Archive for يناير, 2013

في معنى أن تفقد المعنى | 1

الأحد, يناير 27th, 2013

تتزيّا حروفك بثمانية وعشرين زيّا، تحمل إعرابها وعلامات الترقيم باتصال وشاح راقصةٍ شرقيّة ، تستعير نغم مفردات من لغةٍ ساحرة تتعلمها بجدّ … صفحتك البِكر ، أصابعك العشرة، كل شيء جاهز لحفلة معنى … معنى يخاف البهرجة ويختار أن يوّلي أسَفًا وآسِفًا ، ليفتعل البقيّة فرحا للاشيء ، اللاشيء الذي يجعل الفراغ : عاديّا ومُستساغا ، وقبل أن تعتقد أن شيطان الفلسفة قد زارك ، تباغته بنقرة على “الكيبورد” تضيئ الشاشة النائمة: أيّ شيء … اكتب فحسب!

ما كانت اللغة يوما مُشكلتك ، ما كان شغفك قادرا على أن يغيب دون إنذار، لكنّه بات يفعل وأنت تتساءل بشعور أبويّ بالتقصير: من علّم صبيّي الصغير أن يغيب؟ ثم – في سرّك – تغفر له. لأنّك مضطّر لأن تمدد بسبب إلى الحياة ، و شغفك يساعدك في ذلك، إنه نُطفتك التي تحمل عبء مزاجك وتحمل أنتَ عنها وزر الاختباء المفاجئ، ربما تلك طريقته في التعبير عن نضجه، أنت تعرف كيف أن ارتكاب المواعيد السرّية وافتعال اللامبالاة ونبرةُ الرفض من شأنها أن تعبّر عن النّضج الوفير الأوّل، عن السّرير المُبلّل وعن الأصدقاء الجُدد الأهمّ من الآباء، صحيح؟ … وإن لم يكن ذلك صحيحا ، ماذا إذن بوسعك أن تفعل؟! ستغفر له أيضا! شغفك، وكتبك، وأقلامك، وأصدقاؤك، و… كلهم – فجأة- يعيشون لحظة النضج الوفير تلك، ومتعة الانفصال عنك، كلهم ستغفر لهم ، وعليك هذه المرّة أن تكتب وحدك، أقصد عليك أن تجد معناكَ الخاصّ، أو – إذا أردنا أن نكون أكثر مواجهة- عليك أن تُوجده.

النّاس الذين يقرأون المائة وأربعين حرفا بملل، ويغنون على نمط مُسَرّع دون أن يمنحوا خلاياهم فرصة الرّقص ودون أن يمنحوا قلوبهم فرصة أن يدّق مرّة بين كل مرتين، الذين يخبرونك أن لديهم حياةً مُهمّة بينما ينظرون إلى جوّالاتهم كل ثانيتين، الذين يجيدون الضحك لكنهم لم يكتشفوا بعد حلاوة السُّخرية، الذين “يحبّون الصالحين” بطريقة فاسدة، لا يمكن أن يمنحوك معنى مثيرا لشغفك أو مغريا له ليعود، يجعلونك ممتنّا لغيابه، أنت تخجل من أن يعود ويكتشف أنّك كنت تمضي الوقت على هامشهم – مهما برّرت – وعليك أن تمتنّ أيضا لكل هذا الهامش المتضخّم، الذي يطردك بفضاضة من معناه الخاصّ، ويخبرك أنّ معناك لم يعد يشبهه، إنه بذلك يمنحك “تلميحة” أو مساعدة مجانية لحلّ معناك الخاصّ.

أن يفقد الأشخاص من حولك والأشياء أيضا دلالاتها الاعتياديّة المثيرة أحيانا أو أن تفقد أنت القدرة على قراءة معنى من خلالها ربما هي تبدلت وربما أنت لم تعد مهتمّا كفاية ، لا يهم ما الذي حدث بالضبط هنا ، المهم أن حدثا هنا يخبرك أنك عن كلِّ شيءٍ منفصل، وأنّك الآن تُدرك شاشتك النائمة مرّة أخرى بنقرةٍ تُضيئها فحسب، لتؤكد أنّك مازلت تحاول…

دون أن ترتّب للأمر، تزورك إطلالة من الذاكرة تمنحك استراحة أو ظلال صُحبة كانت تميّز صوت كيفين المتداخل مع رفاقه بحس النضح الوفير ذاك، ظلال تُخبرك أن تصغي بقلبك لمعنى في الجوار يراقبك ، يستأذنك بلُطفك: “عندي مداخلة”، ويغنّي: