه؟ حقيقة أنه لم يعد يفرّق بين ما يجيده وما يريده حقا؟ ما الذي يجعل الأذكياء يتصرفون بغباء متكرر؟ لأنه سمح لذكائه أن يسطو عليه، على رغباته، على الحقائق الأولية البسيطة، ذكاؤه الذي أدمن كونه تحت ضوء اهتمامه، خلق له أنماطا من التصورات والأحكام والقرارات فعالة لمدة طويلة لكن لم يتوقف فترة ليختبرها مجددا، لذلك ستستمر في تضليله وتدخله في دوامة التيه ودفعه ليلعب الحياة على المستوى الأصعب حتى وإن لم يكن هو المستوى الصحيح!

كُن ذكيّا… بالفعل!
لا يمكنك أن تفكّ تلك السلسلة المترابطة لكن يمكنك اعتراضها لتنجو من أن يُضلّلك ذكاؤك،
اكسر النمط | راقب تلك القرارات التي لطالما اتخدتها بدقة وسرعة *بذكاء* الأشخاص الذين تختار مصادقتهم فورا، الأماكن التي تقرر زيارتها فورا، الكلمات التي تقرر قولها فورا..إلخ خفّف من حدة الارتجال واسمح لنفسك بالتراجع، التراجع لا يعني تغيير الموقف، قد تعود لفعل نفس الموقف لكنك الآن قد اختبرته.
اعكس الموقف | اقفز خطوة وراء خطوطك الحمراء، خُض موقفا كنت تعتبره طائشا أو أحمقا، دع ارتجاليتك الذكيّة ترتبك، تجد نفسها بالحاجة لخلق منظومة جديدة.
دوافعك الأوليّة | ابعث دوافعك الأوليّة من مرقدها، مثلا الخوف دافع فعّال، ضع نفسك في تجارب خطرة تهددك ماديا، تهدد علاقاتك بشكل حقيقي.
اخلع النياشين | توقّف عن إدمان الشعور بأنّك جيّد وذكي، لنكن صُرحاء فكل شخص يحافظ على نمط من النشاط العقلي سيصبح جيّدا وذكيا به، إن إدمانك لهذا الشعور اللذيذ يجعلك تلجأ دوما لقرارات وسلوكيات التي أثبتت فعاليتها ويحرمك من اتخاذ قرارات ذكيّة بالفعل!
تجلّى | اصغِ إلى ثلاثة أمور تخبرك بها ذاتك: ما تحبه، ما هو مُريح، ما هو مثمر بالفعل.
إن هذه السلوكيات لا تُمارس بشكل دائم بالطبع، فأنت بحاجة إلى الاستقرار والنمط، لكن كلما شعرت أن قائمة إنجازاتك الحياتية تتخذ نمطا متكررا بمستوى متكرر من الجودة دون تصاعد، كلما كنت بحاجة إلى إحباط الخدع، هنا سأهنئك.